ما وراء دارفور   
الثلاثاء 1428/6/17 هـ - الموافق 3/7/2007 م (آخر تحديث) الساعة 13:42 (مكة المكرمة)، 10:42 (غرينتش)

عرض/بدر محمد بدر
منذ البداية لا يخفي مؤلف هذا الكتاب تحيزه الواضح ضد من يطلق عليهم "الطبقة الحاكمة الشمالية التي ورثت الحكم عن الاستعمار" وبالتالي تدور صفحات هذا الكتاب في ذلك النسق الذي تغيب عنه الموضوعية أحيانا.

-الكتاب: ما وراء دارفور.. الهوية والحرب الأهلية في السودان
-المؤلف: الباقر العفيف
-المترجم: محمد سليمان
-الصفحات: 132
-الناشر: مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان, مصر 
-الطبعة: الأولى/2007
حتى إنه يبدأ بالإهداء الذي يقول فيه "إلى شعب السودان الرازح تحت رق الجبهة القومية الإسلامية.. إن ليل عبوديتك الطويل حتما سينجلي, وإنك لعلى موعد مع صبح الحرية"!

يقول المؤلف إن تجاهل تعددية الهوية في السودان يمثل المعضلة الرئيسية ويؤطر كل الصراعات السودانية, منذ رفضت الطبقة الحاكمة الشمالية التي ورثت الحكم عن الاستعمار أن تقبل بمواطني الجنوب وجبال النوبة والأنقسنا كما هم.

وظلت تعتبر وضع مواطني دارفور والبجا أمرا محسوما, باعتبارهم مسلمين دينا, وشرعت كذلك -مستخدمة جبروت الدولة- في تنفيذ ما يمكننا اعتباره بشكل واضح "مشروع هندسة اجتماعية", يهدف إلى إنتاج مواطنين ملحقين دينيا وثقافيا وسياسيا بالمجموعات الشمالية النيلية".

الاستعمار البريطانى
ويعود بنا المؤلف إلى الفترة التي غزا فيها الاستعمار الإنجليزي السودان في نهاية القرن التاسع عشر, وتأسيس سياستهم في التعامل مع الشعب السوداني على نفس الفهم السائد للهوية الشمالية والجنوبية.

فقد تعاملوا مع الهوية الشمالية باعتبارها محددة الملامح ومكتملة النمو, بينما تعاملوا مع الهوية الجنوبية باعتبارها في طور النمو, وبالتالى مفتوحة أمام كل الاحتمالات.. ولم يكن الصراع في هذه المرحلة بين هوية شمالية وأخرى جنوبية, ولكنه كان في الواقع بين مخططين متنافسين، مخطط السودانيين الشماليين والمخطط البريطاني, ولم تكن الهوية الجنوبية فاعلا في ذلك الصراع, بل كانت موضوعه.

ويؤكد المؤلف أن هناك إجماعا في وصف الحرب الأهلية في جنوب السودان, التي اندلعت في العام 1955 بأنها كانت صداما بين الهويات, أو كما وصفها رئيس أفريقي بأنها حرب بين أناس يرتدون العمائم وآخرين يلبسون ريش النعام.

"
الاستعمار البريطاني تعامل مع الهوية الشمالية باعتبارها محددة الملامح ومكتملة النمو, بينما تعامل مع الهوية الجنوبية باعتبارها في طور النمو, وبالتالى مفتوحة أمام كل الاحتمالات
"
أما التمرد المسلح الذي اندلع في دارفور -غرب السودان- ثم اتخذ شكل الحرب الشاملة عام 2003 فقد تأسس على خطاب عرقي/إثني واضح للعيان.

مؤلف الكتاب يصف رد الحكومة السودانية على التمرد في دارفور بأنه كان عنيفا, ومشابها -بصورة ملفتة- لطريقة إدارتها للحرب في الجنوب, كاستخدام الجيش وسلاح الطيران, وخلق المليشيات من المجموعات الإثنية العربية في المنطقة, والترخيص لها بالقتل والاغتصاب والنهب, ما دفع مثقفي دارفور للتنقيب عن تفسير لهذه الوحشية والقسوة, في صفتي العنصرية ولون البشرة.

أزمة فى الهوية
يعتبر المؤلف أن السودانيين الشماليين يعانون هم أيضا من أزمة في الهوية, فرغم إيمانهم بأنهم ينحدرون من أب عربي وأم أفريقية فإنهم يتماهون مع الأب ويقمعون الأم.

ويقول إن العرب الأصلاء في العالم العربى, خاصة في دول الخليج والهلال الخصيب, لا يعترفون بعروبة أهل السودان, ويعتبرونهم عبيدا. وهنا يأتي التناقض الأكبر عندما يعتبرون -أي الشماليون- مواطنيهم من السود عبيدا, بينما هم أنفسهم يسمون عبيدا من جانب العرب الأصلاء.

ويرى المؤلف أن الدور الذي رسم للسودان, باعتباره بوابة الإسلام والعروبة إلى قارة أفريقيا سبب لها صعوبات جمة, منها النظر باستعلاء لإخوتنا في الوطن باعتبارهم أناسا بدائيين, بلا قيمة أو ثقافة أو دين, وبأن لغتهم غير مفهومة, ودينهم وثني.

وهذا أدى إلى اختلال جذري وصدام بين المجموعة العربية الإسلامية والمجموعة الأفريقية, وهو الصدام الذي نتجت عنه الحرب الأهلية.

فى حديثه عن التركيبة العرقية في دارفور يقرر المؤلف أن فيها عددا من المجموعات الإثنية, معظمهم أفارقة سود مسلمون, بعضهم مازال يحتفظ بلغاته الأفريقية الأصلية, ولكنهم يستخدمون اللغة العربية كلغة تخاطب بينهم, وبعضهم الآخر فقد لغته الأصلية, وأصبح يتحدث العربية كلغة أم منذ قرون, كما اتخذ العروبة هوية له.

ولكن التصنيف الرئيس هو بين هذه المجموعات الأفريقية السوداء أو ما يسمى بالزرقة من جانب, وبصرف النظر عما إذا كانوا يتحدثون العربية كلغة أم أم لا, وبين القبائل العربية من الجانب الآخر.

"
العرب الأصلاء لا يعترفون بعروبة أهل السودان ويعتبرونهم عبيدا, وهنا يأتي التناقض الأكبر عندما يعتبر أهل الشمال مواطنيهم من السود عبيدا بينما هم أنفسهم يسمون عبيدا من جانب الآخرين
"
وتتشكل الزرقة من قبائل: الفور والمسالين والزغاوة والسلامات والميدوب والبرتى, بينما تشمل القبائل العربية البقارة والرزيقات والزيادية والمعاليا والبني هلبة.

لقد استخدمت الدولة, وهى التعبير المؤسسي للهوية الشمالية, للتعجيل بعملية التعريب في دارفور, وذلك عبر آليتي التنمية والتعليم بصورة رئيسية, بينما همشت دارفور في التنمية والخدمات كغيرها من المناطق الأخرى في السودان.

ويدلل المؤلف على ذلك بأنه من بين نحو 1.5 مليون طفل في دارفور تمكن أكثر قليلا من 4000 من خوض الامتحان النهائي للمرحلة الأولية, وهو عدد أقل من عدد تاركي المدارس الأولية في محلية واحدة بالولاية الشمالية, رغم أن عدد سكان محلية واحدة في دارفور يساوي عدد سكان الولاية الشمالية بأكملها.

الجنجويد
الفكرة خلف "الجنجويد" هي الحرب بالوكالة وفي هذه الوكالة قد يتبدل الضحايا المستهدفون وقد يتغير القتلة المأجورون, ولكن الفكرة نفسها تظل ثابتة, والثابت الآخر في هذه الوكالة هو هوية المستهدف, فلا بد أن تكون غير عربية.. أفريقية سوداء.

إن الجنجويد هم العملاء المأجورون فيما يتعلق بالضحايا في دارفور.. وقامت الحكومة باستقطابهم لمقاتلة حركات التمرد, وساعدتهم الحكومة في شن حروبهم القبلية التوسعية, بهدف تطهير عرقي لا تخطئه العين.. ولسوء حظ الحكومة كانت الأقمار الصناعية ترصد ما يجري, فصورت مئات القرى المحروقة, وأجهضت كل محاولات التكتم على المسألة.

يؤكد المؤلف -في استعراضه لرد الفعل العربي- أن الأزمة في رأيهم تأتى في إطار الحديث عن التدخل الأجنبي, والعالمين العربي والإسلامي يرونها جزءا من مؤامرة ضخمة ضد المسلمين.

ويستعرض ما أذاعته فضائية الجزيرة حول دارفور, معتبرا ذلك داخلا في إطار حملة دعائية صارخة بالنيابة عن الحكومة السودانية, خاصة تلك المقابلة المطولة التي أجراها الصحفي أحمد منصور مع الدكتور محمد سليم العوا الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

انتقاد للقرضاوي والعوا
في معرض انتقاده لزيارة وفد الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين برئاسة فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي ومعه الدكتور محمد سليم العوا إلى السودان, يقول إن هدف الزيارة المعلن كان هو التوصل للحقيقة على الأرض بخصوص ما يجري في دارفور.

ومع ذلك فإن خطبة الشيخ القرضاوي في مسجد الشهداء بالخرطوم -التي حضرها كل المسؤولين في الحكومة- توضح أن الشيخ قد توصل إلى "الحقيقة" قبل أن تطأ قدماه أرض دارفور, واعتبر تعليقات القرضاوي فارغة من أي تعاطف إنساني واللامبالاة تجاه المعاناة الرهيبة لأهل دارفور, لقد بدت تلك المعاناة تفاصيل تافهة في اهتماماته الإستراتيجية بالمؤامرة الصهيونية على الإسلام.

"
الكاتب يعتبر تعليقات القرضاوي بشأن دارفور فارغة من أي تعاطف إنساني وتتسم باللامبالاة تجاه المعاناة الرهيبة لأهل دارفور التي بدت تافهة في اهتماماته الإستراتيجية بالمؤامرة الصهيونية على الإسلام
"
وبدا أن الشيخ كان مهتما بكون العمل الإنساني الذي أنقذ الآلاف تم بأيدي منظمات غير حكومية مسيحية, أكثر من اهتمامه بضياع حياة وأسباب معيشة إخوته المسلمين.

وعلق المؤلف كذلك على المقابلة التي أجراها أحمد منصور مع الدكتور العوا في قناة الجزيرة, معتبراً إياها دفاعا مطولا عن الحكومة السودانية, وتبنيا للرواية الرسمية عن الأزمة باعتبارها نزاعا قبليا بين الرعاة البدو والمزارعين المستقرين حول الموارد النادرة, وأنه ليس نزاعا عرقيا, وأن الانتهاكات ضخمت أو فبركت.

وفى النهاية يقرر المؤلف أنه على قناعة بأن أسباب الحرب الأهلية في السودان تنبع من مكمن الهوية العرقية.. نعم للحرب أسبابها السياسية والاقتصادية والتنموية, ولكن جذورها الأعمق تظل سيكولوجية.

والكتاب -كما يقول- هو دعوة  للشماليين السودانيين كي يناقشوا تناقضات هويتهم المتخيلة, وأن يعيدوا النظر فيها وأن يعترفوا بـ"الأم" في داخلهم, حتى يصبحوا سودانيين من الدرجة الأولى بدلا من أن يكونوا عربا من الدرجة الثانية".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة