الاستثناء السوري   
الخميس 1432/7/30 هـ - الموافق 30/6/2011 م (آخر تحديث) الساعة 8:46 (مكة المكرمة)، 5:46 (غرينتش)

عرض/ بوعلام رمضاني

تكشف الكاتبة كارولين دوناتي في مؤلفها هذا أكثر من أي وقت مضى في ظل استمرار ثورة الشارع السوري حتى ساعة تحرير هذا العرض عن التحديات الخطيرة التي يواجهها الرئيس بشار الأسد رغم مرور عشرة أعوام على اعتلائه سدة الحكم إثر رحيل والده حافظ الأسد.

وانتهجت الكاتبة لتأكيد سلامة فرضياتها مقاربة منهجية محكمة حللت من خلالها نتائج تحقيقها الميداني، واستطاعت دوناتي أن ترفع اللثام عن انسداد الحكم والمجتمع السوريين، وفشل الانفتاح الاقتصادي السريع بسبب عدم قدرته على ضمان التوازنات الداخلية المنشودة.

-الاستثناء السوري.. بين التحديث والمقاومة
-المؤلفة: كارولين دوناتي
-عدد الصفحات: 349
-الناشر: لاديكوفرت, باريس
-الطبعة الأولى 2009

وبينت الكاتبة كيف انغلق الحكم على نفسه وأعاد تشكيل التسلط على حد تعبيرها وكيف همش البعث وعمق الفوارق بين نخبة غنية ومتعولمة وأغلبية فقيرة ومسحوقة ناهيك عن انكماشه إستراتيجيا وإقليميا كممثل مرجعي وأساسي في الشرق الأوسط رغم استمرار تأثيره في لبنان بعد خروج الجيش السوري عام 2005 وديمومة تحالفه مع إيران وتمدده في العراق الجديد.

وخلصت المؤلفة إلى الاعتقاد بأن البؤس الاجتماعي وتأخر بوادر تغيير ديمقراطي والفساد واستنزاف الموارد تعتبر توابل كوكتيل من شأنه أن يوقظ كل أشكال المطالب الجاهزة في ظل قمع قديم طال كل أصحاب الهويات السياسية والاجتماعية والدينية والفكرية والقبلية والمذهبية الأخرى.

كل المعطيات المذكورة تؤكد في تقدير المؤلفة أن المستقبل لا يبشر بالخير في بلد يمثل الشباب فيه نصف السكان ويقاوم فيه المنتفعون من السلطة محاولات التغيير والتحديث ولا يضمن استمرارية الاستثناء السوري المبرر دائما وأبدا بأهمية الدور الإقليمي والإستراتيجية القومية في علاقتهما "بالعدو" الإسرائيلي والموظف لتكريس سلطة قمعية وفاسدة تحكم بالحديد والنار.

التجانس كحتمية لعصابة الأسد
بعد فصلين تاريخيين تقليديين غطت فيهما الكاتبة ميلاد وأصول سوريا الحديثة إثر تفكك الإمبراطورية العثمانية لصالح القوى الغربية,  وعشيرتي جمهورية النبلاء والرهان السوري حيال الصراعات الجهوية وخمسينيات عهد الإنتلجلسيا الذهبي والثورة البعثية والبناء الجديد للنظام، انتقلت بسرعة إلى جوهر هوية النظام السياسي متوقفة مليا عند الجيش الذي يمثل السلطة الحقيقية ويقوم على تجانس عصابة ضباط حافظ الأسد " باعتباره الشرط الأساسي والحيوي لاستقرار نظام الأسد منذ استيلائه على الحكم إثر انقلاب عام 1970 ضد الرئيس جديد".

"
وظف الرئيس الأسد الأب سلطته اعتمادا على عنصر تجانس وولاء الضباط السنيين الذين يشكلون أغلبية الجيش والعلويين الماسكين بأعلى المراتب العسكرية 
"
ووظف الرئيس الأسد سلطته اعتمادا على عنصر تجانس وولاء الضباط السنيين الذين يشكلون أغلبية الجيش والعلويين الماسكين بأعلى المراتب العسكرية القيادية الحاسمة، والشيء نفسه ينسحب على تشكيلة اللجنة المركزية لحزب البعث والمشكلة من علويين مسيطرين على سنيي القيادة الحزبية الجهوية.

باسم مواجهة إسرائيل
التكريس السياسي لنظام قائم على الجيش دفع الأسد –كتبت دوناتي تقول في الفصلين الثالث والرابع – إلى بناء ترسانة عسكرية حديثة ومحترفة رهيبة تبرر مبادئ مواجهة إسرائيل واستعادة الجولان وحماية الثورة.

وباسم مواجهة العدو الإسرائيلي راح الأسد يعسكر الدولة والمجتمع من خلال تجنيد ستين ألف شاب وتدريب كل طلاب الثانويات وفرض الزي العسكري في المؤسسات التعليمية من منطلق الاستعداد الكلي لمواجهة العدو المتربص بأمة البعث.

الحكم العسكري السوري تغلغل في كافة مستويات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والمدنية والثقافية والتجارية، الأمر الذي مكن كل المتنفذين العسكريين والأمنيين من توظيف سلطتهم على كافة القطاعات والاستفراد بالريع الاقتصادي بشقيه العام والخاص في إطار ما أسمته الباحثة إليزابت بيكار التي اعتمدت عليها دوناتي كثيرا "بظاهرة تحالف المركب العسكري والتجاري".

حزب البعث الذي اعتبره الأسد حزب الدولة والمجتمع يعد واجهة أيديولوجية ظاهرية موظفة بشكل مدروس لتكريس عصبية وعصابة السلطة العسكرية والأمنية المكونة من عائلات تبزنس –تتاجر- في كل شيء وتتعايش مذهبيا بحكم تقاطع أنواع الفساد الممارس جهرا.

"
من الأسماء التي تؤكد عدم صحة التحالف المذهبي الآلي وحتمية ضمان المصالح الجهوية رامي مخلوف العلوي ومصطفى طلاس السني وعبد الحليم خدام السني 
"
ومن الأسماء التي ساقتها الكاتبة لتأكيد عدم صحة التحالف المذهبي الآلي وحتمية ضمان المصالح الجهوية رامي مخلوف العلوي ومصطفى طلاس السني وعبد الحليم خدام السني الآخر والطائع السابق الذي أنشق بعد أن تبخر حلمه بحكم سوريا بعد رحيل الأسد الأب, وساهب نحاس سيد إيران الشيعي وبارون السياحة الشيعية في سوريا والسيد ناصيف مسؤول الأمن الداخلي ومستشار الرئيس للشؤون الإيرانية وآخرون تصب مصالحهم في شتى أشكال الريع الموزع بدرجات تضمن كسب ولاءات كل الطوائف والقبائل والحساسيات في المدن والأرياف من أمثال سنيي دير الزور ودروز السويداء وحوران وأكراد حلب ومسيحيي حمص وإسماعيليي السلمية.

بشار وجمهورية التوريث
الجمهورية المكونة على أساس روح عصبية تتعايش مذهبيا وتفرضها مصالح أمنية وتجارية انتهازية، بقيت قائمة بنفس المنهج الدوغمائي والتكتيك والأسلوب في عهد الرئيس بشار الذي خلف والده سواء تعلق الأمر بالداخل أو الخارج بحكم استمرار النظام الدكتاتوري العازف على أوتار مبادئ مستهلكة تبررها بنية عتيقة ومنغلقة في العمق ومنفتحة ظاهريا على كومبارس ديمقراطي من خلال جبهة موظفة في إطار مكيافيلية لم تقدر المعارضة الشيوعية على تجاوزها بحكم انحسار نشاطها.

بعد فصل رابع عالجت فيه الكاتبة صعود سوريا القوي في الساحة الجهوية بين أعوام 1970 و2000، وسيطرتها على لعبة الشرق الأوسط كحكم جهوي وصراعها الدموي مع الفلسطينيين، وتوظيف تواجدها في لبنان كعنصر مركزي في صراعها مع واشنطن وتل أبيب فضلا عن خيار التطبيع من منظور سلام عادل وشامل، تناولت المؤلفة جمهورية التوريث التي رشحت خليفة يكون امتدادا للمؤسسة العسكرية والأمنية الحاكمة الفعلية.

"
بشار كرس الاستمرارية المطلوبة والضامنة لمصالح العصابة المتنفذة، ولم يحقق التحديث المتوخى باسم النقد البناء نتيجة مقاومة الحرس القديم
"
الرئيس بشار كرس الاستمرارية المطلوبة والضامنة لمصالح العصابة المتنفذة، ولم يحقق التحديث المتوخى باسم النقد البناء نتيجة مقاومة الحرس القديم، وزاد افتقار بشار لكاريزما وتجربة والده من سهولة سيطرة جهاز المخابرات عليه الأمر الذي سمح بتنامي جشع رجال أعمال أصبحوا يؤثرون في مجرى القرار على حساب التنمية الاقتصادية الحقيقية.

تشكيل إستراتيجي جديد موفق
بقيت إشكالية ضمان مكانة سوريا في الساحة الإقليمية حسب الكاتبة الهم الأول والأخير بعد وصول بشار إلى الحكم من منطلق توجه إستراتيجي مبدئي فرضه الرئيس الأب في سياق مختلف قام على مواجهة إسرائيل وهدف استعادة الجولان ومسح أثار الهزيمة كما أكدت ذلك في الفصلين السادس والسابع.

الرئيس الابن عمل أيضا على ضمان الدور الإستراتيجي التقليدي لكن بالحفاظ قدر الإمكان على نظامه الذي أصبح هشا داخليا وخارجيا أكثر من أي وقت مضى في ظل ضغط أميركي مستمر.

ورغم تراجعه في العراق ولبنان، استطاع النظام السوري حسب المؤلفة أن يلعب على تناقضات أعدائه في هذين البلدين والاستمرار في التأثير من خلال تأسيس جبهة رفض وتصد جديدة في مواجهة الأمر الأميركي الواقع بالتحالف مع إيران والتقرب من تركيا ومن دول آسيوية وخليجية مثل قطر، ومكنت هذه التحالفات الجديدة النظام السوري من إعادة تشكيل إستراتيجي على الصعيد الإقليمي من منطلق التوجه القومي التقليدي وتعويض خسارة لبنان وتدهور علاقاته مع المملكة العربية السعودية ومصر.

خطاب خارجي من أجل مصلحة داخلية
إستراتيجية لعب دور الممثل الإقليمي لتوجه قومي حقيقي في مواجهة إسرائيل والعداء الأميركي ليست غاية في حد ذاتها في تقدير الكاتبة وهي وسيلة تستجيب لرهانات داخلية خلافا لما يرفع من شعارات في الخطاب المتعلق بالسياسة الخارجية.

وفي هذا السياق، أكدت دوناتي أن هدف استعادة الجولان يبقى حيويا ومصيريا في الخطاب فقط في حين أن المصالح الاقتصادية هي المحرك الحقيقي لسياسة القضاء على العزلة السورية وضمان شركاء تجاريين يساعدون على دعم تحديث البلد الذي يواجه تحديات اجتماعية وجودية.

واستخلصت دوناتي أن السياسة الخارجية السورية ليست انعكاسا آليا لمواقف مبدئية من تطورات الوضع الدولي، وهي محكومة بحتمية تكريس النظام في علاقته بتحديات ومتغيرات المجتمع السوري المكون من سكان نصفهم لا يتجاوز سن الواحد منهم عشرين عاما.

وأصبح الوضع السوري هشا ومهلهلا مع مرور الأعوام والأيام بعد أن تبين بأن تحرير الاقتصاد الذي أراده بشار والانفتاح على الحداثة التكنولوجية لم يحققا التنمية المنشودة بسبب مفارقة تحديث أو خصخصة بعض القطاعات وتدهور أحوال أغلبية فقيرة وتأثر طبقة وسطى في الوقت الذي زادت فيه امتيازات طبقة غنية بشكل فاحش عرف به رموز النظام العسكري والأمني وعائلة وأقارب الرئيس بشار وحاشيته بوجه عام .

مؤشرات إفلاس وانفجار
"
تنبأت المؤلفة ببوادر ومؤشرات الإفلاس لنظام الأسد في ظل تآكل خطاب قومي لم يعد يقنع أحدا وفي ظل تمادي حكم تسلطي وفاسد
"
نظام "رأسمالية الأصدقاء" وضباط وإطارات احتكار القطاع الخاص -على حد تعبير الكاتبة- وانتهازيي البعث وأصحاب المصالح المالية والأعمال التجارية الضخمة والخرافية ليس نظاما قادرا على الاستمرار لأنه يعبر عن انحراف غير مسبوق من شأنه أن يهدد الوفاق القائم حول سلطة تقوم على العلاقات الشخصية والولاءات المذهبية والعائلية غير المستقرة وموازين القوة الظرفية والتعسفية.

نظام كهذا لا يمكن إلا أن يفجر –تؤكد الكاتبة في الفصل الأخير- تجانسا مذهبيا شكليا ومفروضا بالقهر والفساد والقمع، وأن يغذي أحقاد الطوائف المهمشة والمنبوذة الأخرى وعلى رأسهم السنة.

إن كل بوادر ومؤشرات الإفلاس -ختمت تقول دوناتي في خاتمة كتابها– بادية في الأفق في ظل تآكل خطاب قومي لم يعد يقنع أحدا في ظل تمادي حكم تسلطي وفاسد حتى النخاع في قهر شعبه سياسيا وفكريا وتفقيره اجتماعيا وتدجينه ثقافيا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة