زمن الصحوة   
الخميس 1434/2/28 هـ - الموافق 10/1/2013 م (آخر تحديث) الساعة 13:34 (مكة المكرمة)، 10:34 (غرينتش)

عرض / ياسر باعامر

كتاب "زمن الصحوة.. الحركات الإسلامية المعاصرة في السعودية" للباحث الفرنسي في العلوم السياسية ستيفان لاكروا -وهو في الأصل أطروحته للدكتوراه- يتناول توثيقاً وتحليلاً لتاريخ وسوسيولوجيا تشكّل الحركات الإسلامية في السعودية منذ منتصف القرن العشرين وحتى أواخر العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، وهي المرحلة التي يراها الناشر "أنها لا تزال بقعة مُعتمة في الوسط البحثي".
- الكتاب: زمن الصحوة.. الحركات الإسلامية المعاصرة في السعودية
- المؤلف: ستيفان لاكرو
- الترجمة: عبد الحق الزمّوري
- عدد الصفحات : 363
- الناشر: الشبكة العربية للأبحاث والنشر, السعودية
- الطبعة: الأولى 2012

الكتاب قدم لمحة تاريخية عن ولادة المملكة العربية السعودية وتطورها، وتحليل الإجابة على أحد أهم الأسئلة وهو: كيف انتقل الناشطون الإسلاميون من البلدان العربية ليستقروا في السعودية وينخرطوا في حركة جمعت بين السياسة من جهة والدين من جهة أخرى، وأطلقت على نفسها اسم "الصحوة"؟.

وتابع مراحل تشكل الصحوة وروافدها الفكرية والسياسية، وأبرز محطاتها وحركاتها، ورموزها وانقساماتها، وعلاقتها المتفاوتة بالسلطة السياسية. وتتبع خلالها عشرات المصادر والوثائق، وأجرى عشرات الحوارات مع شخصيات فاعلة في وسط الصحوة.

دراسة لاكروا الجديدة ليست الأخيرة، فقد سبق أن قدم رسالة علمية بعنوان "الإسلاميون السعوديون.. تمرد فاشل" نشرت بالفرنسية عام 2010 وترجمت إلى اللغة الإنجليزية تحت عنوان "صحوة الإسلام.. مناورات المعارضة الدينية في السعودية المعاصرة".

ما يحسب للكتاب أنه بحث أكاديمي موسّع يدرس تاريخ وبنية الحركات الإسلامية في السعودية، إضافة إلى استناد الدراسة بالأساس إلى عمل ميداني استقصائي قام به الباحث في الفترة من يونيو/حزيران 2003 وحتى مايو/أيار 2007، معظمها في السعودية بالأساس، وزيارات مساندة لبعض الدول العربية والأوروبية للالتقاء بشخصيات لها علاقة مباشرة بالتجربة الإسلامية السعودية.

تأسيس المصادر
ما استطاع لاكروا تحقيقه في هذا الكتاب هو الكم الكبير من المعلومات والذي وصفته إحدى المدونات (على عتبة عدن) "بأنه أصل لتاريخ حركات قلبت كثيرا من المفاهيم وأيقظت عديدا من القلوب النائمة وحركت المياه التي ملت من ركودها، ورغم أن الكتاب رسالة دكتواره بالأصل فإنه كتاب ممتع وشيق وكأنك تقرأ رواية بمغامرات شخصياتها وتراقب انتصاراتهم المؤقتة وخيباتهم العريضة".

في الوسط المحلي السعودي خرجت العديد من الأطروحات التي ناقشت تاريخ الصحوة الإسلامية، إلا أنها ظلت حبيسة اتجاهات فكرية محددة، أو رؤى لأحداث غير متسلسة اعتمدت بالأساس على التأطيرات النظرية الشخصية، وهو ما يمكن ملاحظته في أطروحات أشخاص كانوا منتسبين في مرحلة سابقة لإحدى المجموعات الإسلامية في الساحة المحلية.

أما المصادر التي بني عليها الكتاب فهي تحمل دلالات مهمة في سردية مضامينه والتي تتجلى في صدر صفحاتها الأولى وهي قرابة خمسين مقابلة مسهبة مع مشاركين ينتمون إلى الحركة الإسلامية السعودية السنية بتياراتها المتنوعة، إلا أن لاكروا حاول إعطاء صورة -وإن كانت بشكل مبطن- أنه اعتمد قبل إجراء مقابلاته مع النشطاء الإسلاميين على شبكة علاقات يمكن الاعتماد عليها لتدبير الاجتماع مع الناشط المعني الذي غالباً ما يعرض عن المقابلة إذا لم تتم بواسطة أحد الأتباع.

وحيال الفقرة السابقة يقول لاكروا "في سياق التطلع إلى الاجتماع بالشخصيات الإسلامية البارزة، تعرفت إلى عدة شباب، بعضهم أعضاء أو أعضاء سابقون في الجماعات التي تمثل شبكات منظمة تشكل عماد الحركة الإسلامية، وتبين لي أنهم كانوا أكثر من مجرد وسطاء بيني وبين القيادات، وأنهم مصادر غنية جداً في حد ذاتهم، وبفضل مساعدتهم استطعت استيعاب أطياف الحركة وتكوين صورة إجمالية عنها". 

سلمان العودة يرى أن المؤلف خلط بين المعلومة والتحليل، أما عبد الله الغذامي فيرى أنه اشتغل بعضلاته لا بعقله، في إشارة إلى الجهد الكبير في جمع المعلومات دون أن يضيف رؤية تحليلية خاصة

رؤى نقدية للكتاب
استقبال المشهد المحلي -وخاصة المجموعات الإسلامية الناشطة- للكتاب، يعد هو الآخر مفصلا يحتاج إلى تسليط الضوء عليه، فعقب إصداره عقدت صالونات ثقافية نقدية لعدد من الرموز الصحوية التي أورد الباحث اسمها في بعض تفاصيله.

في جدة مثلا أثنى الداعية الإسلامي الدكتور سلمان بن فهد العودة الذي جاء ذكره في الكتاب مرات عديدة، على الجهد الكبير في جمع المعلومات، إلا أنه قدم حزمة من الرؤى النقدية للكتاب، أبرزها خلط الباحث لاكروا بين المعلومة والتحليل، وهو ما لاحظه العودة في جزء غير قليل من مضامين الكتاب.

والأمر النقدي الآخر بالنسبة للعودة يتعلق بمنهجية الكتاب التي قصد بها التحليل المفرط للأحداث، وغياب العفوية التي يتسم بها المجتمع السعودي في كثير من تفاصيل حياته واتجاهاته، قائلا إن "لاكروا لم يدرك ذلك بشكل جيد".

نقد آخر رآه العودة عند استعراض قراءته النقدية وهو مسألة نقص المعلومات أو عدم ذكرها بشكل كامل، وعدم الإفصاح عن كثير من مصادره، واعتماده على مفردة "قال مصدر صحوي سابق". وهنا يقول العودة في سياق متصل إن "اعتماده على المصادر الشبابية -كما ذكر في صدر الصفحات الأولى- كان جزءا رئيسيا من وصول المعلومات بشكل جزئي وناقصة، لأن هناك معلومات تعرف القيادات تفاصيلها بشكل عميق".

نقطة أخرى ركز عليها العودة في سياق منهجية الباحث، وهي أن الأخير "لم يركز على الخطين المتوازين في المجتمع في بناء إطارات تحليلاته، إذ يوجد خط يمارس انفتاحاً غير مدروس، ويقابله خط يمارس تشدداً أخلاقياً تجاه الانفتاح غير المدروس".

المفكر السعودي الدكتور عبد الله الغذامي وصف الكتاب بقوله إن المؤلف "اشتغل بعضلاته لا بعقله"، في إشارة إلى الجهد الكبير الذي عمد إليه لاكروا في جمع المعلومات، لكنه دون أن يضيف رؤيته التحليلية الخاصة في هذا المفصل البحثي المهم.

تقطيع المجتمع
يمكن ملاحظة أن المنهجية المحددة للكاتب قامت على الوصول إلى النتائج المحددة، وهي الفكرة التي بنى عليها منهجيته والتي وردت في الصفحة 37 تحت عنوان "نظام اجتماعي سياسي مقطع"، أي أن ميدان السلطة في السعودية مقطع، بمعنى أنه مؤلف من مجموعة مجالات تتمتع باستقلالية واسعة في الظاهر، ويمكن عزو هذا التقطيع إلى عوامل عديدة نتجت عن الاتفاق الأول في تقاسم السلطة الذي أوجد المجالين السياسي والديني، وقال لاكروا "إن التقطيع إستراتيجية مقصودة للنظام".

ويضيف "تمت تجزئة الفضاء الاجتماعي إلى فئات اجتماعية مختلفة استحدثت من العدم عندما اقتضت الضرورة ذلك، وإحاطة كل منها بحيز اجتماعي منفصل يتمتع باستقلالية معينة ضمن إطار القواعد التي أرستها السلطات، وهي شائعة في النظم الفئوية".

ويرى لاكروا أن السلطات السعودية نجحت في صناعة رموز لهذه المجالات المختلفة: قطاع العلماء، وقطاع المثقفين، وقطاع التجار، وقطاع الإعلام.. إلخ، عبر عقد صفقات مادية (أعطيات) وأخرى معنوية بالتكريم والتبجيل، وهدف ذلك تقطيع المجتمع السياسي، لصعوبة توسيع إطار عمليات التعبئة التي تبدأ من أحد قطاعات ميدان السلطة في البداية لتتجاوز حدوده وتعم المجتمع ككل، وهذا ما توضحه المحاولات الفاشلة التي قام بها المفتي محمد إبراهيم لمعارضة سياسة التحديث التي كانت السلطات السياسية في طور تنفيذها.

فهم دلالات هذا المنهج السياسي في التقطيع ونجاحه يتضح بشكل أساسي في الإجهاز على ما سمي حينها "انتفاضة بريدة" يوم 14 سبتمبر/أيلول 1994، والتي يراها لاكروا دليلا على فشل الاحتجاج الصحوي في تعبئة شرائح المجتمع، فبعد تعبئة دامت عشرات السنين وبعد العديد من المطالبات والبيانات ورفع سقف الطموحات لدى الشعب السعودي، كان مصيرها السقوط المريع في هاوية الفشل أمام أهم تحدّ خاضته ضد الحكومة السعودية، بل هو التحدي الأساسي.. يقول لاكرو: كان رجال الصحوة ثوارا بلا قضية، حتى أتت حرب الخليج فوجدوا قضيتهم.

التقسيمات الحركية الداخلية
اجتهد المؤلف في عمل خارطة الحركات الإسلامية (الصحوة) التي تظل -حسب الواقع الاجتماعي- محل نظر، وقسمها إلى خمسة أعمدة: أربع جماعات من الإخوان والجماعة السرورية. ومعظم الدراسات تشير إلى أن مناع القطان هو أول من أسس جماعة للإخوان المسلمين في السعودية، وأنه صاحب اليد المباشرة في تأسيس الجماعة.

الكتاب يشير إلى أن في السعودية أربع جماعات للإخوان المسلمين هي: إخوان الصليفيح, وإخوان الفنيسان، وإخوان الزبير، والرابعة إخوان الحجاز

ويشير الكتاب إلى أن في السعودية أربع جماعات للإخوان لم تتمكن من التوحد أبدا لكنها تقاربت كثيرا، وهي: جماعة إخوان "الصليفيح" التي تأسست بعدها جماعة "إخوان الفنيسان"، وهو سعود الفنيسان الذي كان سابقاً عميد كلية الشريعة بجامعة الإمام، ثم جماعة "إخوان الزبير" نسبة إلى البلدة المشهورة، وكان المعارض السعودي سعد الفقيه أحد أبرز رجالاتها. وأما الأخيرة فهي جماعة الإخوان في الحجاز، وبعض الروايات تؤكد أن محمد عمر زبير -وهو سعودي أصبح مديرا لجامعة الملك عبد العزيز- صاحب الدور البارز في تأسيسها، إذ استقطب كثيرا من وجوه الإخوان المسلمين الشهيرة للتدريس في جامعته، ويشار في العادة إلى عوض القرني وسعيد الغامدي على أنهما أبرز وجوه "إخوان الحجاز".

واستطاع إخوان الحجاز السيطرة على الندوة العالمية للشباب الإسلامي، وهي الندوة التي أسسها حمد الصليفيح نفسه وأصبحت أحد أهم منظمات التجنيد لدى إخوان الحجاز، بل إن أحد الشخصيات الإسلامية يقول إنه كان ينتمي إلى جماعة إخوان أخرى غير جماعة إخوان الحجاز، وكان حاصلا على منصب رفيع في الجمعية، لكنه أرغم على الاستقالة من طرف إخوان الحجاز.

وسواء تم الاتفاق أو الاختلاف مع مضمون ما ورد في الكتاب، فإنه فتح شهية العديد من الباحثين الصحويين لإخراج أبحاث معرفية معمقة من رحم الصحوة الإسلامية، تسجل تاريخها بنفسها ولكن بعيداً عن الاستقطاب الأيدولوجي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة