المخفي والمعلن في الخطاب الأميركي   
الجمعة 1428/7/6 هـ - الموافق 20/7/2007 م (آخر تحديث) الساعة 10:30 (مكة المكرمة)، 7:30 (غرينتش)

عرض/ الحسن السرات
الدكتور إدريس مقبول أستاذ بالمركز التربوي الجهوي بمكناس، حاصل على دكتوراه في اللسانيات العامة واللسانيات العربية، وهو عضو بمنتدى الحكمة للباحثين والمفكرين، وعضو بمركز ابن رشد للدراسات والأبحاث، وعضو بالجمعية المغربية للبحث العلمي.

-الكتاب: المخفي والمعلن في الخطاب الأميركي
-المؤلف: إدريس مقبول
-الصفحات: 130
-الناشر: منشورات الزمن, الرباط
-الطبعة: الأولى/2007
صدرت له عدة أبحاث ومقالات في مجلات علمية محكمة، ومن مؤلفاته "الأسس الإبستيمولوجية والتداولية للنظر النحوي عند سيبويه".

وهذا الكتاب الذي سماه "المخفي والمعلن في الخطاب الأميركي" وزع على فصول خمسة، هي "في تفكيك الخطاب الأميركي" و"الحرب اللغوية" و"قراءة سيكولوجية للغطرسة الأميركية" و"الديمقراطية والوهم" و"الغرب وثقافة التواقح".

والكتاب على صغر حجمه كبير في تحليلاته وأفكاره ومنهجه، إذ إنه ليس كتابا في التحليل السياسي للمواقف الأميركية، ولكنه غوص في النفس الأميركية واللغة المعبرة عن تلك النفس وغطرستها ووقاحتها واستعلائها على العالمين.

التكاثر والانحصار
يكشف المؤلف منذ البداية عن عناصر النص الثقافي الأميركي فيرى أنها "تقوم على قيم متعددة ترجع إلى أصلين هما المادة المتكثرة والمنفعة المنحصرة، وهما إذا تأملت وجدتهما من جهة اتجاههما متعاكسين ومن جهة طبيعتهما متكاملين".

ثم يفسر التعاكس والتكامل، فيوضح أن "التعاكس يأتي من أن التكاثر يستلزم الامتداد وهو ضد الانحصار الذي في المنفعة، والتكامل يأتي من أن المادة والمنفعة من طينة وطبيعة واحدة إذا نظر إليهما باعتبارهما ثمرة للوغوس اليوناني سلف اللوغوس الأميركي الحالي وبهما يوصف فيقال فلسفة مادية لتعني فلسفة نفعية".

ويؤيد مقبول تفكيكه بالاعتماد على مفاهيم القرآن الكريم، إذ إن العقل الفلسفي المنتج للمدنية الأميركية عقل وضعي لا يؤمن بالغيب ولا يقدر أن ينفتح على عوالم أخرى غير تلك التي يحسها إحساسا أنعاميا أو تحت أنعامي (أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون) الأعراف: 179 (والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام) محمد: 12.

وهو إحساس بسيط وقصاراه الاحتفال بالكثرة والوفرة على حساب الكيف الإنساني والمطلوبات الروحانية للعقل الأخلاقي المتأتية من الإيمان بعالم الغيب والوحي، يقول تعالى (ألهاكم التكاثر) التكاثر:1.

وقد صدق الحق سبحانه في الوصف لما تضمنه معنى التكاثر من التفاخر والتكلف والحرص، فإن الصادر عن ثقافة الحرص يتكلف جميع عمره تكثير ماله والمفاخرة به.

والعاقل كما قال الرازي "ينبغي أن يكون سعيه في تقديم الأهم على المهم فالتفاخر بالمال والجاه والأعوان والأقرباء تفاخر بأخس المراتب من أسباب السعادات، والاشتغال به يمنع الإنسان من تحصيل السعادة النفسانية بالعلم والعمل، فيكون ذلك ترجيحا لأخس المراتب في السعادات على أشرف المراتب فيها. وذلك يكون عكس الواجب و نقيض الحث".

ذرات بلا روح
"
"علم الرحمة" أسبق من "علم الوجود"، إذ الأصل افتقار كل الموجودات ابتداء وانتهاء إلى رحمة الله التي بها تندفع المضار وتنجلب المنافع، وبها يكون "الإنسان" كائنا ما كان، فرحمة الله شملت البر والفاجر، المؤمن والكافر
"
ثم يمضي المؤلف في تحليله للنص الأميركي ليؤكد ارتفاع سيادة كاسحة لقيم القوة النيتشوية التدميرية مقابل قيم الرحمة البنائية، "فيكون من محصلات هذه السيادة تفشي العنف والقسوة، في الوقت الذي لو كان لقيم الرحمة سيادة لما رأيت هذه الغطرسة وهذه الفاشية وهذا الظلم هنا وهناك".

ويرى أن قيم الرحمة البنائية صادرة عن أصل لو أن المفكرين تفطنوا إلى حقيقته –كما قال الدكتور طه عبد الرحمن- لظفروا بأجوبة شافية عن أسئلتهم الكثيرة عن "الوجود" و"الموجود"، ولانتهينا إلى "كوجيتو" من نوع آخر هو "أنا موجود لأني مرحوم".

فـ "علم الرحمة" أسبق من "علم الوجود"، إذ الأصل افتقار كل الموجودات ابتداء وانتهاء إلى رحمة الله التي بها تندفع المضار وتنجلب النافع، وبها يكون "الإنسان" كائنا ما كان، فرحمة الله شملت البر والفاجر، المؤمن والكافر.

وإذا تقرر هذا فإنه لا بد من تحرير الإنسان من إسار الفلسفة النيتشوية لأنها فلسفة لا تنسجم مع حقيقة الإنسان ولا مع كينونته وهي في الوقت نفسه تدعي أنها تؤسس لصورة الإنسان البروميثي القوى المقتدر (السوبرمان) إنما تسحق الإنسان وتفتته لأنه "جوهر الضعف الوجودي" و"معدن النقص الموجودي" لتجعل منه ذرات لا معنى لها.

إنها ذرات بلا روح. إنها فلسفة أوهام الإنسان الذي يقتل الإنسان وفلسفة أوهام الإنسان الذي يكفر بالإنسان قبل وبعد أن يكفر بكل قيمة إنسانية بناءة.

إنها جريمة الفلسفة والوهم المتقطع بعد أن جاوزت حد الجنون في لقائها التاريخي مع فلسفات الاستئصال العرقي في أوروبا وأميركا.

وبكلمات شاعرية جميلة ممتلئة فياضة بالحكمة يعبر الدكتور إدريس مقبول عن ضرورة الإيمان بالغيب والاستهداء به في حياة البشرية، فيقول "حين تنفلت الحبال الواصلة لسفينة الإنسان بمرافئ الغيب في العالم الكامل، حيث تتجلى الحقائق النهائية، تتحرك السفينة على غفلة من الربان في أي اتجاه وتتيه وتصطدم تأخذها الرياح بعيدا دون أن تتحكم في سيرها دفة أو يهديها نجم أو تساعدها خريطة لافتقادها أساس الثبات والرشد والإيمان.

والنيتشوية هي جوهر العولمة الهدامة التي من جوهر العقل الأخلاقي التصدي لها وتفكيكها لتحرير الإنسانية والكون من أضرارها واقتلاعها من أصلها. وذلك بسبب من أن النيتشوية لمن وعاها فلسفة تحطيم للإرادة والفن والمعنى والحياة النظيفة والمستقيمة".

وفي مقابل فلسفات الانقطاع يقترح الكاتب "فلسفة الاتصال التي نجد بعض ملامحها عند العرفانيين الذين ما حلقوا بعيدا إلا داخل الكون النفسي لهذا الإنسان فعرفوا مقدار ما هو عليه من الهشاشة واستحقاق العبودية لواجب من الوجود بما يستمده من وقود القوة الضامنة لحركته وبقائه، ومما يشهد لما نقوله ما ذكره الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي من أن كل "حيوان يبعد عن أصله ينقص من معرفته بأصله على قدر ما بعد منه".

العالم غابة دموية
"
الداروينية في النص الثقافي الأميركي تنظر إلى العالم باعتباره غابة دموية، ومن هنا جاء فيها أن الوجود نفي للغير، ومعه هي نفي للعالم الممكن على حد تعبير جيل دولوز
"
يفحص المؤلف أصول الغطرسة الأميركية وبناء آلياتها، ويوضح أن النص الأميركي يعتمد على آلية التضليل والمغالطة المستندة إلى الصورة والمعلومة المركبة تركيبا تزييفيا، فيدفع لنشوء تصورات بعيدة عن الحقيقة والتباسات لا ترتفع بسبب الهيمنة على مصادر المعلومة.

ويعزز تحليله بشهادات لمؤلفين أميركيين فحصوا نفسية بلادهم، منهم ديفد ميلر في الكتاب الجماعي "قل لي كذبا" حيث ذهب إلى أن الحقيقة هي أولى ضحايا الحروب، لكن هذه المقولة المعروفة يجب أن تدفع بالإعلام إلى محاولة كسر القيود التي تفرض عليه للحيلولة دون الحقيقة، وليس للاستسلام لما تتضمنه.

وقد قام ديفد ميلر برصد دقيق لكيفية تسويق ما أسماه "الكذبة الكبرى"، وهي برأيه تلك التي كانت تقول إن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل وبإمكانه أن يضعها قيد التنفيذ خلال 45 دقيقة.

وهذا الزعم الذي ردده توني بلير وجورج بوش لم يخضع للمساءلة الحقيقية من قبل الإعلام لا عندنا ولا عندهم إلا ما ندر وهو على كل حال لا تأثير له بالنظر إلى نسبة من يعبدون العجل، بل تم ترديد الدعاية وكأنها مسلمة.

وجدير بالذكر أن أسلحة الدمار الشامل العراقية المدعاة وخطرها المزعوم على المدن الغربية كان أهم عنصر من عناصر الدعاية للحرب والمؤثرة في الرأي العام البريطاني والأميركي. 

واليوم تنسج نفس الحكاية مع "مارق آخر" وممثل آخر هو إيران فهل سنعيش نفس المسرحية المأساة...؟

ومن الكتاب الأميركيين الذين شهدوا في حكومة بلادهم سورس الذي رصد جذور الداروينية الأميركية الحاكمة في "مشروع القرن الأميركي الجديد" الذي صاغته عام 1997 مجموعة من المحافظين الجدد دعوا فيه إلى انتقال أميركا إلى مرحلة الهجوم والسيطرة العالمية دون تحفظ، من أجل الحفاظ على الموقع القيادي لها في القرن الواحد والعشرين.

ويخلص كاتبنا إلى أن الداروينية بهذا المعنى في النص الثقافي الأميركي تنظر إلى العالم باعتباره غابة دموية، ومن هنا جاء فيها أن الوجود نفي للغير، ومعه هي نفي للعالم الممكن على حد تعبير جيل دولوز.

الغارات اللغوية
"
من أساليب إستراتيجية الحرب اللغوية عمليات التمرير عبر بناء شعارات عدائية تستهدف النيل من الخصوم بطريقة تعمل فيها اللغة والصورة والسيناريو عملها النفسي في إحداث حالة من الإحباط الردعي المزمن
"
في فصل الحرب اللغوية، يبين الكاتب بالأدلة والأمثلة أن أميركا وإسرائيل يشنان غارات لغوية ضد العالم أجمع، وتعتمد إستراتيجية الحرب اللغوية وفق تحليل الدكتور مقبول على ثلاثة أساليب:

الأول: التزوير من خلال عملية التهويد الذي يستهدف طمس مكون التاريخ.

والثاني: من أساليب هذه الإستراتيجية هو ما نسميه التبرير المراوغ من خلال عملية المبادأة بالعدوان الذي يستهدف السكون في كهوف المظلومية الزائفة والالتفاف الأفعواني على مفهوم الحق.

والثالث: من أساليب هذه الإستراتيجية الماكرة هو عمليات التمرير من خلال بناء شعارات عدائية تستهدف النيل من الخصوم بطريقة تعمل فيها اللغة والصورة والسيناريو عملها النفسي في إحداث حالة من الإحباط الردعي المزمن.

وضرب المؤلف لذلك سبعة أمثلة:
المثال الأول (أمطار الصيف): ردا على العملية النوعية لرجال المقاومة الأشاوس والمسماة "الوهم المتبدد" التي صدعت أسطورة الجيش الذي لا يقهر ولا ينال منه، وفي أوج حرارة الصيف (2006-06-25).

المثال الثاني (عناقيد العنب): هو في الأصل عنوان قصة كتبها الروائي الأميركي ذو الأصول البولونية جون شتاينبك.

المثال الثالث (ثعلب الصحراء): هي صورة استعارية طبيعية تجمع الطبيعة الحية إلى الطبيعة الميتة لتحيل على الفضاء العربي بالتحديد المجالي.

المثال الرابع (النسر النبيل): يذهب الدكتور عبد السلام المسدي إلى أن كثافة حضور الكائنات الحيوانية في أفعال التسمية حيث يكون موضوعها الحروب والمنازعات وما يصطلح عليه بالعمليات العسكرية تؤكد بجزم أن المقصود بالتسمية يخرج عن غرضه الأول البدهي وهو فعل التعيين.

المثال الخامس (عاصفة الصحراء): هي صورة استعارية طبيعية أنطولوجية من صلب المجال الذي وقعت فيه أحداثها.

المثال السادس (الحرب العادلة): هي صورة استعارية متلبسة أشد ما يكون الالتباس لعدم تحققها بالشروط التي وضعها الفقهاء القانونيون الغربيون لصيغتها.

المثال السابع (عدالة بلا حدود): هذه استعارة اتجاهية ذات بعد فضائي تنطلق من اعتبار وتحويل (العدالة) من كيان قيمي معنوي إلى وعاء وفضاء فيزيائي لا نهاية لأطرافه ومساحته.

الحرية الحقيقية
"
باللطف الإلهي الأزلي أعد المسرح تمهيدا للدخول العظيم ولو من باب الاغتراب الثاني بعد اغتراب البداية المحمدية.. وإن الحرية هي أن تكون بالإرادة غنيا عن كل ما سوى الله
"
يدعو الكاتب في نهاية كتابه إلى تشكيل جبهة ضد الاستبداد الأميركي، وهو ما سماه حلف فضول يجمع كل الشرفاء والفضلاء الإنسانيين، وليس الإسلاميين فحسب.

كما تناول قبل الختام أزمة الرسوم المسيئة لنبي الإسلام عليه الصلاة والسلام، مستخلصا منها خلق الوقاحة الذي صار الغرب يفتخر به تحت ذريعة حرية التعبير.

وينهي كتابه بهذه العبارات الصوفية الرقيقة حول حال العالم "إن المسرح قد أعد باللطف الإلهي الأزلي تمهيدا للدخول العظيم ولو من باب الاغتراب الثاني بعد اغتراب البداية المحمدية.. وإن الحرية هي أن تكون بالإرادة غنيا عن كل ما سوى الله".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة