قارئ المحافظين الجدد   
الثلاثاء 1426/5/1 هـ - الموافق 7/6/2005 م (آخر تحديث) الساعة 19:41 (مكة المكرمة)، 16:41 (غرينتش)

عرض/علاء بيومي

هذا الكتاب واحد من الكتب القليلة المكتوبة عن المحافظين الجدد بأقلام المحافظين الجدد أنفسهم. والكتاب في الجانب الأكبر منه عبارة عن محاولة للدفاع عن المحافظين الجدد من خلال تفنيد وإبطال الاتهامات الرئيسية الموجهة إليهم من قبل الصحافة الأميركية والعالمية منذ أحداث 11 سبتمبر 2001.

 

كما يحاول الكتاب أيضا تأصيل فكر وتوجهات المحافظين الجدد السياسية بتصويرها على أنها جزء لا يتجزأ من التراث السياسي الأميركي، كما يسعى الكتاب إلى تقديم صورة سريعة لنشأة المحافظين الجدد ولبعض أهم أفكارهم.

 

ولكن الكتاب -على الجانب الآخر- فشل في تقديم رؤية بديلة عن المحافظين الجدد قادرة على تحديد وتفسير مدى نفوذهم داخل الإدارة الأميركية ودوائر صنع السياسة بالولايات المتحدة.

 

- العنوان: قارئ المحافظين الجدد

- المؤلف: عدة مؤلفين، تحرير إروين ستلزر

- عدد الصفحات: 320  

- الناشر: جروف برس، نيويورك

- الطبعة: الأولى/ يناير 2005

تفنيد الاتهامات
"قارئ المحافظين الجدد" حرص منذ بدايته على التأكيد على أن الأفكار الشائعة عن المحافظين الجدد ليست صحيحة، إذ يحتوي الجزء الأول من الكتاب على فصل بعنوان "أساطير عن المحافظة الجديدة"، بقلم ماكس باوت الباحث بمجلس العلاقات الخارجية والكاتب بمجلة ذا ويكلي ستاندارد، يحدد وينتقد عددا من الأفكار الشائعة عن المحافظين الجدد مثل سيطرتهم على سياسات إدارة الرئيس جورج دبليو بوش.

 

وينفي الكاتب كون المحافظين الجدد مجموعة من الليبراليين الذين تحولوا إلى التوجه المحافظ الأميركي، وكونهم مجموعة من اليهود الذين يخدمون مصالح إسرائيل ويرتبطون بعلاقات وثيقة مع حزب الليكود الإسرائيلي، كما يرفض باوت فكرة أن المحافظين الجدد هم شبكة مترابطة تمتلك موارد ونفوذا إعلاميا وفكريا ضخما.

 

في المقابل يتفق باوت مع من يعتقدون أن المحافظين الجدد يؤمنون بأفكار الرئيس الأميركي السابق ويدرو ويلسون الذي دفع أميركا في اتجاه إنهاء عزلتها الدولية وعمل على نشر المبادئ الديمقراطية والليبرالية في العالم، كما يتفق مع من يؤمنون بأن المحافظين الجدد سوف يستهدفون كوريا الشمالية وإيران بعد استهدافهم العراق.

 

ويرى الكاتب أن المحافظين الجدد ليسوا مسؤولين عن تدهور الأوضاع في العراق بعد الغزو لأن سياسة أميركا هناك لم تتفق مع رؤية المحافظين الجدد لما يجب أن يكون عليه الأمر بعد سقوط النظام العراقي.

 

إضافة إلى ذلك يحتوى الجزء الأول من الكتاب على مقال صغير للكاتب دايفد بروكس، وهو أحد كبار محرري مجلة ذا ويكلي ستاندارد، يرى فيه أن العداء للمحافظين الجدد هو عداء أيديولوجي غير عقلاني، ويقول إن الكتابات التي تتحدث عن المحافظين الجدد غالبا ما تدور حول عدد قليل جدا من الأفراد والمؤسسات البحثية والمطبوعات فكيف يمكن لهذا العدد القليل من الأفراد والمؤسسات اختطاف سياسة دولة بأكملها.

 

"
المحافظون الجدد ليسوا مسؤولين عن تدهور الأوضاع في العراق بعد الغزو لأن سياسة أميركا هناك لم تتفق مع رؤية المحافظين الجدد لما يجب أن يكون عليه الأمر بعد سقوط النظام العراقي
"
وتستمر اللهجة والكتابات الدفاعية عبر الكتاب إذ يحتوي الجزء الرابع قبل الأخير من الكتاب على مقال لجاشوا مورافشيك الباحث بمعهد أميركان إنتربرايز يعارض فيه فكرة أن يكون المحافظون الجدد قد تأثروا بشكل قوي ومباشر على المستوى الفلسفي بأفكار الفيلسوف الأميركي الألماني الأصل "ليو ستراوس" الذي يرى البعض أنه الأب الفلسفي للمحافظين الجدد.

 

في المقابل يرى مورافشيك أن الربط بين ستراوس والمحافظين الجدد هو نتاج لأفكار بعض السياسيين والكتاب الأميركيين المتطرفين وفاقدي المصداقية، ويدلل على ذلك بترويج هؤلاء لفكرة أن المحافظين الجدد يديرون سياسة أميركا لصالح إسرائيل.

 

بينما يرى مورافشيك أن بعض أبرز المحافظين الجدد ليسوا يهودا وإن كان الكثير منهم يهود، كما يشير إلى أن عددا من أبرز المحافظين الجدد مثل ريتشارد بيرل وجين كيرباتريك وبول ولفويتز كانوا من أشد الداعين للتدخل الأميركي في البوسنة في أوائل التسعينات لوضع حد للمذابح التي تعرض لها مسلمو البوسنة في ذلك الوقت إيمانا منهم بضرورة تبني أميركا سياسية تدخلية للحفاظ على الأمن والسلام العالميين، وهو ما يؤكد –من وجهة نظر مورافشيك- على أن اهتمام المحافظين الجدد بتشجيع أميركا على التدخل عالميا لنشر الديمقراطية ومكافحة الحكومات المستبدة هو توجه قديم وراسخ.

 

أسباب النفوذ

يرى مورافشيك أن سبب صعود المحافظين الجدد الأساسي في السنوات الأخيرة يعود لأحداث 11 سبتمبر/ أيلول التي فاجأت أميركا بوضع سياسي وأمني جديد، ونجاح المحافظين الجدد –من وجهة نظره– في تقديم بدائل عملية وقوية للسياسة الخارجية الأميركية في عالم ما بعد أحداث سبتمبر وهو الأمر الذي عجزت عن تقديمه التيارات السياسية الأميركية الأخرى.

 

ويؤكد إيرون ستلزر محرر الكتاب -والباحث الحالي في معهد هدسون للأبحاث والباحث السابق بمعهد أميركان إنتربرايز– على الفكرة ذاتها، حيث يرى أن رواج أفكار المحافظين الجدد في السنوات الأخيرة يعود لتغير الظروف الدولية ذاتها التي بررت أفكار المحافظين الجدد.

 

ويضيف اعتقاده بأن أفكار المحافظين الجدد ليست جديدة، فهي تعبر عن توجهات موجودة وراسخة في التراث السياسي الأميركي، إذ يرى أن المحافظين الجدد يستمدون أفكارهم من رؤساء أميركيين عظماء سابقين مثل ويدرو ويلسون وجون أدامز، كما أن رفض المحافظين الجدد للعمل الدولي وإيمانهم بالقوة الأميركية ورغبتهم في نشر الديمقراطية هي أفكار رائجة في أوساط الشعب الأميركي.

 

ويضم الجزء الأخير من الكتاب مقالا لكارلين بومان الباحثة بمعهد أميركان إنتربرايز يحلل عددا من استطلاعات الرأي العام الأميركية باحثا عن مدى تقبل الشعب الأميركي لأفكار المحافظين الجدد، وفي البداية تؤكد بومان على أن استطلاعات الرأي العام الأميركية لا تسأل الأميركيين عن موقفهم من المحافظين الجدد كجماعة محددة، ولكن دراسة مواقف الرأي العام الأميركي –بشكل عام كما ترى بومان– تؤكد أنهم تربة خصبة لأفكار المحافظين الجدد لعدة أسباب.

 

"
رواج أفكار المحافظين الجدد في السنوات الأخيرة يعود لتغير الظروف الدولية ذاتها التي بررت أفكار المحافظين الجدد
"

من بين هذه الأسباب ميل غالبية الأميركيين للتفاؤل بخصوص المستقبل مما يجعلهم أكثر تقبلا للمجازفة على المستويين الاقتصادي والسياسي، كما يرفض الأميركيون تدخل الدولة لإعادة توزيع الثروة، مما يجعلهم لا يشعرون بالقلق من عجز الميزانية وإن كانوا يشعرون بالقلق على الوضع الأخلاقي داخل المجتمع الأميركي.

 

كما تؤكد بومان على أن غالبية الأميركيين يرفضون العزلة الدولية ويؤيدون لعب دور نشط على الساحة الدولية، كما يميل الأميركيون للقادة السياسيين الذين يقدمون لهم أهدافا واضحة وقوية حتى ولو كانت عامة وغير محددة بخصوص السياسة الدولية.

 

كما يرى أكثر من 80% من الأميركيين أن الديمقراطية هي أفضل نظام حكم في العالم، وتؤكد بومان في نهاية مقالها على أن غالبية الأميركيين قد لا يكونون سمعوا عن المحافظين الجدد، ولكن أفكار المحافظين الجدد موجودة وراسخة داخل المجتمع والتقاليد الأميركية.

 

وفي الجزء نفسه يؤكد مايكل جوف الكاتب بجريدة "ذا تايمز" البريطانية على أن جذور أفكار المحافظين الجدد تمتد إلى تقاليد بعض أهم القادة السياسيين البريطانيين على مدى التاريخ المعاصر مثل وزير الخارجية البريطاني جورج كانينج الذي قاد بريطانيا للانتصار في حروبها ضد نابليون، ورئيس الوزراء البريطاني وينستون تشيرشيل الذي قاد بريطانيا للانتصار على ألمانيا النازية.

 

وهو يرى أن هؤلاء القادة الكبار آمنوا بضرورة استخدام الحروب الإجهاضية لحماية أمن بريطانيا والعالم، وأنهم واجهوا انتقادات عديدة قبل شنهم لهذه الحروب، ولكن التاريخ أثبت أنهم كانوا على صواب.

 

لذا يدعو جوف الباحثين للاهتمام بالعلاقة بين أفكار المحافظين الجدد والتقاليد السياسية البريطانية، كما يدعو البريطانيين للاحتفال بالمحافظين الجدد كورثة تلقائيين لتراث عظماء القادة السياسيين البريطانيين.

 

ويدعو الكاتب اليمين البريطاني بشكل خاص واليمين الأوروبي بشكل عام للتعلم من المحافظين الجدد الأميركيين وتقليدهم، فهو يرى أن المحافظين الجدد نجحوا في الجمع بين عقلانية اليسار وأخلاق اليمين والرؤية الواقعية للطبيعة البشرية ورؤية حديثة للأخطار الدولية المعاصرة وعلى رأسها مواجهة الأخطار القادمة من العالم الإسلامي.

 

"
أفكار المحافظين الجدد تسير في اتجاه مخالف للتوجهات السياسية الأوروبية المنادية بالوحدة الأوروبية في الوقت الراهن
"
تحديات رئيسية

في مقابل رؤية جوف يرى جيفري جيدمين الكاتب الألماني والباحث السابق بمعهد أميركان إنتربرايز أن الثقافة السياسية الألمانية الحالية لا ترحب بأفكار المحافظين الجدد، لأن ثلثي الشعب الألماني على الأقل يعارضون السياسة الأميركية، كما أن الثقافة السياسية الألمانية مازالت متأثرة بتبعات الحقبة النازية المتطرفة سلبيا على ألمانيا والعالم، لذا يرفض غالبية الألمان الأفكار القومية والتدخل في الشؤون الدولية واستعراض القوة العسكرية على المستوى الدولي.

 

ويؤيد الفكرة ذاتها الكاتب الأميركي المعروف جورج ويل، إذ يرى في مقال له في الجزء الثاني من الكتاب أن أفكار المحافظين الجدد تسير في اتجاه مخالف للتوجهات السياسية الأوربية المنادية بالوحدة الأوروبية في الوقت الراهن، وهي أكبر مشروع سياسي أوروبي.

 

ويرى ويل أن الدستور الأوربي الموحد قائم على فكرة تقنين عدد من المبادئ الفلسفية العامة التي تتخطى الحدود بين الدول والانتخابات الديمقراطية، في حين أن أميركا مازالت تعلي من شأن الممارسة الديمقراطية كمصدر للسياسات والقوانين بغض النظر عن طبيعة هذه القوانين والسياسات مادام قد تم التوصل إليها عن طريق الصناديق الانتخابية، كما يرى ويل أن الوحدة الأوروبية تحض من قدر القوميات التي تعليها أميركا.

 

من جهة أخرى يؤكد إيرون ستلزر على أن المحافظين الجدد هم تيار فكري وليسوا حركة سياسية، كما يؤكد أيضا صعوبة التنبؤ بمستقبل المحافظين الجدد، فقد سبق أن تنبأ أحد الآباء المؤسسين لتيار المحافظين الجدد -وهو نورمان بودهوريتز المحرر السابق لمجلة كومنتاري- بموت المحافظين الجدد في عام 1996، ولكنهم عادوا للحياة بشكل غير مسبوق في أوائل القرن الحادي والعشرين.

 

كما يؤكد آدم ولفسون محرر مجلة المصلحة العامة "ذا بابليك إنتريست" على الصراعات القائمة بين المحافظين الجدد وطوائف التوجه الأميركي المحافظ الأخرى مثل المحافظين التقليديين الذين يفضلون العزلة، والمحافظين التحرريين الذين يرفضون تضخم جهاز الدولة.

 

"
التحالف بين المحافظين الجدد واليمين المسيحي المتدين أمر لم يكن متوقعا، ولكنه أعطى المحافظين الجدد قوة هائلة
"

أما إيرفنج كريستول الذي يعد الأب الروحي للمحافظين الجدد فهو يشارك في الكتاب بثلاثة فصول قصيرة، يؤكد في أولها أن التحالف بين المحافظين الجدد واليمين المسيحي المتدين أمر لم يكن متوقعا، ولكنه أعطى المحافظين الجدد قوة هائلة.

 

كما يشير إلى أن المحافظين الجدد كتبت لهم "حياة ثانية" في الفترة الحالية بعد أن توقعوا نهايتهم في منتصف التسعينات.

 

ويبرز كريستول في بقية مقالاته المنشورة في الكتاب بعض أفكار المحافظين الجدد الاقتصادية والأخلاقية، وهو ما يتماشى مع الكتاب الذي خصص الجزء الثالث منه للحديث عن سياسات المحافظين الجدد وأفكارهم الداخلية والاقتصادية.

 

ولا يفوت قارئ الكتاب أن يلاحظ اللهجة الدفاعية السطحية والكتابات القديمة التي تخللت معظم أجزاء الكتاب والتي لم تتعد نفي الأفكار الشائعة عن المحافظين الجدد وإبراز بعض كتابات المحافظين الجدد السابقة عن أنفسهم، ولكنها لم تتمكن من تقديم


رؤية بديلة قادرة على شرح جذور تيار المحافظين الجدد وعلاقتهم بالتيارات الأميركية الأخرى ومدى نفوذهم في الفترة الحالية وتطلعاتهم لمستقبل أميركا أو حتى لمستقبلهم الخاص.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة