تاريخ الزواوة   
السبت 8/12/1426 هـ - الموافق 7/1/2006 م (آخر تحديث) الساعة 14:03 (مكة المكرمة)، 11:03 (غرينتش)

عرض/سكينة بوشلوح
من المسلّم به أن الشعب الأمازيغي دخل التاريخ مع الفينيقيين (حضارة الشرق) وليس مع اليونان (حضارة الغرب) ثم أبدع ووضع التاريخ مع الحضارة العربية حيث صار البربر عربا والعرب بربرا.

ومن المؤلم حقا أن يلعب أدعياء الثقافة السياسية من الجزائريين وغيرهم بحضارة الشعب الأمازيغي وعقله وثقافته، فيصورونه على أنه شعب انتهازي.

- الكتاب: تاريخ الزواوة
- عدد الصفحات: 163
- المؤلف: أبو يعلى الزواوي
- تعليق: سهيل الخالدي
- دار النشر: وزارة الثقافة، الجزائر
- الطبعة: الأولى/ 2005

وفي نظرهم حين كان الرومان سادة العالم كان الأمازيغ روماً نصارى، وحين ساد العرب العالم صاروا عربا مسلمين، ولأن العرب اليوم في ضعف هاهم يبحثون عن "أرومة" أوروبية ينتمون إليها.

ولأنه تلاعب استعماري وجهل حضاري، رفض الأمازيغ والعرب في الشام مقولة الدعاية الفرنسية -وقبلها التركية- من أن الأمازيغ ليسوا عربا وجاؤوا مع الأمير عبد القادر وبعده المقراني ليحتلوا الشام ويستعمروه.

وقد تصدى الجزائريون الأمازيغ والعرب لهذه الدعايات، وأسقطوها كما أسقطوا ويسقطون في الجزائر دعوى أن العرب مستعمرون غزاة.

وكتاب "تاريخ الزواوة" لمؤلفه الشيخ أبو يعلى الزواوي هو أحد الكتب التي ساهمت في ذلك.

الكتاب والكاتب
"
كتاب تاريخ الزواوة يوضح أن الاستعمار الفرنسي وأكاديمياته ومثقفيه يعملون على إشاعة الفتنة ويريدون من الزواوة (القبائل والأمازيغ والبربر) أن يكونوا وقودا لها وأداة للتقسيم والانفصال
"
يتكون الكتاب من جزأين أوله تعليق لثانيه، وقد اعتمد الكاتب الصحفي سهيل الخالدي في مراجعته للنسخة الأصلية على مؤلفات أخرى منها: رحلة ابن جبير، والحركة التبشيرية في الجزائر، والأمازيغ وقضيتهم في المغرب الكبير، ليضفي على الكتاب مصداقية أكبر ويؤكد ما وصل إليه الزواوي منذ ما يناهز القرن.

عثر المعلق على كتاب تاريخ زواوة قدرا أثناء إنجازه كتابا عن الجالية الجزائرية في الشام، وقد عثر على نسختين واحدة في مكتبة الأسد والأخرى في مكتبة الظاهرية بدمشق القديمة.

وبمساعدة شخصيات من سوريا والجزائر استطاع أن يصل إلى ترجمة موجزة للشيخ الزواوي، فهو من مواليد عام 1862 وقام برحلات عديدة إلى القاهرة وباريس ودمشق التي حرر فيها كتابه هذا، وقد توفي عام 1952 في الجزائر، وترك عددا من المؤلفات والمخطوطات والمقالات المنشورة في الصحف الجزائرية والمصرية والشامية.

ورد اسم الكتاب والكاتب في نسخته الأصلية كالتالي "كتاب تاريخ الزواوة تأليف الفقير الضعيف الراجي عفو ربه اللطيف السعيد بن محمد شريف أبو يعلى الزواوي"، وطبع في مطبعة الفيحاء بدمشق على نفقة أحد رجال التصوف من المهجّرين الجزائريين.

أما سبب تأليف الكتاب فقد ذكره المؤلف في نص إهدائه، وهو إزالة الظلم الذي لحق بتاريخ زواوة جراء الدعوى بأنهم غير عرب.

والمؤلف كُتب بلغة عربية جميلة وبأسلوب هو أقرب إلى أسلوب المحدثين منه إلى أسلوب القدامى رغم ما فيه من السجع، وقد حاول التخلص من المنهج القديم ليدخل قدر الإمكان إلى المنهج الحديث، فنجده يذكر مراجعه وكلها من أمهات كتب التراث، كما أشار إلى بعض الصحف والخطب والوقائع التي شهدها.

ويبدو أن البحث قد استغرق منه عدة سنوات وعرضه على كثير من مثقفي زمانه، كما ورد في الكتاب.

قسم الزواوي كتابه إلى فصول سبعة منطقية الترتيب والتصاعد، فقد تحدث عن علم التاريخ وفضله أولا، وخصص الثاني لنسب زواوة وهو أطول الفصول، ليتبعه بفصل في ذكر محامدهم وخصائصهم، ثم برابع في زواياهم وعلمائهم، والخامس في عاداتهم والسادس في المطلوب لإصلاح حالهم، كما خصص الفصل الأخير للائحة التعليم ونظامه وبيان طرقه.

إذن نحن أمام كتاب هام يشكل وثيقة تاريخية حررت بطلب وتكليف جماعي من الزواوة، ولعل هذا ما يفسر عدم وصول الكتاب إلى القارئ الجزائري رغم مرور هذه المدة الطويلة على طبعه، ويوضح لنا أن الاستعمار الفرنسي وأكاديمياته ومثقفيه يعملون على إشاعة الفتنة ويريدون من الزواوة (القبائل، الأمازيغ، البربر) أن يكونوا وقودا لها وأداة للتقسيم والانفصال.

"
القبائل المعروفة بالبربر التي استوطنت أراضي شمال أفريقيا كانت تقيم في الأصل بأرض فلسطين إلى جانب الكنعانيين، ثم أخرجت منها في عهد الملك داود حين قتل ملكهم جالوت
"
وحدة الوطن والتاريخ واللغة والمزاج
يؤكد أبو يعلى الزواوي إجماع علماء النسب على أن الزواوة من بطون كتامة وهم من شعوب اليمن العرب العرباء القحطانيين الحميريين، وحمير بن سبأ الأول بن يشجب بن يعرب بن قحطان، والقحطانيون أعرق في العربية من العدنانيين.

ومما يؤيد هذا مشابهة الخطين الحميري والبربري مشابهة كبيرة، وخير شاهد على ذلك وجود الخط الحميري في إحدى قرى أفريقيا منقوشا على حجر.

أما المعلق سهيل الخالدي فقد استشهد بما أورده المهندس باحث الآثار المؤرخ العراقي د. أحمد سوسة في كتابه الذي حاربته الصهيونية "العرب واليهود في التاريخ.. حقائق تاريخية تظهرها المكتشفات الأثرية" حيث قال ما نصه "إن القبائل المعروفة بالبربر التي استوطنت أراضي شمال أفريقيا كانت تقيم في الأصل بأرض فلسطين إلى جانب الكنعانيين، ثم أخرجت منها في عهد الملك داود حين قتل ملكهم جالوت، وإنهم انتهوا إلى ديار المغرب فانتشروا هناك".

ولعل التطابق في تسمية الأماكن بين جبال جرجرة في الجزائر وكنعان في فلسطين والشام وغيرها بالجزيرة العربية وأسماء القرى والأماكن، ما هو إلا إثراء للمدرسة التاريخية التي تقول إن الزواوة والبربر عموما إنما جاؤوا من اليمن إلى فلسطين فمصر فصعيدها فالمغرب العربي، وهو في نفس الوقت إضعاف لتلك المدرسة الاستعمارية التي تحاول أن تلحق كل البربر بأوروبا بادعائها أنهم رومان محتلون وأن العرب غزاة هلاليون.

وهذا الضعف الجغرافي التاريخي للمدرسة الاستعمارية في كتابة التاريخ يزداد هزالا على هزال إذا ما قارنا بين القبائل البربرية في المغرب العربي والقبائل العربية في المشرق العربي، وإذا ما قارنا بين اللهجات المشرقية العربية واللهجات الأمازيغية.

إذ يتحدث أبو يعلى الزواوي في كتابه عن التشابه بينها، ويقر بأن الجزائريين الزواوة والشاوية لا يختلفون في كثير عن القبائل اليمنية في جبال ردفان وفي صنعاء عندما يتحدث كل منهما لهجته المحلية.

ويرى أن على المرء أن يقف طويلا عند ظاهرتين: أولاهما أنه لا يوجد تاريخ أمازيغي مكتوب بالأمازيغية، فكله مكتوب بالعربية باستثناء ما كتب بالفرنسية إبان عهد الاحتلال الفرنسي، وثانيهما هذا العدد الهائل من البربر العلماء الذين أسهموا في تطور اللغة العربية وتعضيدها كابن أجروم وابن معطي وغيرهما.

وفي كل الأحوال فإن التشابه اللغوي بين العرب والأمازيغ ليس فقط في اللغة كمفردات وتسميات وحسب، بل إنه في الخط أيضا، فالخط الأمازيغي "التيفيناغ" هو جزء من الخط العربي المسند القديم.

إذن، معظم العرب مشرقا ومغربا يرجعون إلى جد واحد وقد اعتنقوا دينا واحدا على مذهب واحد تقريبا، فالبربر مسلمون سُنة كالعرب وهذا ما يفسر عدم انتشار المسيحية انتشارا واسعا بين البربر رغم طول القرون، في حين أنهم اعتنقوا الإسلام العربي بشكل شامل في أقل من أربعين عاما.

ولعل الشيخ الزواوي أدرك تماما أبعاد التطابق الثقافي بين العرب والبربر، فبعدما أبرز التطابق في السلالة والنظام الاجتماعي وفي الدين واللغة، ينتقل إلى تطابق الأخلاق والطباع السيكولوجية الجماعية، فما يعتبر محمودا عند الزواوة نجده محمودا عند العرب، وما هو مذموم عند هؤلاء فهو عند أولئك كذلك.

يقول أبو يعلى "فالزواوة إذن عرب مستعربة وعرب عرباء بأصلهم المتقدم، ثم إن كثيرا من الأخلاق والعادات والطباع في البربر متماثلة متمازجة بطباع العرب، كاتخاذ البيوت من الشعر والوبر والطين والحجر، وحلق الرأس والشجاعة والكرم وركوب الخيل وكسب النعم، إلى غير ذلك مما لا يكاد يُستقرَأ، وكلها أحكام الاستعراب".

كما يعتبر المؤلف العقل البربري كالعقل الشرقي، فقد وجد البربر مكانتهم القيادية في الفكر الشرقي قديما وحديثا، بدليل نبوغ ألوف من البربر في المشرق العربي وفيهم من تولى القضاء والتدريس في مصر والشام.

ومن هنا نفهم بوضوح لماذا حارب الاستعمار التاريخ واللغة العربية والدين بين الجزائريين الأمازيغ، خاصة الذين كتبوا تاريخهم بالعربية دون أية لغة أخرى عرفوها ومرت بهم عبر القرون.

"
الأمازيغ في سوريا كانوا جزءا أساسيا ومحركا قويا للنضال القومي العربي، سواء كان ذلك ضد الأتراك أو الفرنسيين أو الإنجليز أو الصهيونية
"
الزواوة من الريادة إلى القيادة
زوايا الزواوة كثيرة مشهورة ومعناها المدارس والمساجد وبعبارة أهل العصر الجامعات والكليات، من هذا المنطلق يركز أبو يعلى الزواوي على مدى محافظتها على الثقافة والتربية والأخلاق لدى العامة، كما أثبت دورها في الكفاح.

فهي حسب سهيل الخالدي منبع الحركة القومية العربية، لذا عمل الاستعمار الفرنسي على هدم الزوايا والمساجد في منطقة القبائل وشن حملة تنصير واسعة حيث اختطف الأطفال خاصة بعد المجاعات التي تسبب فيها، فقايض الدين بالرغيف.

واشتدت هذه الحملات في أعقاب الحرب العالمية الأولى حيث شعر بقوته وضعف العرب، فسعى لتمزيقهم دينيا بالدعوة إلى النصرانية وسلاليا بالدعوة إلى البربرية. وتحوّلت الزوايا إلى ما يعرف بالطرقية في الجزائر والدروشة في المشرق فصارت عونا للاستعمار.

وكما شن مؤسس جمعية العلماء الجزائريين الإمام الشيخ عبد الحميد بن باديس حملة ضد الطرقية وناضل من أجل العربية والعروبة في الجزائر، فعل الشيخ طاهر السمعوني الجزائري ابن بجاية الشيء نفسه في المشرق العربي، فعصرن التعليم ووقف ضد سياسة التتريك وأسس جمعية النهضة العربية عام 1904.

ولم يعد سرا أن الأمازيغ في سوريا كانوا جزءا أساسيا ومحركا قويا للنضال القومي العربي، سواء ضد الأتراك أو الفرنسيين أو الإنجليز أو الصهيونية، وشيخنا الزواوي يقر بنفسه بذلك لما عاصر من أحداث لا يسع المجال لذكرها.

وحتى تسترجع الزوايا مكانتها، ألح الشيخ على ضرورة الإصلاح الديني ورآه وظيفة منوطة بعلماء المسلمين الذين لم تلههم مناصب الجاه عن النظر فيما حل بقومهم من البؤس والشقاء والبحث عن أسبابه ووسائل النجاة منه.

ومن خلال حديثه عن الوضع السائد في منطقة القبائل أبدى رأيه في طرق إصلاحه وفق منهج تربوي جديد في إطاره الإسلامي، وبين طرق التعليم الابتدائي والكتب المدروسة ودور الإدارة والتفتيش للزاويا.

أشار سهيل الخالدي في مجمل تعليقه إلى نبوغ الزواوة في بلادهم وفي المشرق العربي داخل الحضارة العربية دون سواها، إذ قادوها دون أن يشعروا بأنهم خارج وطنهم عكس نبوغهم في أوروبا، فكتّاب الزواوة باللغة الفرنسية من أمثال كاتب ياسين ومولود معمري لم تعدهم فرنسا نوابغ فرنسيين، بل تداول الناس كتاباتهم المترجمة إلى العربية أكثر مما تداولها القراء بالفرنسية، ولاقوا من الاحترام والتبجيل ما لم يلاقوه في فرنسا، فهذه الأخيرة تستغلهم والمشرق يحترمهم، وشتان بين الاستغلال والاحترام.

البربر -شاؤوا أم أبوا- شركاء أصليون ومؤسسون في الحركة العربية، وهم مسؤولون بنفس الدرجة من المسؤولية عن ازدهارها السابق وتخلفها الحالي وتجددها المتوقع والمطلوب، وليس هذا موقعهم في الحضارة الأوروبية قديما وحديثا ومستقبلا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة