الخلافات السياسية بين الصحابة   
الجمعة 1425/12/17 هـ - الموافق 28/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 20:22 (مكة المكرمة)، 17:22 (غرينتش)

خاص - الجزيرة نت
صدر هذا الكتاب مؤخرا عن "مركز الراية للتنمية الفكرية" في دمشق وجدة، وهو من تأليف الكاتب والمحلل السياسي الموريتاني المقيم في الولايات المتحدة، محمد بن المختار الشنقيطي، محرر مجلة "الفقه السياسي" الألكترونية.

وقد كتب المفكر الإسلامي التونسي الأستاذ راشد الغنوشي في تقديمه لهذا الكتاب يقول: "على قلة ما يصدر من كتب في بلاد العرب، فإن ما يقرأ منها قليل، وما هو جدير بالقراءة أقل. ولست أرتاب في أن كتاب "الخلافات السياسية بين الصحابة" لمؤلفه الأستاذ محمد بن المختار الشنقيطي هو في الخط الأمامي منها.

اسم الكتاب: الخلافات السياسية بين الصحابة
المؤلف: محمد بن المختار الشنقيطي
الطبعة: الأولى
الناشر: مركز الراية للتنمية الفكرية، دمشق

لقد كان من بين الكتابات القليلة التي وجدت في قراءتها متعة ظلت تشدني الى استئناف ومتابعة القراءة، كلما قطعتني مشاغل الحياة عنها. بدأتُ القراءة قياما بواجب الأخوة، استجابة لطلب كريم من الأستاذ المؤلف، إذ اختصني بشرف تقديم مؤلَّفه إلى القراء، ولكني ما إن مضيت في القراءة بضع صفحات -مستصحبا نية القيام بالواجب- حتى تحولت القراءة مقصدا بذاتها، أو قل لما تسكبه في النفس من لذة روحية مع كل صفحة، بل مع كل فقرة ترتشفها من هذا المعين المعرفي الصافي، وأنت تتابع نظمه الدقيق العميق للقواعد الاثنتين والعشرين التي استخلصها منهاجا في التعامل مع مرحلة التأسيس لحضارة الإسلام منذ يوم السقيفة، يوم انتقلت مهمة هداية البشرية من طور النبوة المعصومة إلى طور خلافة البشر الخطائين"...

وغاية الكتاب كما وصفها مؤلفه هي "تجديد القول في دراسة الخلافات السياسية بين الصحابة رضي الله عنهم، والخروج من دائرة الجدل والمناظرة في قضايا المفاضلة بين الصحابة وشرعية خلافة الخلفاء الراشدين –وهي قضايا نظرية استنزفت العقل المسلم في غير طائل- إلى دائرة التأصيل والتحليل والاعتبار". أما منهجه الذي رسمه لنفسه، فهو: "صياغة الرأي طبقا للوقائع، لا صياغة الوقائع في قوالب الآراء، كما هو شائع في أكثر الكتابات حول الموضوع" حسب تعبيره.

ويرى المؤلف أن الفقه السياسي الإسلامي نشأ متكيفا مع واقع القهر والاستبداد الذي خلفته حرب "صفِّين"، ولم يقتصر هذا التكيف على تفسير التاريخ السياسي الإسلامي، بل تجاوزه إلى النظرية السياسية الإسلامية، وهو ما يجعل مهمة الفصل بين الوحي والتاريخ عسيرة اليوم. ولا بد للدارس للفقه السياسي والتاريخ الإسلامي من الانتباه لهذه الظاهرة، والاجتهاد في البحث والتنقيب لبناء صورة دقيقة لما حدث في صدر الإسلام من فتن وخلافات سياسية لا تزال تلقي بظلالها على الأمة حتى اليوم. فالبحث في هذا المجال أقرب إلى عمل علماء الآثار الذين يدرسون أطلالا دارسة عبثت بها أيدي الزمان.

ومما يزيد في عسر المهمة في تقدير الكاتب ما دعاه "الخلط الضمني بين الوحي والتاريخ في المرجعية، وهو أمر سائد في الفكر الإسلامي اليوم، جراء نقص في الوعي بالتاريخ لا يميز بين صورته وعبرته، وتقصيرٍ في دراسة حياة السلف دراسة استقصائية تلم بكل جوانبها المضيئة والقاتمة، ولا تقف عند سرد المناقب فقط".

ويعتقد الشنقيطي أن "الجبرية الأموية" و"الكربلائية الشيعية" لا تزالان سائدتين في دراسة تاريخ صدر الإسلام، وهما وجهان لفلسفة واحدة، تنطلق من أن ما كان هو حدود الإمكان، وأن لا مجال للنقد أو المراجعة. وبسيادة هذين المنهجين ضيع الفكر الإسلامي فكرة الإمكان التاريخي، وعطل العقل المسلم نفسه في دراسة تاريخه.

ولذلك فهو يدعو إلى تبني فكرة الإمكان التاريخي، وهي فكرة تنطلق من أن الصيرورة التاريخية – بما هي فعل بشري إرادي– حبلى بالاحتمالات دائما. وما يتحقق في واقع الحياة، ليس هو كل الممكن، بل هو جانب من إمكانات شتى، رجَّحت ظروف الفعل البشري ظهوره. وبذلك تكون فكرة الإمكان التاريخي أداة منهجية فعالة، يتبين من خلالها الفارق بين ما كان، وما هو ممكن، ويصبح التقييم متاحا، استنادا إلى ذلك الفارق.

وينتقد الكاتب ما يدعوه "الانفعال السائد في الدفاع عن السلف" لأنه أدى إلى إهدار قدسية المبادئ السياسية الإسلامية من الشورى والعدل والحرية، حرصا على مكانة أشخاص من الصحابة لم يلتزموا بتلك المبادئ في حكمهم وقسمهم.
يبدو مؤلف كتاب الخلافات السياسية بين الصحابة مقاتلا على جبهات ثلاث:

  • الجبهة الأولى: هي جبهة الوعي التاريخي، فهو يحاول بناء وعي بتلك المرحلة من التاريخ التي لا تزال تلقي بظلالها على أمة الإسلام اليوم. ويحمل المؤلف بقوة على "ثقافتنا التاريخية العليلة" ويعتبرها جزء من محنتنا الراهنة. كما يتوصل إلى أن العلاقة بين الثقافة العليلة والاستبداد السياسي علاقة وجودية، و"لذلك لا عجب أنْ كان السحر ثقافة المصريين أيام الفراعنة". وقد أثمرت ثقافتنا التاريخية العليلة مفارقات غريبة حسب المؤلف، من مظاهرها أن ضحايا الاستبداد في العالم الإسلامي اليوم هم أقوى المدافعين عنه فكريا، وأشد المبررين له أخلاقيا.. وهم لا يشعرون!!
  • وأما الجبهة الثانية: فهي وحدة الأمة. وعلى الرغم من أن المؤلف لم يتحدث عن وحدة طوائف المسلمين حديثا صريحا، ولا صرح باعتباره غاية من غايات كتابه، إلا أن الطريقة التي قدم بها الخلافات السياسية بين الصحابة تشكل أرضية صالحة للتلاقي بين السنة والشيعة، وترسيخا لفقه الإجماع حول هذا الموضوع الذي طالما كان-ولا يزال- وقود معارك طائفية مريرة بين الطائفتين. وقد ندد المؤلف بغلو بعض الشيعة في هذا الموضوع، لكن تركيزه كان أكثر على نقد ما دعاه "التشيع السني"، أي الغلو المضاد من طرف بعض أهل السنة في مجادلاتهم مع الشيعة حول تاريخ صدر الإسلام.
  • أما الجبهة الثالثة فهي الأهم، وهي الشرعية السياسية، حيث يرى مؤلف الكتاب أن المجتمع الإسلامي الأول انتصر على الردة الاعتقادية التي ثارت في أطرافه (نجد) لكنه انهزم أمام الردة السياسية التي نبعت من قلبه (قريش). وتلك الردة السياسية المتمثلة في تحويل الخلافة إلى ملك هي التي رسمت صيرورة الحضارة الإسلامية ومآلها، ولا تزال تتحكم في حياة المسلمين حتى اليوم. ولذلك فهو يدعو إلى "كشف فضائح المستبدين"، وتجريدهم من أي شرعية أخلاقية أو تاريخية. مؤكدا أن البدع السياسية لا تقل خطورة عن بدع الاعتقاد، كما تشهد به عبرة أربعة عشر قرنا من تاريخ الإسلام.

وهنا يبرر المؤلف الحاجة إلى التنقيب في ذلك التاريخ القديم وإعادة قراءته بمنهج جديد، ذلك أن "كشف فضائح المستبدين المعاصرين" الذي يدعو له، غير ممكن ما دام الحديث عن الانحرافات السياسية التي بدأت في عصر الصحابة مطبوعا بطابع التبرير والدفاع، لا بطابع الدراسة المجردة الهادفة إلى الاعتبار، وما دام الحديث عن تلك الانحرافات السياسية يتحكم فيه فقه التحفظ، لا فقه التقويم. ذلك أن من طبيعة المبدإ الأخلاقي العموم والاطراد، فليس من الممكن تحريم الظلم السياسي على الخلف، وإباحته للسلف، دون وقوع في تناقض فكري وأخلاقي.

ولا ينسى المؤلف أن يرد على الحساسيات التي يثيرها الخوض في هذه الموضوعات، فيقدم ردوده الاستباقية عليها في خاتمة مقدمته قائلا: "ومهما يعترضْ معترض، أو يجادلْ مجادل، بأن الكتابة في موضوع الخلافات السياسية بين الصحابة نكءٌ لجراح الماضي السحيق، وجدل نظري في غير طائل، وفتح لباب التطاول على الأكابر.. فإن الأمة لن تخرج من أزْمتها التاريخية إلا إذا أدركت كيف دخلت إليها. لا أحد يطرب بالحديث عن الاقتتال الذي نشب بين الرعيل الأول من المسلمين، ولا أحد يستمتع بنكء جراح الأمة، لكن الطبيب قد يوصي بالدواء الـمُـرِّ، ويستخدم مِبْضَعه وهو كاره.. وتلك أحيانا هي الطريقة الوحيدة لاستئصال الداء".

على أن أطرف ما في الكتاب – وربما أصعبه تحقيقا أيضا- أنه ينسف القراءة السلفية لفتن القرن الأول الهجري، لكن بأسلوب وحِجاج سلفي!! فقد التزم المؤلف بمنهج كلاسيكي صارم، جعله يغترف أغلب مادة كتابه من كتب ابن تيمية، ويلتزم التزاما صارما بمنهج أهل الحديث في قبول الروايات التاريخية، لكنه توصل في ذات الوقت إلى نتائج هي أبعد ما تكون عن النتائج الراسخة لدى أتباع ابن تيمية من السلفيين المعاصرين، ولدى أساتذة وطلاب كليات الحديث في الجامعات الإسلامية اليوم. وهنا تكمن "حكمة" المؤلف، كما دعاها الأستاذ الغنوشي في ختام تقديمه للكتاب.

لعل كتاب "الخلافات السياسية بين الصحابة" يهز الرؤية السلفية لتاريخ صدر الإسلام، ويدفع السلفيين إلى مراجعة منطلقاتهم النظرية في وقت تواترت فيه الدعوة إلى ذلك، وتكاتف الضغط لتحقيقه، من جهات شتى وبدوافع شتى. وبقدر ما سيصدم الكتاب بعض الرؤى السلفية، فإنه يقدم لها خدمة جليلة وهو يفتح لها أبوابا لمراجعة ذاتها من داخل تراثها الخاص، قبل أن يتم إلزامها بذلك بقوة القانون أو قوة الحراب.

إن هذا الكتاب يصلح مصدرا مهما للباحثين المهتمين بالفكر السياسي الإسلامي والتاريخ الإسلامي، سواء كانوا متخصصين في الدراسات الإسلامية القديمة، أو في الدراسات المعاصرة. كما أنه دليل مهم لرجال الفكر والسياسة الباحثين عن فهم أعمق لجذور المعضلات السياسية التي يعانيها العالم الإسلامي اليوم، المهتمين برؤية هذه المعضلات غير مبتورة من سياقها الزمني. إنه كتاب يقدم الخلافات بين الصحابة في صورة أكثر إيلاما للضمير المسلم من الصورة الزاهية السائدة، لكنها صورة أقرب إلى الواقع التاريخي، وأفيد للمستقبل القادم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة