مقدمة لقرن التهديدات   
الخميس 1426/4/25 هـ - الموافق 2/6/2005 م (آخر تحديث) الساعة 11:31 (مكة المكرمة)، 8:31 (غرينتش)

عرض/ حسن السرات
هذا كتاب لم يؤلفه رجل دين مسيحي أو يهودي أو مسلم، ولم يسطره إنسان مولع بالنبوءات وتفسير الرؤى والأحلام، أو كاتب امتلأت ذاكرته بأحاديث الفتن والمهدي المنتظر والمسيح الدجال، ولكن كتبه جاك بلامون عضو أكاديمية العلوم بفرنسا، وأستاذ بجامعة باريس السادسة، والذي كان أحد المنشطين للبرامج الفضائية الفرنسية المرتبطة بوكالة "ناسا" الأميركية والمراكز الفضائية السوفياتية سابقا، وله كتب منشورة أخرى منها "كوكب الزهرة مكشوفا" و"الرقم والرؤيا".

خيانة العلم

- العنوان: مقدمة لقرن التهديدات

- المؤلف: جاك بلامون
- عدد الصفحات: 500

- الناشر: دار أوديل جاكوب، فرنسا

 - الطبعة: الأولى، 2004

لا يمكن أن يخرج القارئ لآخر كتاب لبلامون "مقدمة لقرن التهديدات" سليما، إلا إذا كان المسافر في فصوله وصفحاته محروما من الخيال أو من أدنى معرفة بهذا العالم الذي نحيا فيه.

ويمكن أن نذهب إلى أبعد من هذا، فنقول إن هذا الكتاب سيتركك بعد الفراغ من قراءته مستعرضا يقينياتك وحيدا أمام هذا الكون في مواجهة خراب معلن وشيك الحضور.

النظرية بسيطة وملخصة في التقديم، إذ يروي الكاتب ذاته أنه عام 1993 وفي مهمة بمختبر "جبت بروبولسيون" وأمام حالة من أقصى حالات البؤس، أيقن أن العلم الأساسي الذي كان يظن أنه قادر على رفع المستوى المادي والمعنوي للإنسانية لم يكن سوى مظهر من المظاهر المخادعة لما يسميه "شيء ما ضخم وغريب" ثم صار آلية من الآليات العنيدة التي بدأت في العمل على تدمير الحضارة الإنسانية.

وما هذه الآلية سوى النمو الأساسي للعلوم والتكنولوجيات المنتجة لنمو (أساسي هو الآخر) للسكان والحاجات، على أرض توحي بأن مصادرها الحالية والمستقبلية لن تلبي الطلب المتزايد.

ومنذ مدة تولد عن هذا تفاوت غير محتمل من الناحية الفكرية بين الأغنياء الذين يتجاوز دخلهم 50 دولارا في اليوم، ومئات الملايين من الناس ممن لا يتجاوز دخلهم دولارا واحدا.

غير أن هؤلاء المحرومين لن يبقوا في أماكنهم ينتظرون ملك الموت ليأخذ أرواحهم، بل سوف تدفعهم غريزة الحياة والبقاء إلى تدمير قلعة المحظوظين التي يظن هؤلاء أنهم محصنون فيها، ولأن أولئك المحظوظين طغوا فاستغنوا فعموا فإنهم لن يفعلوا شيئا لتجنب الشر، ولكنهم سوف يستعجلون نهايتهم ويخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المحرومين.

كوارث من ورائها كوارث
"
الأمراض الفتاكة التي ظن الغربيون أنهم  تحصنوا ضدها سوف تهجم عليهم في ديارهم على الرغم من التحصينات الصحية والتلقيحات المتكررة
"
الكوارث التي تهددنا وتترادف فيما بينها متعددة، ويورد الكاتب بطبيعة الحال الصراعات الحربية الطاحنة بين الدول، وهي الحروب التي تؤجج لهيبها الولايات المتحدة الأميركية عن طريق التحكم في تكنولوجيا الهيمنة المدنية والعسكرية.

القلب النابض بهذا زود بآليات المراقبة والقتال التي تستعين بالإلكترونيات والشبكات العنكبوتية المتطورة، والحرب السيبرنيطيقية التي لا تستثني تعزيز الترسانة النووية البكتريولوجية والكيميائية المعدة سلفا لمواجهة الاتحاد السوفياتي الغابر.

لكن دولا أخرى بزغت في سطح السياسة الدولية تمكنت وأخرى سوف تتمكن قريبا من هذه الأسلحة، لن تكون في مستوى التحكم الأميركي، غير أنها يمكن أن تحدث -ولسوف يحدثون حتما كما يرى الكاتب- صراعات ومواجهات كارثية، ومن بين هذه الدول الهند وباكستان، وأخرى سوف تظهرها الأيام القادمة كما يرى الكاتب.

ثاني أكبر تهديد هو الإرهاب الذي يتحدث عنه الجميع حاليا، والذي يستخدم التقنيات الاتصالية الحديثة بفعالية وقدرة، حتى سمى المؤلف هذا النشاط الدائر بالحرب في النت (نت وور). الولايات المتحدة نفسها تشن الحرب في "النت" وهي من وسائلها الفعالة للتحكم في العقول، وتدور بينها وبين الإرهابيين حرب شرسة في هذه الساحة.

كوارث أخرى في طريقها إلينا أو نحن سائرون إليها تقف خلف الكوارث السابقة، على رأسها نفاد المصادر الأولية للنظام الاقتصادي والبيئي الذي يتحدث عنه الكثيرون دون أن يدركوا نتيجته المرعبة: فذوو الدولار الواحد المتزاحمون الموزعون في التجمعات السكنية الكبرى المعرضون للكوارث الطبيعية لن يترددوا في الانقضاض والإغارة على الدول الغنية.

ويضيف المؤلف أن الأمراض الفتاكة التي ظن الغربيون أنهم تحصنوا ضدها سوف تهجم عليهم في ديارهم على الرغم من التحصينات الصحية والتلقيحات المتكررة. وبهذا يتبين للكاتب أن طريق المستقبل مقطوع وبقوة عن طريق جدار لا يمكن تجاوزه.

نبوءة بلامون ليست كتحذيرات غيره من المناهضين للعولمة أو من العلماء التجريبيين ولكنها لا تترك مجالا أمامنا، إذ يؤكد صاحبها أن آلة التدمير البشرية شرعت في العمل منذ مدة، وأن الأفق مسدود دون أي مخرج أو حظ للإفلات من الدمار الشامل.

ومثل الطبيب الموقن بأن أجل مريضه لن يتجاوز ثلاثة أشهر مهما فعل، يخبرنا الكاتب أن عالمنا هذا لم يبق من عمره سوى سنوات معدودات مهما فعل، والذين يظنون أن الاستثناء ممكن لم يدركوا صرامة المتتاليات القاتلة التي أحكمت وثاقها على رقابنا.

المحرك الأميركي الجبار
"
الولايات المتحدة في مقدمة الذين كانوا سببا في ميلاد الانفجار العلمي التقني، وتستمر في رعايته والتحكم فيه والاستفادة منه قاطعة مسافة طويلة بالمقارنة مع الدول الأوروبية
"
وللكاتب أسباب أخرى تجعل من تشاؤمه شيئا مطلقا، ومن كتابه مؤلفا متميزا: الأول أسلوبه الباهر الجامع بين الواقعية الماحقة وكثير من السخرية وشيء من شاعرية ساحرة، لدرجة أن الصفحات الخمسمائة لا تتركك تقرؤها على مكث وتفرق، بل تلح عليك ألا تبرحها حتى تنتهي منها جميعها جملة وتفصيلا.

والثاني بساطة في العلم العميق ودقة في التوثيق، فالكاتب ليس من الوزن الخفيف حتى لا يؤبه بحديثه، ولكنه عاشر قمما في العلم العسكري الفضائي الصناعي في كل من فرنسا والولايات المتحدة و "السوفياتيا" كما يحب أن يسمي الإمبراطورية التي خلت من قبل وهوت بها ريح التاريخ في مكان سحيق.

فالرجل متمكن مما يقول وعلى علم بالمجال الذي يحكم فيه، وليس كأولئك الذين يتطفلون على العلم والتكنولوجيا والإمبريالية الأميركية دون أن يعلموا عن ذلك شيئا.

ومن هنا يصبح لزاما على الجميع أن يستوعب ما في هذا الكتاب -وعلى رأسهم أصحاب القرار السياسي- لتوسيع النظر وتدقيق الإبصار في مستقبلنا القريب جدا، وكيف نواجه دولة قوية مثل الولايات المتحدة الأميركية تسير بنا نحو يوم القيامة و"الأبوكاليبس" عن إدراك وعقيدة.

يخصص الكاتب الفصل الأول والثاني من كتابه للحديث عما سماه "محرك التاريخ" حيث يفصل انفجار المعارف العلمية والتقنية والاتصالية، وكيف تتضاعف مرتين وفق قانون مور كل 18 شهرا.

وتوجد الولايات المتحدة الأميركية في مقدمة الذين كانوا سببا في ميلاد هذا الانفجار العلمي التقني، وتستمر في رعايته والتحكم فيه والاستفادة منه قاطعة مسافة طويلة بالمقارنة مع الدول الأوروبية، فما بالك بالدول المتخلفة؟

وينبه بلامون إلى وجود مجموعات إرهابية وطائفية يمكن أن تضع يدها يوما على ناصية هذه المعارف السريعة. وفي فصول تالية (من الثالث حتى السابع) بيان شامل لآليات توليد الهيمنة الأميركية سواء في إستراتيجية السيطرة الشاملة، أو في ساحة مختلف الحروب التي استخدمت فيها الولايات المتحدة جيوشها طيلة خمسة عشر عاما، أو لبناء دفاع حصين لا يخترقه مخترق.

ويعتمد في هذا على وثائق تجهلها عامة المواطنين والأغلبية الساحقة في الطبقة السياسية والعسكرية والعلمية بأوروبا كلها. وتظهر الفصول بكل وضوح ضعف القارة العتيقة ووزنها أمام الجبار الأميركي، وذلك ما يفسر للعامة من سكان العالم سر التفوق الأميركي على ساحة السياسة الخارجية وتمكنه من أن يفعل ما يشاء ولو كره الأوروبيون.

نهاية لا ريب فيها
"
النهاية آتية لا ريب فيها وقدومها صار حتما مقضيا، ولن ينفع أمام النهاية تأمل المتأملين ولا صلوات الخاشعين
"
وفي الفصل الثامن يقدم المؤلف للقراء خريطة عن البلدان والشعوب في مسافتها عن "المحرك السريع" أي الولايات المتحدة، فهناك القريبون وهناك البعيدون.

وفي الفصل ذاته يتطرق إلى الحرب الإعلامية الدائرة على شبكة الإنترنت بين الولايات المتحدة والمجموعات الإسلامية المتشددة، ودون أن يتبنى الكاتب نظرية هنتنغتون حول صدام الحضارات والديانات، ينبه إلى أن أعداء الغرب يستغلون الدوائر المناضلة من أجل الإسلام لاستقطاب جنود ليس لهم ما يخسرونه لتوجيههم إلى حرب "مقدسة" وجهاد في سبيل الله ينتهي بالنصر أو بالشهادة.

ويتوقع بلامون في الفصل التاسع أن يكون القرن الواحد والعشرون مليئا بالأوبئة الفتاكة المتجددة، وبالكوارث البيئية التي تغرق العالم جوعا وخصاصة، والكوارث الطبيعية الناتجة عن الخلخلة الحاصلة في المناخ الكوكبي والتي ستحصد في طريقها عددا من الكائنات على رأسها الثدييات (ومنها الإنسان).

وينذر في هذا الفصل بأن النهاية آتية لا ريب فيها وأن قدومها صار حتما مقضيا، ولن ينفع أمام النهاية تأمل المتأملين ولا صلوات الخاشعين، ويورد بعض المقاطع من الإنجيل يعزز بها توقعاته، فلن نستطيع أن ننفذ من أقطار السموات والأرض إذ لا سلطان لنا بذلك، ونحن –فيما يختم الكاتب- في طريقنا إلى الانتحار الجماعي وقتل أنفسنا بأنفسنا جزاء ما فعلت أيدينا.

أين المفر؟
"
صعوبة مضاعفة تجدها النفس أمام كتاب بلامون إذ يصعب عليها تصديق كل ما يقول كما يصعب عليها تكذيبه خاصة وأنها تشاهد كل يوم مقدمات ما تنبأ به
"
سئل بلامون عن كتابه خاصة عن الآفاق المسدودة الرهيبة أمام عالمنا، فقال إن التشخيص قاتم للغاية، وإن الإرادة السياسية مفقودة لدى ذوي القرار، والوقت يداهمنا، وكل المؤشرات والعلامات تدل على أن تغييرا هائلا فوق إرادة الإنسانية ورؤوس الناس سوف يقع، وإن أخوف ما يخافه أن يحدث التغيير الضخم وسط الآلام الكبرى، غير أن السؤال الأكبر هو أين المفر؟

وعندما تفرغ من الكتاب تتوقف طويلا لإعادة النظر فيه من أوله إلى آخره، تفعل ذلك وأنت مسكون بهاجس الرعب وسوء المصير. فالقضايا التي أثارها الكاتب عن علم وإحاطة ترفع الضغط الدموي والتوتر العقلي إلى الدرجات العليا، وتفتح الباب على مصراعيه لحديث النفس والنهى، وسبل الخلاص مما نحن فيه وما نحن سائرون إليه بسرعة قصوى.

وسوف يستعيد كثير من الناس أحداث ومشاهد الدمار الطبيعي والصناعي الذي عرفته هذه الدنيا، وسوف ينظرون إلى الحياة نظرة أخرى. أما المؤمنون من كل الديانات والطوائف فسوف يستعينون بأحاديث الفتن، ما ظهر منها وما بطن مؤكدين أن هذا ما حذر منه الرحمن وصدق المرسلون، وأن الفساد ظهر في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس.

لكن الحال لن يحول بيننا وبين تحمل المسؤولية ودعوة ذوي القرار السياسي والثقافي والاقتصادي والديني، إلى المسارعة إلى التعاون على ما ينفع الناس وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ومواجهة المصير المشترك.

صعوبة مضاعفة تجدها النفس أمام ذلك الكتاب، فمن جهة يصعب عليها أن تصدق كل ما يقول، ومن جهة ثانية يصعب عليها كذلك أن تكذبه، خاصة وأنها تشاهد كل يوم مقدمات ما تنبأ الكاتب به. وما بين منزلتي التصديق والتكذيب، لا يسع إلا أن نقول (لله غيب السموات والأرض ومن فيهن) ولله الأمر من قبل ومن بعد.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة