أمتي في العالم 2005-2006   
الأحد 1428/4/5 هـ - الموافق 22/4/2007 م (آخر تحديث) الساعة 15:09 (مكة المكرمة)، 12:09 (غرينتش)

عرض/ بدر محمد بدر
يتميز تقرير "أمتي في العالم" الصادر قبل أسابيع, بخروجه عن نطاق الرصد الزمني للأحداث والوقائع, وهو ما يقيد الحركة البحثية فيما هو حادث فعلاً, إلي رصد "عالم الأفكار والمفاهيم والمصطلحات" ورصد المؤسسات التي تتبني هذه الأفكار, وصولاً إلي تفسير علمي للأحداث المرتبطة بهذه الأفكار والمفاهيم.

التقرير الذي اتخذ عنواناً له "الإصلاح في الأمة بين الداخل والخارج" شارك فيه أكثر من 25 باحثاً, توزعت أبحاثهم على ثلاثة محاور: عالم الأفكار، وعالم المؤسسات والتفاعلات، وعالم الأحداث, وكتب مقدمته المفكر المعروف المستشار طارق البشري.

-التقرير: أمتي في العالم.. الإصلاح في الأمة بين الداخل والخارج (2005-2006)
-المؤلفون: مجموعة من الباحثين
-عدد الصفحات: 700
-الناشر: مركز الحضارة للدراسات السياسية، القاهرة
الطبعة: الأولى 2007

صناعة حضارية محلية

في المقدمة يؤكد البشري أن أول شروط الإصلاح الحقيقي أن يكون صناعة محلية خالصة في حالة الأوطان القطرية, وصناعة حضارية واعية في حالة الكيان الأشمل.. الأمة, ومن ثم يتشكل في ممارساته وإجراءاته ثم في تكوينه, من المادة الوطنية والحضارية دون غيرها.

والتجارب التي مرت علي أمتنا تؤكد أن الإصلاح الآتي من الخارج, قد يكون عاملاً من عوامل الهدم في بنية الدولة والمجتمع, بل إن زوال الدولة العثمانية -وإن كان يرجع إلى عوامل كثيرة- أسهمت فيه حركات "الإصلاح والتجديد" مثلما أسهمت فيه روح "الجمود والمحافظة"!

ومن هذا المنطلق يرى البشري أن أول شروط الديمقراطية أن تكون محلية خالصة, وأن تتشكل في ممارساتها وإجراءاتها وتكوينها من المادة الوطنية دون غيرها, وهذا ما عليه الحال فيما نعرفه بما يسمى بلدان العالم الديمقراطي المتقدم, فلا نجد بلداً من تلك البلاد سمح لنفسه أن يستجلب من خارجه رقابة على شؤونه الداخلية.

ويمكن التأكيد على أن الرقابة الخارجية على أي من شؤوننا فى الانتخابات أو غيرها, لن تنتج إلا مزيداً من التفكيك لما لدينا. أضف إلى ذلك أن الإصلاح والتجديد السياسي ليس هو الأمر كله, بل نحن بحاجة أساسية إلى أعمدة من الإصلاح الأخلاقي والاجتماعي والاقتصادي, وبإجمال الحضاري, بحسبان هذا الأمر يمثل بنداً من بنود "المشروع الحضاري العربي للنهوض".

"
الإصلاح في أمتنا لا يصلح إلا أن يكون منها وبما يتفق مع مرجعيتها الجامعة ومصالحها الذاتية ورؤيتها المتسامحة مع العالم من حولنا
"
ويؤكد البشرى أيضاً في مقدمته ضرورة الاتفاق على الإطار المرجعي الإسلامي الذي هو حقيقة عقيدية وتاريخية في نفس الوقت, باعتباره الإطار المرجعي الإسلامي الذي يجب أن تنطلق منه رؤى الإصلاح وخطواته.

والإصلاح في أمتنا لا يصلح إلا أن يكون منها وبما يتفق مع مرجعيتها الجامعة ومصالحها الذاتية ورؤيتها المتسامحة مع العالم من حولنا.

وفي المحور الأول "عالم الأفكار" يحوي التقرير خمسة أبحاث عن "مفهوم الإصلاح اصطلاحيا", و"الخطاب العربي حول الإصلاح بين التوظيف وسوء التوظيف" و"مداخل الإصلاح بين الديني والسياسي" و"دعاوى إصلاح الإسلام في المنطقة العربية", ثم "الفوضى الأميركية الخلاقة أو الإصلاح من خلال الفوضى".

الفوضى الخلاقة
في دراسة "الفوضى الأميركية الخلاقة" يتحدث الباحث عن أن الجميع يلاحظ أن معالم مرحلة جديدة من مراحل السياسة الخارجية الأميركية التدخلية في شؤون العالم قد بدأت في الظهور, والتي تلخصها مقولة التحول من "سياسة فرض الاستقرار إلى سياسة فرض التغيير", نظراً -كما تدعي الإدارة الأميركية- للاختلاف الذي طرأ على "طبيعة العدو" فيما بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001.

ويرى الباحث أن "الفوضى الأميركية الخلاقة" ترتكز على منطلقين أساسيين: المنطلق العقائدي الديني الذي اتضحت معالمه بعد وصول المحافظين الجدد إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة, والمنطلق المصلحي التقليدي الذي يتشكل دوماً بفعل حكومة الظل الأميركية التي تتكون من الشركات الكبرى, وجماعات المصالح, والتي عادة ما تكون في خلفية كافة القرارات الإستراتيجية الكبرى التي تنفذها الإدارات الأميركية المتعاقبة.

"
الفوضى التي تمارسها الولايات المتحدة حتى هذه اللحظة هي نوع من الفوضى الموجهة والقائمة على افتراض قابلية منظومة أوضاع الشرق الأوسط لإعادة الانتظام وفق ترتيب معين يحقق مصالح القطب الأميركي
"
ويؤكد أن الفوضى التي تمارسها الولايات المتحدة حتى هذه اللحظة نوع من الفوضى الموجهة القائمة على افتراض قابلية منظومة أوضاع الشرق الأوسط لإعادة الانتظام وفق ترتيب معين يحقق مصالح القطب الأميركي.

والمشكلة الحقيقية التي تواجه هذه السياسة هي كيفية تعاطيها مع النتائج الجانبية وغير المحسوبة لعملية "التغيير بعرض العالم" التي تقوم بشنها تحت اسم "الحرب على الإرهاب".

وهذه معضلة للإدارة الأميركية مثلما هي معضلة لقاطني هذه المنطقة من العالم, والذين ينبغي عليهم أن يسهموا في حسم معادلة الفوضى وحلها بما يناسبهم، وذلك بأن يدخلوا قيمهم ومبادئهم ومصالحهم -بشكل أو بآخر- في المعادلة, وألا يتركوا الساحة خالية للولايات المتحدة كي تمارس الجمع والطرح والقسمة والضرب وهي مطلقة اليد.

إصلاح الجامعة العربية
في المحور الثاني "عالم المؤسسات والتفاعلات" يتناول التقرير عدداً من الأبحاث حول مبادرات الإصلاح في الوطن العربي, بما فيها مبادرات المجتمع المدني للإصلاح السياسي وكذلك العالم العربي والإسلامي بعد أحداث 11/9/2001، وأيضاً رؤى مراكز التمويل البحثي في الغرب لإصلاح الأمة.

كما تناولت الأبحاث إصلاح الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي والأمم المتحدة وإصلاح النظام الدولي أيضاً..

الملاحظة الأساسية التي تقدمها دراسة إصلاح الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي أن إصلاح العمل العربي أو الإسلامي المشترك ليس بحاجة إلى مزيد من الاتفاقات والمؤسسات، وإنما بحاجة إلى إرادة سياسية حقيقية تعمل على تحقيق أهداف الإصلاح المتفق عليها, ذلك أن ما هو موجود بالفعل من اتفاقات ومؤسسات كثير, فإذا نجحنا في تجميعه وأعدنا التأكيد عليه وتفعيله في بيان خاص يصدر عن القمة ويتم إدراجه بوصفه ملحقاً لميثاق كل من المنظمتين, فإننا نكون قد خطونا خطوة كبيرة في هذا الطريق.

مراجعة شاملة
"
الأمم المتحدة تحتاج اليوم إلى البحث عن بوصلة إصلاح في ظل نظام متغير.. بوصلة تتجه نحو خطة للسلام العالمي وأخرى للتنمية, وتفتش فى نفس الوقت عن حلول عملية لمشكلات مزمنة
"
وفي محاولة لتشخيص العلل التي أصابت الأمم المتحدة والمقترحات الخاصة بعلاجها, يؤكد التقرير أن الحاجة باتت الآن ماسة إلى مراجعة شاملة لنصوص ميثاق المنظمة الدولية وللهياكل والبنى التنظيمية القائمة, بعد الفترة الزمنية الطويلة التي انقضت دون إجراء أي مراجعة دورية للميثاق.

كما أن تغيرات النظام الدولي بينت أن الرؤية الفلسفية التي قام عليها الميثاق قد سقطت, وأن ثمة حاجة ماسة إلى بناء رؤية بديلة تأخذ في اعتبارها حقائق العالم المعاصر, وتحدد معايير بديلة للدول التي يحق لها احتلال مقاعد دائمة في مجلس الأمن إن كان لهذا التمييز ما يبرره أصلاً.

ويؤكد التقرير أن الأمم المتحدة اليوم تحتاج إلى البحث عن بوصلة إصلاح في ظل نظام متغير, بوصلة تتجه نحو خطة للسلام العالمي وأخرى للتنمية, وتفتش فى نفس الوقت عن حلول عملية لمشكلات مزمنة، مثل إصلاح الهيكل العام لعملية صنع القرار في الأمم المتحدة, والإصلاح المالي والإداري, وإصلاح علاقة الأمم المتحدة بشبكة الفاعلين الدوليين.

ولا يتجاهل التقرير العلاقة المختلة بين المنظمة والولايات المتحدة التي أدخلت المنظمة منذ وقت مبكر في أزمات فقدان ثقة ومصداقية, ثم أزمة مالية هددت الأمم المتحدة بخطر العجز والشلل الكامل, تحت دعوى خفض النفقات.

بل إن الإهانة وصلت حدَّ أن يقرر حلف شمال الأطلسي استخدام القوة العسكرية ضد يوغسلافيا دون أن يكلف نفسه عناء السعي للحصول علي إذن أو تصريح بذلك من مجلس الأمن, وكان ذلك البداية العملية لانكشاف موقع ومكانة الأمم المتحدة في عصر الهيمنة الأميركية المنفردة.

حصاد هزيل في مصر
بعد رصد وتحليل الإصلاح على مستوى الأفكار ثم على مستوى المؤسسات, يصل التقرير إلى الجزء الثالث والأخير وهو عالم الأحداث, حيث يستعرض قضايا الإصلاح في عدة دول على رأسها مصر والسودان وإيران وفلسطين, ثم حالات القبول أو الممانعة في السعودية وسوريا وليبيا.

"
التقرير يقدم قراءة نقدية علمية لخطاب الإصلاح الرسمي في مصر, ويخلص إلى أنه يتسم بغياب الرؤية الشاملة وانعدام المصداقية, لينتهي إلى أن حصاد عملية الإصلاح في مصر هزيل للغاية
"
في الحالة المصرية يقدم التقرير قراءة نقدية علمية لخطاب الإصلاح الرسمي, يخلص إلى أن هذا الخطاب يتسم بغياب الرؤية الشاملة وانعدام المصداقية, لينتهي إلى أن حصاد عملية الإصلاح في مصر هزيل للغاية.

ورغم مرور أكثر من ثلاثين عاماً علي الانتقال إلى التعددية السياسية المقيدة, فإن ذلك لم يؤد إلى تحول ديمقراطي حقيقي.

فالنظام الحزبي التعددي أقرب إلى نظام الحزب المهيمن منه إلى التعدد الحزبي الحقيقي, كما أن عملية الإصلاح السياسي التي سارت بمنطق خطوة للأمام وخطوتين للخلف, هي في الجوهر محاولة لتحديث التسلطية أكثر من كونها سياسة لبناء الديمقراطية.

ويحذر التقرير من بديلين خطيرين للانخراط في الإصلاح الحقيقي، إما استمرار الحال على هذا المنوال من استشراء الفساد والتسيب والإهمال وتراجع هيبة الدولة وسيادة القانون, وإما الانتفاضة الشعبية الكارثية!

السعودية وسوريا وليبيا
في بحث "الإصلاح من الخارج بين الممانعة والقبول" أكد التقرير أن الضغوط الأميركية التي مورست على الدول الثلاث "سوريا وليبيا والسعودية" بعد أحداث 11/9, نجحت في أن تولد "إرادة ممانعة" لدى النظام السوري دفعته لتشديد قبضته على القوى الوطنية الداخلية, تحت دعوى تزامن مطالبتها بالإصلاح السياسي مع مطالب وضغوط الولايات المتحدة, بما يشكل ذريعة يمكن توظيفها لاستمرار الهيمنة على المجتمع في سوريا.

أما في ليبيا فإن قضية الإصلاح ستبقى بين شد وجذب إلى حين تبلور اتجاه شعبي قوي يعكس نفسه في مؤسسات حقيقية قادرة على طرح بدائل سياسية، وخلق قيادات مدنية تستطيع تكتيل الليبيين في الداخل والخارج..

"
الضغوط الأميركية التي مورست على  سوريا وليبيا والسعودية من أجل الإصلاح بعد أحداث 11/9 نجحت في تحقيق بعض الاستجابات، ولكن بعد إبداء درجة ما من الممانعة
"
بما يتجاوز فكرة الإصلاحات الاقتصادية والإدارية التي لا تقود بالضرورة إلى الإصلاح السياسي المنشود, ويحتمل أن تؤدي إلى تجديد آليات سيطرة النظام على البلاد والعباد, ما دام الإصلاح لا يمس جوهر نظرية الحكم الجماهيري.

في السعودية لم تكن القضية بالنسبة للأميركان -كما يقول التقرير- هي دمقرطة النظام السعودي بقدر ما كانت ضمان تعاونه في الحملة الأميركية على "الإرهاب"! وتشديد رقابته على العمل الخيري والتضييق على مؤسساته.

لذلك فإن امتصاص الغضب الأميركي لم يكن بالأمر الصعب, فهذا الهدف يمكن تحقيقه بأقل الخطوات مثل توسيع مجلس الشورى أو تأسيس مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني.

والخلاصة أن النظم الثلاثة استجابت للضغوط بعد إبداء درجة ما من الممانعة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة