نهب الفقراء   
الاثنين 1433/5/18 هـ - الموافق 9/4/2012 م (آخر تحديث) الساعة 8:52 (مكة المكرمة)، 5:52 (غرينتش)
عرض/ بدر محمد بدر

يتحدث هذا الكتاب عن دور الشركات عابرة القومية (متعددة الجنسية) في استنزاف موارد البلاد النامية وإفقار شعوبها، رغم غناها بالموارد الاقتصادية والمواد الخام، وأثر هذه الشركات في ازدياد الفقر في بلدان العالم الثالث، وكيف أنها تستغل قوتها لمضاعفة المصاعب التي يتعرض لها ملايين الفقراء في البلاد النامية.

و"جون ميدلي" مؤلف الكتاب هو إعلامي بريطاني متخصص في قضايا التنمية، عمل في بداية حياته موظفًا في عدد من الشركات متعددة الجنسية، ثم تحول إلى صحفي اقتصادي، وبحكم خبرته في هذه الشركات على مدى نصف قرن، زار خلالها ما يقرب من خمسين بلدًا ناميًا، أدرك تأثير هذه الشركات العملاقة على زيادة إفقار الدول النامية، وهو ما دفعه إلى تأليف هذا الكتاب.

كيانات أكثر قوة
في البداية يشير المؤلف إلى أن الشركات عابرة القومية تعتبر من أهم كيانات الاقتصاد العالمي الآن، وتحتل موقعًا أكثر قوة لم تعرفه من قبل، ومنذ ستين عامًا كان عددها محدودًا للغاية. ويقدر عددها -بحسب تقرير للأمم المتحدة عن عام 2007- بحوالي 78 ألف شركة، إضافة إلى 780 ألف شركة تابعة لها.

-الكتاب: نهب الفقراء
-المؤلف: جون ميدلي
-المترجم: بدر الرفاعي
-عدد الصفحات: 304
-الناشر: المركز القومي للترجمة، القاهرة
-الطبعة: الأولى 2011

وتفوق المبيعات السنوية لكبرى الشركات من هذا النوع إنتاجَ معظم البلاد النامية، وتركز هذه الشركات الجانب الأكبر من استثماراتها المباشرة في البلدان النامية ذات الأنظمة المستبدة، والتي تعتبر "زبائن" يمكن الاعتماد عليها.

وتستحوذ الشركات عابرة القومية على حوالي ثلثي حجم التجارة العالمية، ويتحكم عدد قليل منها في تسويق أو تجهيز أو إنتاج الكثير من السلع، منها خام الحديد والنحاس والنيكل والبوكسيت والرصاص والزنك والقصدير، إضافة إلى التبغ والموز والشاي. وتقف شركات مثل: إكسون موبيل، وجنرال إلكتريك، وميكروسوفت، وسيتي جروب، وجاز بروم، وتويوتا، على رأس هذه المجموعة التي تعد ميزانيتها السنوية بمليارات الدولارات.

ويؤكد المؤلف أن هذه الشركات أصبحت تلعب دورًا متزايدًا في الهيمنة على البلاد النامية، ومع تراجع دور الحكومات خلال السنوات الأخيرة، تزايد دور هذه الشركات مع تنامي وتوسع قوتها الاقتصادية والصناعية، وتستغل حكومات الشمال (أوروبا) ضعف الموقف التفاوضي لبلاد الجنوب (العالم الثالث) لخلق الفرص الجديدة لشركاتها.

ويشير إلى أن البلاد النامية لا تحتاج بالضرورة إلى الشركات عابرة القومية. وفي نظام اقتصادي عالمي تمسك بخيوطه البلاد الغربية، في حين نجد خزائن البلاد النامية خاوية، فإن الغرب والوكالات الدولية التي يسيطر عليها بفاعلية، لا تدع أمام البلاد الفقيرة إلا الخضوع، وبالاستعانة بقوته الاقتصادية يستغل الغرب فقر البلاد النامية لإجبارها على تبني أجندة السوق الحر التي يعتنقها، وليس ثمة ما يجعل العولمة أمرًا حتميًا، فهي خيار لسياسة تفتح الباب على مصراعيه أمام الشركات متعددة الجنسية للإثراء على حساب الفقراء.

الفقراء يموتون
وعند الحديث عن الشركات الزراعية عابرة القومية، وما يتصل  بها من شركات إنتاج البذور والهندسة الوراثية والوقود الحيوي والمبيدات الحشرية وإنتاج الموز والأرز، وشركات التجارة في المنتجات الزراعية، يؤكد الكتاب أن ملايين الأشخاص في العالم يموتون كل عام لأنهم لا يحصلون على الغذاء الكافي بسبب الفقر، وهناك حاجة إلى نظم للغذاء والزراعة تمكن الفقراء من الحصول على الغذاء الذي يحتاجونه، والدور المسيطر للشركات متعددة الجنسية لا يساعد في تحقيق هذا الهدف، ولكن يجب إعطاء الأولوية لتلبية حاجات الجميع على حساب مكاسب الأقلية.

يمكن لشركات الأدوية عابرة القومية المساعدة في القضاء على أمراض العالم النامي، ولكن سجل هذه الشركات في البلاد النامية يشير إلى أنها تعطي الأرباح الأولوية

وتحت عنوان "الصحة: الفقراء يدفعون فاتورة الشركات" يؤكد المؤلف أن هناك مليارين من الناس (ثلث البشرية تقريبًا) لا يحصلون على الأدوية الأساسية للعلاج، وعلى سبيل المثال تحصد الملاريا أرواح مليون شخص كل عام، معظمهم من الأطفال والنساء الحوامل، ونصف حالات الإصابة بالسرطان توجد في بلاد العالم النامي، وهناك مليونان يموتون سنويًا بسبب مرض "السل"، وتتزايد حالات الإصابة بالربو 50% كل عشر سنوات في مدن العالم النامي، ويعد "الإيدز" هو السبب الرئيسي للوفاة في أفريقيا.

ويمكن لشركات الأدوية عابرة القومية المساعدة في القضاء على هذه الأمراض، ولكن سجل هذه الشركات في البلاد النامية يشير إلى أنها تعطي الأرباح الأولوية -حتى لو كانت محدودة- على حساب صحة الناس. وإذا استمرت شركات الدواء عابرة القومية في ممارسة أساليبها الحالية، فلن تتمكن من تقديم الإسهام اللازم لإنجاز هذا الهدف.

ويتحدث الكتاب عن الشركات السياحية عابرة القومية وما يتصل بها من شركات طيران وفنادق وتنظيم رحلات، مؤكدًا أنها تسيطر إلى حد كبير على السياحة العالمية، وتسخّر الفقراء في البلاد المضيفة في خدمتها، ويحقق تنظيم الرحلات الرخيصة للأشخاص في الغرب أرباحًا كبيرة للشركات عابرة القومية، ولا يحصل سكان البلاد المضيفة إلا على الكفاف، بل يحل الضرر الكبير باقتصاداتهم وأرزاقهم وثقافاتهم وبيئاتهم، ولمعالجة هذا الجانب فإن على حكومات البلدان النامية التشاور مع شعوبها بشأن المشروعات السياحية، والتشجيع على توفير الخدمات السياحية المحلية، والتعاون مع غيرها من بلاد المنطقة لممارسة دور أكثر فاعلية في مراقبة شركات السياحة عابرة القومية.

أسباب تغير المناخ
إن تدمير الغابات يعد من الأسباب الرئيسة للتغير المناخي في العالم، وتحوي الغابات الاستوائية حوالي 40% من الكربون الأرضي، وتلعب دورًا كبيرًا في التخفيف من تقلب المناخ، ويتسبب تدمير الغابات في حوالي خمس إجمالي الانبعاثات الحرارية.

وتعد الشركات متعددة الجنسيات من أبرز العوامل التي تساهم في قطع الغابات وحرقها. وعلى سبيل المثال فقدت أفريقيا أكثر من نصف غطائها الشجري خلال المائة عام الأخيرة، وتمارس هذه الشركات أنشطتها في الكنغو الديمقراطية، والكاميرون، وأفريقيا الوسطى، والجابون، وساحل العاج، وليبيريا، ويصدر معظم إنتاجها من الأخشاب إلى أوروبا، وتستورد فرنسا وبلجيكا النصيب الأكبر منها، وتشيع شركات الأخشاب الدولية فوضى اجتماعية وتتسبب في خسائر بيئية جمة.

التعدين هو خامس أكبر القطاعات الاقتصادية حجما في العالم، وهو يساعد في توفير الذهب والكهرباء والأدوات الحديثة، لكنه في الوقت نفسه يسبب مشاكل للفقراء

ويشير المؤلف إلى أن التعدين هو خامس أكبر القطاعات الاقتصادية حجما في العالم، وهو يساعد في توفير الذهب والكهرباء والتلفزيون والناقلات والطائرات والمبردات والأسلحة والذخيرة، كما أنه يسبب في الوقت نفسه مشاكل للفقراء. ففي مجرى التنقيب عن المعادن لإنتاج منتجات ذات قيمة، يترتب على التعدين أضرار اجتماعية وبيئية ضخمة، مصدر معظمها الشركات عابرة القومية في البلاد النامية، وغالبًا ما يكون التعدين على حساب المساحات المخصصة لإنتاج المحاصيل.

والمفروض أن يعود التعدين بالفائدة على البلاد النامية، وبعض أفقر البلاد النامية غنية بمواردها المعدنية، فدولة مثل زامبيا على سبيل المثال، تحتفظ باحتياطيات ضخمة من النحاس، لكن المناجم جرى خصخصتها بإلحاح من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وتشهد أسعار النحاس ارتفاعًا منذ عام 2005، لكن زامبيا لا تستفيد الكثير من هذه الزيادة، بل إن التعليم والرعاية الصحية شهدت تدهورًا.

إن التعدين نشاط اقتصادي قصير العمر، وعندما يتم استخراج المخزون يغلق المنجم أبوابه، وليس ثمة اهتمام بما يحدث بعد ذلك، ومن المنطقي أن تعيد الشركات المناطق التي استنفدت معادنها، إلى الحالة التي كانت عليها قبل بدء التعدين، حتى لا يزداد فقراء البلاد النامية فقرًا.

الملابس الجاهزة
ويذكر الكتاب أن الشركات عابرة القومية تنتج أكثر من نصف إنتاج العالم من السلع المصنعة، مثل الملابس والأحذية ولعب الأطفال والكيماويات والإلكترونيات ومعدات النقل. وعلى سبيل المثال ينفق العالم مئات المليارات من الدولارات سنويًا على شراء الملابس، ومعظمها يجري تصنيعه في البلاد النامية، حيث تكون الأجور في أدنى مستوياتها، وغالبًا ما يأتي الأطفال والصبية الذين يعملون في هذه المهنة من مناطق التجارة الحرة سيئة التنظيم، وفي عام 2004 كان أكثر من نصف احتياجات الاتحاد الأوروبي من الملابس يأتي من الصين وتركيا ورومانيا وبنجلاديش وتونس.

والغالبية العظمى من عمال هذه الصناعة من النساء، وكثيرات منهن من الشابات غير المتزوجات المهاجرات من المناطق الريفية، فالنساء يشكلن 85% من عمال صناعة الملابس في بنجلاديش، و90% في كمبوديا، وهن يعملن دون عقود في الغالب، وبلا حقوق للأمومة أو تأمين صحي.

والشيء نفسه ينطبق تقريبًا على الصناعات الأخرى، مثل صناعة الأحذية والسجاد ولعب الأطفال والإلكترونيات. وهناك إجماع على أن شركات التصنيع يجب أن تتحمل المسؤولية عن أوضاع العمل وظروفه التي يعمل فيها الأفراد، ولكن لا تبدي الشركات عابرة القومية حماسًا يذكر للالتزام بمجموعة من القواعد النموذجية، التي يجب أن تحكم سلوكها، مثل الحد الأدنى للأجر والأجور الإضافية، وظروف العمل.. إلخ.

مواجهة القوة
وفي الفصل الأخير بعنوان "مواجهة القوة"، يقر المؤلف بأن الشركات عابرة القومية أصبحت قوية للغاية، وهذا يدفعها إلى إعاقة جهود محاربة الفقر في البلدان النامية، ويطرح ثلاثة أسباب عريضة لمواجهة سلطتها وسطوتها:

أولا: وضع ضوابط عالمية للشركات عابرة القومية، تستهدف حماية الدول النامية من سطوتها، والمطلوب لتحقيق ذلك أن تتواصل الضغوط الجماهيرية من أجل إصدار تشريع دولي يحقق هذا الهدف.

الاستغناء عن الشركات عابرة القومية -من خلال مقاومة الناس لها- يوجب على هذه الشركات أن تتجاوب أو تموت، وقد ظهر أن الشركات تتحرك عندما يتحرك الناس

ثانيا: الاستغناء عن هذه الشركات، من خلال مقاومة الناس لها، وعندما يتوقف الناس بالملايين عن الشراء، أو يغيرون عاداتهم الشرائية، فإن على الشركات أن تتجاوب أو تموت، وقد ظهر أن الشركات تتحرك عندما يتحرك الناس.

ثالثا: المقاطعة، وهي وسيلة تكلف الشركات الكثير من الأموال، وفي مسح أجراه البنك التعاوني تبين أن المقاطعة تكلف العلامات التجارية الكبيرة حوالي مليارين ونصف مليار دولار سنويًا، ولا يقتصر نجاح المقاطعة على انخفاض المبيعات، ولكنها تؤثر أيضًا في معنويات العاملين بهذه الشركات.

لقد أثبتت مقاومة الجماعات المدنية والمواطنين أنها وسيلة فعالة في محاربة سلوك الشركات عابرة القومية ذات الملكية العامة، والفرصة سانحة لإقامة شبكة دولية من هذه الجماعات وغيرها من المواطنين لمقاومة نفوذ هذه الشركات، وسيكون فقراء العالم -في حال نجاحها- أكثر المستفيدين من ذلك.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة