المواطنة والسلطة   
الاثنين 1428/3/1 هـ - الموافق 19/3/2007 م (آخر تحديث) الساعة 15:13 (مكة المكرمة)، 12:13 (غرينتش)

عرض/ سكينة بوشلوح
كثيرا ما تردد الأنظمة السياسية أنها أنظمة ديمقراطية وترفع شعار "السلطة للشعب"، فهل يمارس الشعب السلطة بالفعل ولو بصفة غير مباشرة؟ وهل يطبق مبدأ مراقبة السلطة التشريعية للسلطة التنفيذية؟ وهل انتخابات ممثلي الشعب حرة ونزيهة؟

الإجابات عن هذه الأسئلة وغيرها نجدها في كتاب "المواطنة والسلطة" لمؤلفه الدكتور بوعلام بن حمودة الذي يملك تجربة سياسية ثرة خاضها في الجزائر، فهو وزير سابق في الحكومة الجزائرية وأمين عام سابق لحزب جبهة التحرير الوطني وعضو الهيئة التنفيذية الحالية لذات الحزب.

والكتاب يحوي مجموعة آرائه وخلاصة ممارسته للسلطة من أجل تبني حلول تضمن الديمقراطية الحقة التي توفق بين مصالح الدولة ومصالح المواطن.

سلطة الشعب بين الممارسة والتنظير
يعترف الدكتور بن حمودة بكل صراحة بأن السياسيين -المنظرين منهم والممارسين- مجبرون على التفكير بجد في سبل تصحيح سير المؤسسات حتى يصبح سيرا ديمقراطيا، وأن يتحرروا من النموذج الغربي الذي يعاني -رغم عناصره الإيجابية العديدة- كثيرا من الانحرافات التي ستقضي على هذه الموجة الديمقراطية العارمة إذا لم يتم تشخيصها ثم علاجها.

-الكتاب: المواطنة والسلطة
-المؤلف: بوعلام بن حمودة
-
عدد الصفحات: 127
-الناشر:
دار الأمة للطباعة والنشر، الجزائر
-
الطبعة: الأولى 2006
  
 

ويرى المؤلف أن الخطوة الأولى تتمثل في الحرص على تنظيم انتخابات حرة نزيهة بتوفير الشروط التي تؤدي إلى تمثيل حقيقي للشعب، منها اعتبار التصويت واجبا مدنيا لأنه إذا امتنع عدد كبير من المواطنين عن الانتخاب فإن تمثيل الشعب يصبح ناقصا مزيفا.

ويرفض بن حمودة رأي الديمقراطيات الغربية بأن الامتناع عن التصويت نوع من التعبير عن موقف سياسي كالتصويت نفسه، لأن غاية الانتخابات هامة ومقصودها تمكين الشعب من التحكم في مستقبل بلده، فلا يجوز الاستخفاف بها.

والحقيقة أن تبرير الامتناع من الناحية النظرية سببه عجز الأنظمة عن معاقبة الممتنعين عن التصويت، وقد اكتفت بعض الدساتير بالنص على أن الانتخابات واجب مدني دون الإشارة إلى العقوبات الموقعة على كل من لا يقوم بهذا الواجب. وفي المقابل يجب أن تكون هناك مراقبة دقيقة وعامة لكل عمليات الانتخاب، وإلحاق عقوبات قاسية بكل من يزوّر الانتخابات أو يمارس ضغوطا على الناخبين.

ومن شروط التمثيل الحقيقي للشعب كما يراها المؤلف، السماح لكل مواطن تتوافر فيه الشروط القانونية بأن يترشح مباشرة أو بواسطة حزب سياسي، على أن ترشحه مجموعة واسعة من المواطنين حتى لا يظن أن المرشح يسعى لتحصيل مصالح مادية.

ومن هذه الشروط الإقرار بأن هدف الحملة الانتخابية شرح البرامج لا انتزاع الأصوات بالدعايات الكاذبة التي تسيء إلى حرية الاختيار.

ويضيف أن على الحكام أن يحددوا مدة الحملة الانتخابية لأن اهتمام المواطنين ينصب كله على الخلافات السياسية المعبر عنها في الحملة ويتراخى بالنسبة إلى متطلبات التنمية.

وكثيرا ما نجد أحزابا تعيش في جو حملة انتخابية دائمة، ناسية أن اختيار الممثلين يتم في فترة معينة، وأنه خارج هذه الفترة يجب أن يتحول الصراع السياسي إلى التعبير الموضوعي عن الأفكار التي تشغل بال الأحزاب والمواطنين وعن الانتقادات الموجهة إلى نشاط أصحاب السلطة، وإن كانت الأحزاب تتدخل أكثر فأكثر لتحل محل النواب.

ويرى المؤلف أن النظام الانتخابي الذي يسمح بتمثيل الشعب تمثيلا أقرب إلى الواقع هو الانتخاب الفردي لأنه يجعل الناخب يختار الشخص الذي يعرفه والبرنامج المقترح، مبررا ذلك بقوله إن "اختيار برنامج لا يعني شيئا إذا كان الناخب لا يعرف الشخص الذي سيدافع عنه من حيث مؤهلاته الثقافية ووزنه السياسي، فالملاحظ أن بعض النواب لا يأخذون الكلمة إلا نادرا بالرغم من أنهم كلفوا بالتعبير عن الشعب".

"
الحقيقة المؤسفة أن الكثير من النواب مصابون بكسل عقلي وضعف في المستوى أثناء مناقشة الملفات، ناهيك عن التغيب المتعمد عن اجتماعات المجلس
"

ومن الصعب أن يفرض مستوى معين من التكوين لدى المرشحين، لكن القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإدارية بلغت درجة من التعقيد تجعل الناخبين مجبرين على ترشيح مواطنين لهم تكوين مناسب مع المهام التي تنتظرهم، إذ على النائب أن يوفق دائما بين ثلاثة مواقف تتجاذبه: موقف الشعب وموقف حزبه وموقفه الشخصي، وهذه رياضة ذهنية يجب أن يقوم بها دائما إذا أراد أن يمثّل الشعب حق التمثيل.

والحقيقة المؤسفة أن الكثير من النواب مصابون بكسل عقلي وضعف في المستوى أثناء مناقشة الملفات، ناهيك عن التغيب المتعمد عن اجتماعات المجلس، ولعل ربط قيمة المنح البرلمانية بحضور النائب ومشاركته كفيل للحد من هذه الوضعية.

خطر تزوير الانتخابات
يعزو الدكتور بن حمودة خطر التزوير في الانتخابات الرئاسية أو التشريعية أو المحلية إلى تعقد النصوص الأساسية المتعلقة بالانتخابات، وهو ما أدى إلى نوع من الاحتكار تتمتع به الإدارة العارفة بتلك النصوص. كما أدى إلى عدم اهتمام المواطنين وبعض الأحزاب بالموضوع، ما يفتح الباب أمام أنواع من المناورة والتزوير يصعب على الأحزاب إفشالها.

ومن البديهي أن وجود درجة عالية من الأخلاق من شأنها أن تجعل مخاطر التزوير منعدمة، ولكن الطبيعة الإنسانية تفرض ضرورة اتخاذ الإجراءات اللازمة لتنظيم انتخابات حقيقية تعكس اختيار المواطنين، وخلاف ذلك معناه إحداث سلطة مغتصبة بعيدة كل البعد عن فكرة الجمهورية وفكرة الديمقراطية.

ويعترف المؤلف بأنه سبق له فضح التزوير الذي ساد في الانتخابات التشريعية بالجزائر عام 1997 يوم كان أمينا عاما لحزب جبهة التحرير الوطني، حيث حرم الحزب من المرتبة الأولى في المجلس الشعبي الوطني (البرلمان), وبطلب منه أنشئت لجنة برلمانية للتحقيق أكدت تورط المصالح الإدارية في التزوير، لذلك يرى أنه من الضروري التنبيه لعدة نقائص ينبغي تداركها للوصول إلى انتخابات حقيقية نزيهة.

فالانتخابات تجري تحت مسؤولية الإدارة وعبر موظفيها الملزمين بحياد تام، ولكن هذا الحياد افتراضي لأن الموظفين أنفسهم -حكاما وولاة- تابعون للسلطة القائمة التي كثيرا ما تختارهم على أساس الولاء الشخصي. من كان على الأحزاب والصحافة الحرة أن تفضح حالات انتهاك واجب الحياد, خاصة أن الصناديق غير شفافة.

"
تزوير الانتخابات سهل لأن الأحزاب والمرشحين الأحرار لا يستطيعون تعيين ممثليهم في كل مكاتب التصويت، كما لا يقدر الممثلون المعيَّنون على البقاء طوال النهار في المكتب ولا على متابعة الصناديق المتنقلة
"

والجدير بالتنبيه أن التزوير سهل لأن الأحزاب والمرشحين الأحرار لا يستطيعون تعيين ممثليهم في كل مكاتب التصويت، كما لا يقدر الممثلون المعيَّنون على البقاء طوال النهار في المكتب ولا على متابعة الصناديق المتنقلة.

ولتجنب هذه المخاطر يرى المؤلف وجوب أن يسمح القانون للأحزاب بالاطلاع على سجلات التصويت فيما بعد, ونشر قوائم المنتخبين في كل مكتب على شبكة الإنترنت, وهذا من شأنه أن يمحو عنصرا هاما من عناصر التزوير وأن يقلص نسبة الامتناع حين يفضح التزوير.

ورغم العقوبات الثقيلة التي ينص عليها القانون ضد المخالفين لقواعد الحكم الانتخابية كاستعمال وسائل الدولة أو شراء الأصوات بالأموال والوعود، فإنه يعسر تطبيقها.

ثم إن الإدانة من طرف القضاء لا تغير نتائج الانتخابات، فعلى الأحزاب أن تسعى لإدانة كل المزورين أو منتهكي القانون حتى لا تتكرر الأخطاء مستقبلا, وحتى يُفضح المسؤولون الذين تسببوا في التزوير وأمروا به.. وهكذا تسترجع الانتخابات مصداقيتها. وبهذا تتضح المشاركة الحقيقية للمواطنين في السلطة، خاصة أن الجزائر على أبواب انتخابات تشريعية منتصف شهر مايو/ أيار المقبل.

احترام الدستور أساس الاستقرار
لا يكفي أن تملك الدولة دستورا جيدا بل يجب أن تحرص على تطبيقه, وهذا شرط أساسي للتوازن بين السلطات وتخفيض عدد الأزمات التي تهدد المجتمع.

من هذا المنطلق يرى المؤلف أنه من الخطأ اعتبار مسألة الدستور من صلاحيات المتخصصين.. صحيح أن المشروع الأولي يجب أن يحضر من طرف مجموعة من أساتذة القانون العام وشخصيات سياسية محنكة, لكن توسيع المناقشة إلى كل الحركات السياسية والمؤسسات والجماهير أمر ضروري, إذ بذلك تتضح العديد من القضايا الوطنية ويشعر الشعب أن الدستور ليس هبة من الحكام بل مجهودا جماعيا ساهم هو فيه.

"
يحبذ المؤلف أن لا يكون حق تعديل الدستور خاصا بالرئيس وحده، وإنما يضاف إليه البرلمان باعتباره ممثلا للشعب
"
وبعد المصادقة على الدستور والشروع في تطبيقه قد يظهر بعض الخلل, فمن يبادر بتقديم مشروع التعديل؟ بصفة عامة يخصص حق تقديم التعديل لرئيس الجمهورية
.

ولكن المؤلف يحبذ أن يخصص هذا الحق أيضا للبرلمان الذي يمثل الشعب، ويرى أن توسيع حق المبادرة إلى البرلمان لا يطرح مشكلا أساسيا لأن الشعب هو الذي يقرر التعديل في النهاية.

وحول فترة الرئاسة وهي من أهم المسائل المثارة في الساحة السياسية الجزائرية ويعتبرها المؤلف هامة جدا ولا يجوز الاستخفاف بها لأن الشعوب تفضل عادة استقرارا نسبيا, يقترح بن حمودة تمديد الفترة إلى سبع سنوات ويراه اقتراحا معقولا ما دامت مدة أربع أو خمس سنوات تطابق مدة التخطيطات التقليدية، وعليه ينبغي إضافة سنة أو سنتين ليستطيع الرئيس تحضير خطته التنموية وشروط تنفيذها.

وفي المقابل يتهم المؤول الجزائري السابق المطالبين بتقصير المدة من الأحزاب بسعيها إلى إنجاح مرشحها في أقرب وقت، متناسية المصالح العليا للوطن.

ومدة السبع سنوات المقترحة من المؤلف يمكن تجديدها مرة واحدة، وعلى الشعب أن يجدد الثقة في الرئيس إذا أرضى الجميع بإنجازاته وجنب البلاد أزمات خطيرة. أما التجديد الثاني ولو لفترة خمس سنوات فإنه غير مقبول لسببين رئيسيين: أولهما أن السلطة تضعف مع طول الممارسة وتفقد القدرة على الإقناع والاجتهاد، والثاني أن البقاء الطويل في السلطة يعرّض صاحبه لمخاطر الانحراف ويجعله شديد الحرص على الاحتفاظ بالسلطة بكل الوسائل كإدخال مادة دستورية تمنحه السلطة مدى الحياة.

والواقع يثبت ذلك خاصة أن الدستور يمنح رئيس الجمهورية صلاحيات متعددة وسلطات تخول له حق الاعتراض مثلا عن قانون صادق عليه البرلمان، وهذا تناقض مع مبدأ سيادة الشعب ومصلحة الاستقرار السياسي ويشكل مصدرا لخلافات خطيرة بين الهيئتين التشريعية والتنفيذية يجب أن يحسب لها ألف حساب.

بل أكثر من ذلك فإن الرئيس يملك حق حل البرلمان، وقد أسند له هذا الحق تاريخيا لإجبار البرلمان على تبني برنامج الحكومة وتقليص عدد مرات اللجوء إلى سحب الثقة منها، فقدم حق حل البرلمان على أنه يخدم الاستقرار السياسي، ولكنه إن مورس فسيعتبر لاأخلاقيا وتعديا صارخا على الديمقراطية، إلا إذا كانت هناك أسباب تفرضها المصالح العليا للأمة. ومهما يكن فلا يعقل أن تمنح سلطة مثل هذه لرجل واحد يحولها في الواقع لخدمة مصالح الرئاسة.

ويذكر المؤلف على سبيل المثال أزمة سياسية عاشتها الجزائر عام 1990 نشأت بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، فالأول اعتقد أن له حق إنهاء مهام رئيس الحكومة بينما اعتبر الأخير أنه مسؤول أمام البرلمان وأنه من المفروض أن يتقدم أمامه ولو لإخباره عن مدى تنفيذ البرنامج المصادق عليه.. وبقيت القضية السياسية معلقة.

"
لعل إحداث مجالس أو لجان استشارية حول الرئيس قد يسد فراغا ويجند الطاقات البشرية المهمشة ويحث الأحزاب على الترفع عن الصراعات العقيمة، وبذلك تتجسد فكرة مساهمة المواطنين في السلطة
"

إن الدستور هو الذي يبين صلاحيات كل سلطة والعلاقات بين الهيئات، وقد تحدث خلافات ناجمة عن عدم احترام بعض المواد أو عن تأويل خاطئ عند تطبيقها، ما استلزم إحداث هيئة مستقلة هي المجلس الدستوري الذي يفصل في دستورية المعاهدات والقوانين ويسهر على شرعية الاستفتاء والانتخابات ويحقق في حالة عجز الرئيس.

ولكن صلاحيات هذا المجلس محدودة لذا يجب فتح المجال أمامه وتكليفه بمهام أخرى تضمن استقرار مؤسسات الدولة، على أن يتمتع بالاستقلال التام ويتمتع أعضاؤه بكفاءة عالية ونزاهة لا مرية فيها.

وهذا الأمر يتطلب دراسة جدية ومعمقة ونصوصا دقيقة واضحة تشعر أصحاب السلطة بأن احترام الدستور شيء أساسي واختراقه يعرض للعقوبات التي يصدرها المجلس الدستوري نهائيا وبكل استقلالية، انطلاقا من أن المصلحة الوطنية فوق أي اعتبار وفوق كل الخلافات السياسية.

وأمام مخاطر الانفجار الاجتماعي وتفتيت الوحدة الترابية وأمام المخاطر الخارجية، لا بد أن يكون رئيس الجمهورية محاطا بكل القوى الوطنية.

ولعل إحداث مجالس أو لجان استشارية حوله كالمجلس الأعلى للشؤون الدينية ومجلس لدراسة القضايا السياسية وآخر لقضايا الأمن ورابع للمسائل العلمية المرتبطة بالتنمية، قد يسد فراغا ويجند الطاقات البشرية المهمشة ويحث الأحزاب على الترفع عن الصراعات العقيمة، وبذلك تتجسد فكرة مساهمة المواطنين في السلطة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة