تنظيم الدولة الإسلامية.. رفرفة الأعلام السوداء   
الأربعاء 1437/3/27 هـ - الموافق 6/1/2016 م (آخر تحديث) الساعة 15:23 (مكة المكرمة)، 12:23 (غرينتش)

عرض/عدنان أبو عامر

أصدر معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي التابع لجامعة تل أبيب كتابا جديدا يتناول تنظيم الدولة الإسلامية من كافة محاوره: السياسية والعسكرية والأمنية والأيديولوجية، وتبعاته المتوقعة على إسرائيل، بمشاركة العديد من الباحثين والجنرالات الإسرائيليين.

الكتاب الموسوعي حاول في صفحاته الـ270 أن يضع تصورات عملية لصانع القرار الإسرائيلي حول كيفية التعامل مع التحديات التي أعقبت ظهور تنظيم الدولة الإسلامية، الذي يعد من أهم التحديات من جميع النواحي السياسية، والاجتماعية، والعسكرية، التي باتت تتصدر أجندة صناع القرار في المجتمع الدولي، لتوفير إجابات عن عدد من الأسئلة التي تحيط بهذه الظاهرة، وكيفية التعامل معها.

النشأة والتجنيد
الكتاب يضم 32 بحثاً وورقة عمل حاولت تشخيص ظاهرة تنظيم الدولة الإسلامية من الأبعاد: التاريخية، والدينية، والعسكرية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والجيو-سياسية، حيث خرج الباحثون بصورة متكاملة لهذا التحدي المعقد، الذي بات يعصف بالشرق الأوسط في السنوات الأخيرة، في مسعى منهم لوضع سياسة متفق عليها لمواجهة تبعات ونتائج هذا المستجد الجديد في المنطقة.

الكتاب: تنظيم الدولة الإسلامية.. رفرفة الأعلام السوداء
المحرران: يورام شوارتسر، وعومر عيناف
دار النشر: معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي
سنة الصدور: ديسمبر/كانون الأول 2015
عدد الصفحات: 270
اللغة: العبرية

جاء الكتاب في سبعة فصول، تناول الفصل الأول خلفية ظهور تنظيم الدولة الإسلامية، وانشغل بتتبع الجذور الحقيقية لكيفية ظهور التنظيم، من إعداد "كوبي ميخائيل"، وتناول "أوفير فينتر" مسألة الخلافة في فكر الدولة الإسلامية، الذي يحظى بإجماع الحركات الإسلامية، وسعى "مائير ليتفيك" للحديث عن الظاهرة الراديكالية من الناحية التاريخية، واختتم محرر الكتاب "يورام شوارتسر" الفصل بالحديث عما عدّها المواجهات الداخلية في معسكر تنظيمات الجهاد العالمي.

وركز الفصل الثاني حديثه على الإشارة إلى التحديات الاستخبارية التي أوجدها تنظيم الدولة بورقة بحثية من إعداد "دودي سيمان وياتوم هكوهين"، بينما انشغل "غابي سيفوني" بالحديث عن القوة العسكرية العملياتية لتنظيم الدولة، وذهب "شموئيل إيفن" للحديث عن ظاهرة الدولة الإسلامية: التنظيم الغني والدولة الفقيرة، وتناول "كرميت فلانسي" في بحثه الأبعاد الاجتماعية والمدنية في الدولة الإسلامية، في حين توسع "كيرن أفيرام" في الحديث عن التحديات القانونية في محاربة تنظيم الدولة، وصولا للحديث عن استخدام تنظيم الدولة الإعلام الاجتماعي ببحث لـ"آدم هوفمان"، واختتم الفصل الثاني أبحاثه بتقديم دليل عملياتي لمواجهة الدولة الإسلامية من إعداد "أوريت فارلوف".

أما الفصل الثالث فتناول توزع تنظيم الدولة الإسلامية في دول المنطقة، في سوريا بورقة للمستشرق "آيال زيسر"، وفي العراق لـ"رونين زايدل"، وفي مناطق كردستان لـ"عوفرا بنجيو"، ولبنان للباحثة "بنديتي بيرتي"، وعن وصول التنظيم للأردن كتب "آشر سيسر"، بينما انفرد "أفيعاد بندلباوم" بالحديث عن وصول تنظيم الدولة الإسلامية إلى إسرائيل والأراضي الفلسطينية.

وتناول الفصل الرابع المواقف الإقليمية من ظاهرة الدولة الإسلامية، بدءًخ بإيران بعنوان بحث مثير "عدو عدوي هو عدوي أيضاً" للباحث "أفرايم كام"، والموقف المعادي للتنظيم ضد السعودية لـ"يوآل جوزينسكي"، وانفردت الباحثة الإسرائيلية في الشؤون التركية "غاليا لندنشتراوس" بالحديث عن تهديد الدولة الإسلامية لتركيا، وجاء "شلومو بروم" متحدثاً عن طبيعة العلاقة القائمة بين إسرائيل والتنظيم.

وتحدث الفصل الخامس عن التأثير الذي يحدثه تنظيم الدولة في الجوار، بدءًا بسيناء والسلوك المصري لـ"جاك غولد"، والتحدي الذي يمثله التنظيم على الوضع الأمني في ليبيا لـ"شاؤول شاي"، وصولا لتأثيرات التنظيم في أفريقيا لـ"سمدار شاؤول"، أما عن مدى حقيقة ذهاب التنظيم إلى جنوب آسيا فقد كتب فيه "ميراف مشالي".

دليل العمل
وانفرد الفصل السادس بالحديث عن مواقف الدول العظمى من تنظيم الدولة الإسلامية، بدءًا بالولايات المتحدة الأميركية للدبلوماسي الإسرائيلي "عوديد عيران"، وموقف روسيا للسفير الإسرائيلي السابق فيها "تسيفي ماغين"، والاتحاد الأوروبي لـ"شمعون شتاين"، بينما تناول مخاطر التنظيم على الصين الباحث "آيال فروفر".

واختتم الكتاب بالفصل السابع الذي تحدث عن وضع تقديرات موقف لمستقبل تنظيم الدولة الإسلامية، من النواحي العسكرية بشكل خاص، حيث كتب الضابط الإسرائيلي السابق "أودي ديكل" عن الطرق الكفيلة بالتعامل الإستراتيجي مع التنظيم، وتناول "عاموس يادلين" رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية السابق التحديات الميدانية للتنظيم، واختتم الكتاب بمبحث عن مخاطر التنظيم بين المكشوف والمخفي لـ"عومر عيناف".

من الصعب على أجهزة الأمن الإسرائيلية إعداد نموذج تقليدي لمن قد يلتحق بصفوف التنظيم، فبعضهم جاء من قرى صغيرة وفقيرة، وآخرون التحقوا من مدن غنية وكبيرة، في حين لعبت شبكات التواصل الاجتماعي دورا في تجنيد المزيد منهم

يبدو مهماً استعراض أهم ما جاء في الفصل المتعلق بتأثير تنظيم الدولة الإسلامية على إسرائيل، حيث إنه بالنظر للأعداد الكبيرة من المقاتلين العرب والمسلمين الذين انضموا إلى صفوف التنظيم للقتال في سوريا والعراق، فإن النسبة التي انضمت إليه من عرب إسرائيل تبدو قليلة نسبياً خلال السنوات الماضية، لكنها سرعان ما شهدت ارتفاعا ملحوظا في عام 2015، حيث بلغ عددهم 57 عربيا من داخل إسرائيل استطاعوا الوصول إلى سوريا للقتال إلى جانب التنظيم هناك.

إسرائيل كباقي دول العالم أعلنت في سبتمبر/أيلول 2014 أن أي عمل مرتبط بتنظيم الدولة غير قانوني، وقامت باعتقال والتحقيق مع كل من ثبت تورطه أو ارتباطه بأي شكل مع التنظيم وفعالياته، وبلغ عدد عرب إسرائيل المعتقلين على هذه الخلفية أربعين شابا منذ ذلك التاريخ، بعضهم تم اعتقاله لدى محاولته اجتياز الحدود نحو سوريا، وآخرون ألقي القبض عليهم عقب عودتهم من هناك، وأعلن عن مقتل ستة منهم خلال القتال إلى جانب تنظيم الدولة في الأراضي السورية.

الكتاب ذكر معطى إحصائيا ملفتاً يتعلق بأن متوسط أعمار العرب داخل إسرائيل ممن التحقوا بتنظيم الدولة الإسلامية يتراوح بين 19 و30 عاما، ويبدو من الصعب على أجهزة الأمن الإسرائيلية إعداد نموذج تقليدي لمن قد يلتحق بصفوف التنظيم، فبعضهم جاء من قرى صغيرة وفقيرة، وآخرون التحقوا من مدن غنية وكبيرة، في حين أن هناك دورا كبيرا لشبكات التواصل الاجتماعي في القدرة على تجنيد المزيد من العرب الفلسطينيين إلى صفوف التنظيم.

وأضاف أنه إلى جانب الانخراط الفعلي للعرب الفلسطينيين داخل إسرائيل في صفوف التنظيم، فهناك العديد من المهام التي يقومون بها لصالحه دون القتال إلى جانبه في سوريا، سواء من خلال تعميم ونشر الأفكار والمعتقدات الخاصة بالتنظيم عبر شبكات التواصل، أو المؤسسات التعليمية داخل إسرائيل، أو المساعدة في إيصال المتطوعين إلى صفوف التنظيم خارج إسرائيل.

الكتاب ينقل عن أوساط أمنية إسرائيلية مخاوفها من انتقال الدعم لأفكار تنظيم الدولة داخل عرب إسرائيل من التبني المعنوي والاعتقاد الأيديولوجي إلى تنفيذ عمليات أمنية لصالحه ضد إسرائيل، حيث تم الكشف عن خلية كانت تنوي القيام بعمليات مسلحة ضد أهداف إسرائيلية.

البيئة الفلسطينية
وفي مقابل انخراط العرب الإسرائيليين في تنظيم الدولة، تطرق الكتاب إلى الدور الذي يقوم به الفلسطينيون في قطاع غزة في صفوف التنظيم، حيث تعمل هناك العديد من التنظيمات المسلحة المقربة من التيار السلفي الجهادي، مما أدى إلى خوض مواجهات مسلحة مع حركة حماس التي تسيطر على القطاع منذ 2007.

ومنذ إنشاء تنظيم الدولة في 2014، تلقى السلفيون الجهاديون في غزة روحا جديدة ودعما معنويا، وتم استقطاب عدد من المجموعات المسلحة لتصبح داعمة لتنظيم الدولة، وموالية له، مما دفع حماس لاعتقال العشرات منهم، بعد أن قاموا بتنفيذ سلسلة من العمليات المسلحة داخل القطاع، وإطلاق عدة صواريخ على إسرائيل دون التنسيق مع حماس، مما كان سيؤدي إلى تصعيد أمني في القطاع لا يريده الفلسطينيون حاليا.

في حال أخذ التصعيد الميداني الدائر حاليا بين الفلسطينيين والإسرائيليين موجات أكثر تصعيدا، فإن ذلك قد يكون فرصة مناسبة لتنظيم الدولة لاختراق الضفة الغربية، وبدء تنفيذ عمليات من خلال أفراد منتمين له رسميا، أو مقربين منه

الكتاب يستند إلى معطيات أمنية بالقول إن المجموعات السلفية الفلسطينية التي أعلنت مبايعتها زعيم تنظيم الدولة "أبو بكر البغدادي"، والتزمت بأفكار التنظيم دون تحفظات، لم يتم قبولها في صفوفه كباقي الولايات القائمة في سيناء أو سوريا أو العراق، نظرا لعدم اتفاق هذه المجموعات السلفية في غزة تحت لواء واحد من جهة، وعدم قدرتها على إقامة وتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية بصورة واضحة من جهة أخرى، وافتقارها القدرات العسكرية التي تؤهلها لخوض مواجهة عسكرية مع إسرائيل من جهة ثالثة، فضلا عن كون البغدادي لا يرى في الهوية الفلسطينية للمجموعات السلفية في غزة نقطة محورية، بل يجعلها تابعة لولاية سيناء التابعة للتنظيم في الأراضي المصرية، رغم محاولات عديدة يبذلها قادة الولاية لتوحيد المجموعات السلفية في غزة لمواجهة حماس.

في الضفة الغربية، يبدو الوضع مغايرا عما هو قائم في قطاع غزة، فقد أشار الكتاب إلى أن نسبة المنتمين للتنظيم من الناحية العسكرية التنظيمية أو الفكرية والأيديولوجية متراجعة بصورة ملحوظة، لكن الملفت أن معظم من تم كشفهم من أفراد أو حالات تنظيمية متعاطفة أو مقربة من تنظيم الدولة في الضفة الغربية كانوا يخططون لتنفيذ عمليات مسلحة ضد إسرائيل، لا سيما في مدينة الخليل (جنوبي الضفة).

ورغم عدم وجود قبول لأفكار تنظيم الدولة داخل المجتمع الفلسطيني، فإن هناك ما يقرب من مئتين من الشباب الفلسطيني عرفوا طريقهم للتنظيم في سوريا للقتال داخل صفوفه، ومنذ بداية 2015 بات معدل من يقتلون من الفلسطينيين في صفوف التنظيم في سوريا والعراق شابين شهريا.

يختتم الكتاب حديثه عن تنظيم الدولة داخل الأراضي الفلسطينية بالتحذير من أنه في حال أخذ التصعيد الميداني الدائر حاليا بين الفلسطينيين والإسرائيليين موجات أكثر تصعيدا، فإن ذلك قد يكون فرصة مناسبة لتنظيم الدولة لاختراق الضفة الغربية، وبدء تنفيذ عمليات من خلال أفراد منتمين له رسميا، أو مقربين لأفكاره ومعتقداته.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة