الكاثوليكية وعودة المتشددين   
الخميس 1431/7/6 هـ - الموافق 17/6/2010 م (آخر تحديث) الساعة 14:32 (مكة المكرمة)، 11:32 (غرينتش)

عرض/ الحسن سرات

لا نفهم كثيرا من مواقف الكنيسة الكاثوليكية ولا منافستها الإنجيلية إلا بمتابعة تحولاتها الداخلية قبل التحولات الخارجية، فإن المواقف المعلنة ليست سوى نتيجة لمخاض عسير من التكتلات ذات اليمين وذات الشمال حول ما يعرفه الدين عامة، والكنيسة خاصة، من حرب داخلية بين المواقع المتباينة والتيارات المتناقضة، ومحاولة البابا إمساك العصا من الوسط لرأب التشققات وإرضاء جميع الجهات.

-الكتاب: الكاثوليكية وعودة المتشددين
-المؤلف: هنري تينك
-عدد الصفحات 64
-الناشر: منشورات المعهد الوطني للبحث العلمي, باريس
-الطبعة: الأولى/2009
ويقدم لنا هنري تينك، الكاتب الصحفي المختص في الأديان بجريدة لوموند الفرنسية، نموذجا واضحا لهذا الأمر في كتاب صغير الحجم، كبير الفائدة بعنوان "الكاثوليكية وعودة المتشددين".

فقد ساد الاعتقاد طويلا أن "الكاثوليكيين المتطرفين" في القرن التاسع عشر قد غلبوا على أمرهم وانتهى زمنهم وصاروا إلى مزبلة التاريخ، أولئك الذين ورثوا كنيسة مناهضة للإصلاح ومضادة للثورة الفرنسية ومعاكسة للحداثة إلى غاية سنة 1950، والتي سحقت بتشددها وغلظتها الساحة السياسية والدينية لأوروبا، وبذل المسيحيون الكاثوليك لتجاوزها منذ منتصف القرن العشرين جهودا مضنية بتجديد العقائد والأشكال، وتوج المجددون المصلحون عملهم في المجمع الكنسي للفاتيكان 1950-1962 بتغيير وجه الكنيسة وعلاقتها بالعقلانية المعاصرة وتأويلها للكتاب المقدس وطقوسها المرعية وعلاقتها بالديانات الكبرى، مسيحية وغير مسيحية، التي كانت مهانة مطاردة.

الكنيسة الموازية
ويعتبر القس الفرنسي مارسيل لوفيبر زعيم التيار الجذري المتشدد، بدأ تمرده عام 1988 بتعيين أربعة قساوسة ضدا على إرادة الفاتيكان والبابا السابق جان بول الثاني، متجاوزا الخط الأحمر الذي يعرض كل منتهك له للإبعاد والطرد، وقال منتقدا الفاتيكان ومن فيه "إن سلطة الكنيسة تخضع للتحديث الذي أدانه جميع من تولى رئاستها دائما. ولذلك فأنا أعتبر كل ما اتخذ ضدنا من قرارات وإجراءات لاغية".

وظلت تلك العقوبات مرفوضة مردودة من قبل القساوسة المدانين، كما رفضوا وصفهم بالمنشقين أو "الكنيسة الموازية". وكان البابا راتزينغر، ومعه شخصيات كاثوليكية كبيرة مثل الفيلسوف الراحل جان غيتون والقساوسة الأفارقة برناردان جانتان وهياسينت تياندوم، ضمن لجنة وساطة لترميم الرقع، حتى ظنوا أن القطيعة يمكن تجنبها، لكن دون جدوى في النهاية. وهكذا صار لوفيبر زعيم الكنيسة الباريسية التي سيطر عليها المتشددون منذ سنة 1977.

وقال في ندوة صحفية "لقد طردتنا روما، وهم يهددوننا بالقطيعة والإبعاد، لكن من له الحق في إبعادنا ومقاطعتنا؟ إن روما التي تفعل هذا لم تعد تملك من روح الكاثوليكية شيئا؟ ومن يوقع على هذا القرار، إنه البابا -جان بول الثاني- الحداثي الذي يروج لأفكار الثورة، ويسوي بين جميع الديانات. إننا لا نريد أن نكون شركاء في تدمير الكنيسة".

ويرفض المتطرفون الكاثوليك عددا من الأفكار التي آمن بها البابا السابق لتجديد "كنيسة المستقبل"، ومنها الاعتراف بحرية التدين لكل إنسان، وإدماج الكنيسة في "عالم اليوم، والمصدر المزدوج للكتاب المقدس، أي الكتابات القديمة وتفسيرات كبار الرهبان. كما يرفضون بعثات التبشير، وقبول القساوسة العلمانيين.

"
يرفض المتطرفون الكاثوليك عددا من الأفكار لتجديد "كنيسة المستقبل"، ومنها الاعتراف بحرية التدين لكل إنسان، وإدماج الكنيسة في عالم اليوم، والمصدر المزدوج للكتاب المقدس، كما يرفضون بعثات التبشير، وقبول القساوسة العلمانيين
"
ويعتبر الموقف من الأديان الأخرى من أهم نقاط الخلاف بين الطرفين، إذ يرى المتطرفون أن الكنيسة ظلت تقول وتعيد القول منذ ألفي سنة، إنه لا خلاص خارجها، ثم جاء المجمع المسكوني ليقر بحرية التدين والدخول في حوار مع الديانات الأخرى، ويا ليت الأمر اقتصر على الفرق المسيحية المنشقة، إذن لهان الأمر، ولكن، ويا للفظاعة، توسع الأمر ليشمل اليهود والمسلمين والبوذيين والهندوس، وباعتماد حرية التدين نسمح للدودة أن تدخل الفاكهة".

وقد بذل لوفيبر معظم حياته في أفريقيا لإدخال المسلمين والبروتستانت والطوائف الأخرى في الكاثوليكية وقال بشأن الإسلام "كيف يمكنني أن أحترم تعدد الزوجات وخلود الإسلام؟".

اليهود والهولوكوست
لم يستسلم المتطرفون ولم يضعوا أسلحتهم مواصلين حرب استنزاف ضد الفاتيكان، وفي 24 يناير/كانون الثاني 2009 قرر بنديكت السادس عشر رفع الإجراءات الإقصائية بحق القساوسة الأربعة الذين باركهم لوفيبر في 1988.

فعل رمزي جدا، لكن الفاتيكان لم يحسن ترويجه ولا تفسيره للجمهور فاندلعت عاصفة داخل الكنيسة وخارجها، وازداد الأمر استفحالا عندما أجرى الراهب السويدي ريشارد ويليامسون، أحد القساوسة الأربعة، مقابلة في التلفزيون السويدي وأنكر فيها وجود غرف الغاز زمن هتلر، وانتقد المبالغة في عدد ضحايا الهولوكوست من اليهود على يد النازية.

فووجهت تصريحاته بضراوة أشد مما ووجهت به إجراءات العفو البابوي، فسارع البابا لإدانة ما قدمه التلفزيون السويدي، وطالب ريشارد ويليامسون بسحبها، لكن ويليامسون اكتفى بنصف اعتذار وطلب عفوا مزيفا، مما دفع الفاتيكان إلى القول إنه لا علم له بتصريحات الراهب السويدي عند صدور العفو، وفي رسالة اعتراف، أقر البابا بوجود خلل في قمة الكنيسة، وأن عليه أن يبذل جهدا كبيرا لإطفاء الجدل المشتعل، والإعداد لزيارته إلى إسرائيل في مايو/أيار 2009.

"
رغبة في إعادة المبعدين إلى قلب الكنيسة، أعاد بنديكت السادس عشر فتح باب الوساوس والشكوك في نفوس الطائفة اليهودية، بعد أن سعى بعض أسلافه إلى ترميم التمزقات بفتح باب الحوار والمصالحة مع "الإخوة الكبار"
"
وقبل إعادة إدماج القس السويدي، كانت بعض الأفعال البابوية قد صدمت العالم اليهودي، مثل إعادة "شعيرة" من "الشعائر" القديمة تتلى كل جمعة مقدسة، بها أدعية لهداية اليهود وإخراج الشعب اليهودي من الظلمات إلى النور، وإلقاء محبة المسيح ومعرفته في قلوبهم، واعتبر هذا الأمر نموذجا لتناقض البابا وخطابه المزدوج حول اليهود.

وبهذه المواقف، ورغبة في إعادة المبعدين إلى قلب الكنيسة، أعاد بنديكت السادس عشر فتح باب الوساوس والشكوك في نفوس الطائفة اليهودية، بعد أن سعى بعض أسلافه، مثل البابا جان 23 والبابا جان بول الثاني، إلى ترميم التمزقات بفتح باب الحوار والمصالحة مع "الإخوة الكبار". كما أن جان بول الثاني كان أول من تخطى عتبة المعبد اليهودي بروما، واعترف بدولة إسرائيل، وزارها سنة 2000، ثم طلب العفو والمغفرة عن كل الخطايا والإساءات التي تعرض لها الشعب اليهودي عبر التاريخ المسيحي.

ظن خائب
لقد خاب ظن البابا الحالي عندما اعتقد أن التنازلات المقدمة من الكنيسة ستضع حدا لتشدد المتطرفين وستعيدهم إلى قلب "الجماعة" وإيقاف حملاتهم ضد القساوسة، فهم لم يتوقفوا عن المطالبة بالعودة إلى كنيسة لا تغير من الوضع القديم شيئا، ولا تنحني أمام الحداثة، وتتجاهل الأفكار الليبرالية، بل وتحاربها وتنكر التعدد الديني.

ويقول المؤلف "يمكننا القول إن اليد الممدودة لبنديكت السادس عشر لهذا التيار من الرجال والأفكار يظهر جهله العميق بالتاريخ، وخاصة التاريخ الفرنسي والتطرف الكاثوليكي. وبحرصه الشديد على تخفيف التوتر معهم والبحث عن توافقات ترضيهم، مع أنهم لا يبدون أي مرونة، فإنه يغامر بإشاعة الالتباس وتفضيله لوحدة مهزوزة على وضوح عقدي، وربما ساهم في انشقاقات جديدة في "الجماعة المسيحية"، خاصة الكاثوليك التقدميين الذين يطالبون بإعادة إدماج بعض رموزهم مثل هانس كونغ، أو لدى تيار "لاهوت التحرير" بأميركا اللاتينية. وأيضا بالعفو عن كل القساوسة الذين تزوجوا أو طلقوا ممن لا يسمح لهم بتمثيل الكنيسة رسميا لمخالفتهم القواعد والأعراف.

وكان هؤلاء المتطرفون قد صفقوا لانتخاب راتزينغر خلفا لجان بول الثاني، واعتبروه حليفهم الطبيعي، إذ إنه نشأ في المهد التقليدي للكنيسة البافارية الألمانية، وكان حارسا للعقيدة المقرب من البابا السابق، فظنوا أنه هو البابا الذي سيغلق قوس المجمع الكاثوليكي "فاتيكان الثاني"، كأن ذلك الجهد كله ليس سوى قوس فتحت وحان أوان إغلاقها دون زلزال.

ويرى هنري تينك أن هؤلاء المتطرفين يخطئون، لأن انتخاب بنديكت السادس عشر يندرج ضمن استمرارية باباوات المجمع السابق الذي شارك فيه راتزينغر بحماس ونشاط وهو في ريعان الشباب، ولا شيء يشير اليوم إلى أنه سيتراجع عن ميراث سابقيه، فهو لم يضع حدا للحوار مع الديانات الأخرى، أو لمشاركة القساوسة اللائكيين في المهام الكنسية.

ولقد رأيناه، على العكس من ذلك، يدلف إلى معبد يهودي بكولونيا الألمانية، ثم إلى معبد آخر بنيويورك الأميركية، ثم رأيناه يزور مسجد إسطنبول ويصلي فيه. وهو في كل مواقفه وتصريحاته ينظر إلى المجمع من خلال مبدأ "لا للتجاوزات.. نعم للإصلاحات".

فرنسا معقل التطرف
"
فرنسا ليست واحدة، ولكنها اثنتان والحرب بينهما سجال، فهناك فرنسا المقدسة الخالدة, فرنسا المناهضة لكل إصلاح ولكل ثورة، فرنسا التي ترفض الانحياز للجمهورية, وهناك فرنسا الأنوار والثورة وحقوق الإنسان والجمهورية والفصل بين الدين والدولة
ويعتبر المؤلف هنري تينك أن فرنسا بلد التطرف والمتطرفين، خاصة في المجال الديني، ويقدم عدة أمثلة ووقائع على ذلك من التاريخ القديم والحديث تعزز هذا الحكم.

ففرنسا ليست واحدة، ولكنها اثنتان والحرب بينهما سجال، فهناك من جهة فرنسا المقدسة الخالدة التي تمتد من كلوفيتس إلى جان دارك، والتي شيدت الكاتدرائيات، فرنسا المناهضة لكل إصلاح ولكل ثورة، فرنسا التي ترفض الانحياز للجمهورية ورفضت نتائج المجمع الديني الفاتيكان2".

وعلى الجهة المقابلة، هناك فرنسا الأنوار والثورة وحقوق الإنسان والجمهورية والفصل بين الدين والدولة، فرنسا العلمانية والديمقراطية.

إنه لا يمكن أن نفهم العمق الأيديولوجي والسياسي للاحتجاج الكاثوليكي المتشدد دون الرجوع إلى صفحات التاريخ القديم. فالكاثوليك المتطرفون يرون أن مناهضة الإصلاح معركة تمتد إلى أربعة قرون منذ المجمع الكنسي 1545-1563 أيام ظهور كالفان ولوثر والهزات التي أحدثتها حركتهما.

لم يعد التيار المتطرف منحصرا في فرنسا، بل صار تيارا عالميا يوجد في عدة بلدان، وله تنظيم يضم أتباعا وقساوسة وصحافة مختلفة. وتعتبر الجبهة الوطنية الفرنسية بزعامة جان ماري لوبين الوجه السياسي لهذا التيار، وهذا ما يفسر مواقف الجبهة من الأجانب، خاصة المسلمين، ومن اليهود.

وعلى الجبهة الإعلامية تعتبر مجلة "الحاضر" الفرنسية أهم منبر لهم، ومن أهم معاركها المستمرة مناهضة الإجهاض وتأييد حكم الإعدام، والمحافظة على الهوية الوطنية الفرنسية من تلويث الهجرة ومن الأسلمة الزاحفة على أوروبا. أما على صعيد السياسة الدولية فتؤيد المجلة السياسة الأميركية وتهاجم الزعماء السياسيين الأوروبيين الذين يتنكرون للميراث الديني للقارة ويتهمونهم بمسخ الوجه الحضاري الأوروبي.

وعلى غرار الأميركيين، أسس المتطرفون جمعية دولية تعنى بالدفاع عن المسيحيين المضطهدين في العالم، ويصدرون تقريرا سنويا يرصد معاناتهم وحالات الاضطهاد التي يتعرضون لها.

طبيعة التطرف
الدراسة المركزة لهنري تينك تؤكد أمرين اثنين في غاية الأهمية في النفس الإنسانية وطبيعة الاجتماع البشري والتدين العام، الأمر الأول هو أن التطرف لم ينته في يوم من الأيام، بل بقي محافظا على حياته متربصا كل فرصة للإعلان عن وجوده وعن رغباته وتطلعاته.

فرغم مرور قرون متطاولة، ما زال المتطرفون في كل ملة ودين، وتاريخ الكنيسة الكاثوليكية نموذجا لذلك. غير أن المثير هو أن وسائل الإعلام تركز على التطرف الإسلامي وتعرض عن التطرف المسيحي واليهودي وغيرهما.

"
رغم مرور قرون متطاولة، ما زال المتطرفون في كل ملة ودين، وتاريخ الكنيسة الكاثوليكية نموذجا لذلك, غير أن المثير هو أن وسائل الإعلام تركز على التطرف الإسلامي وتعرض عن التطرف المسيحي واليهودي وغيرهما
"

أما الأمر الثاني فهو أن التطرف لا يكون في الدين، ولكن في فهمه وتنزيله على الواقع، أي في التدين، فلا يمكن أن نقول إن النصرانية في أصلها وأولها متطرفة، أو إن اليهودية كذلك، أو إن الإسلام نزل متطرفا كما يزعم أعداؤه وخصومه.

بل الذين تنصروا وزعموا أنهم نصارى والذين هادوا وزعموا أنهم أتباع موسى عليه السلام، والذين أسلموا وقالوا نحن أتباع الرسول محمد عليه الصلاة والسلام، أولئك جميعا هم الذين يقدمون نسخا مختلفة من التدين تتأثر بالأمزجة والطبائع فتتعدد الصور بتعدد الخلائق، فمن اعتدل في مزاجه وطبعه وفهمه اعتدل في تدينه، ومن مال عن الاعتدال تطرف في تدينه، ولذلك لا بد من مثال مرجعي يقدم القدوة والأسوة، ولا يكون ذلك إلا لنبي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة