الفكر السياسي الإسلامي والإصلاح   
الخميس 1429/8/6 هـ - الموافق 7/8/2008 م (آخر تحديث) الساعة 14:27 (مكة المكرمة)، 11:27 (غرينتش)

عرض/محمد تركي الربيعو
إذا كانت الجذور تهاجر في الاتجاه المعاكس كما يرى أمل دنقل، فإن الدكتور مهند مبيضين يسعى في كتابه الجديد إلى أن يميط اللثام عن التاريخ الذي بقي منسيا بالنسبة للكثير من دارسي ظاهرة الاستبداد والفكر النهضوي العربي في العقود الأربعة الماضية، والذين ظلوا يصرون على أن مرحلة الفكر التنويري العربي الجديدة قد بدأت مع الحملة البونابارتية على مصر عام 1798م.

-الكتاب: الفكر السياسي
-الإسلامي والإصلاح
-المؤلف: مهند مبيضين
-الصفحات: 165  
-دار النشر: الدار العربية للعلوم ناشرون, بيروت
-الطبعة: الأولى/2008
وبرأي الكاتب فإن هذا السلوك إنما ينم عن عدم رغبة أو كسل للبحث في دروب التاريخ الشائكة والمليئة بالمفاجآت، ولذلك نجده يبحث في ما لم يقرأ وخاصة في المحور الأول للكتاب ليرى أن انفتاح العرب على الغرب بعد الهجمة الفرنسية لم يكن يمثل لحظة الاستفاقة بقدر ما مثل استجابة لتحدي المواجهة.

وما يدل على ذلك هو مدة الحكم العثماني للمناطق العربية وخاصة بلاد الشام والتي تؤكد أن العرب لم يأنسوا الطاعة طيلة العصر العثماني وخاصة في القرنين السابع والثامن عشر للميلاد والتي تلونت بتنامي الوعي بالهوية العربية، وليس كما حاولت الكثير من الدراسات التي رأت في عبد الرحمن الكواكبي بصفته المهندس المعماري الأول لنبذ الاستبداد.

كما يعالج الكتاب مضامين الإصلاح في التجربتين العثمانية والدستورية الإيرانية وما آلت إليه في بلادنا العربية من إقامة العسكر لمضاربهم في مواجهة الدولة والمجتمع.

جذور الإصلاح
تكشف لنا مصادر القرن السادس والسابع والثامن عشر للميلاد المخطوطة منها والمطبوعة، والتي لاقت عزوفا من دارسي ظاهرتي الاستبداد والنهضة، عن طبيعة العلاقة بين السلطتين السياسية والثقافية من حيث الممارسة والنفوذ، إذ نعثر على رسالة الشيخ ابن علوان الحموي المتوفى سنة 1530م إلى السلطان سليم بن عثمان لتعبر عن وعي مبكر لعالم عربي ذي ثقافة صوفية في مواجهة استبداد السلطة.

تبدأ الرسالة بتذكير السلطان سليم بمسؤوليته تجاه رعيته وبسلوك الرسول صلى الله عليه وسلم في رعاية أحوال أمته، وتفرد فصلا لمسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا ما نجده في قوله: "ومن المنكرات هجوم الطارقين من العسكر على بيوت الرعية والدخول على حريمه والنزول في ديارهم قهرا لأن ذلك من المخالفة للكتاب والسنة".

ونجد في سيرة عالم آخر هو الشيخ أبو المواهب الحنبلي الدمشقي المتوفى سنة 1773م ما يؤكد رفض أوامر والي دمشق الذي أراد أن يفرض ضرائب باهظة على سكانها، فكتب مهددا الوالي قائلا: "إن الرعية لا تحتمل فإما أن ترفع هذه المظلمة، وإما أن تهجر البلد والجمعة لا تنعقد عندكم"، ويتضح مقصده من هذا القول كون أن يوم الجمعة يعتبر بمثابة مناسبة دينية تعني بتجديد البيعة للسلطان.

ومن جانب آخر فإن ما يفسر سبب مجيء العوام إلى دمشق -برأي الكاتب- هو الفتاوى التي أصدرها علماء الدين في ذلك الوقت، كالشيخ عبد الغني النابلسي كبير متصوفي دمشق المتوفى سنة 1731 والذي كتب رسالة بعنوان "تخيير العباد في سكنى البلاد" مجيزا فيها الهجرة بسسب استبداد الوالي ولتتحول فيما بعد لدى بعض علماء الدين إلى أمر يثاب عليه.

"
العقل العربي لم يبق في الثلاجة العثمانية لمدة ثلاثة قرون كما حاولت أن تفهمنا إياه بعض الدراسات العربية، بل استمر وقوفه في وجه الاستبداد العثماني, واستمر على هذا الحال إلى أن جاءت حملة نابليون لتترك آثارا جسيمة على المنطقة العربية
"
كما يشير الكاتب إلى الكثير من النصوص والحوادث الأخرى التي تدل برأيه على أن العقل العربي لم يبق في الثلاجة العثمانية لمدة ثلاثة قرون كما حاولت أن تفهمنا إياه بعض الدراسات العربية، بل استمر وقوفه في وجه الاستبداد العثماني.

واستمر على هذا الحال إلى أن جاءت حملة نابليون لتترك أثارا جسيمة على المنطقة العربية، ولتبدأ مرحلة فئات اجتماعية جديدة لا تعتمد في مستواها الاجتماعي على الدين، وإنما على أسس فئوية ومهنية جديدة كالعمل على القناصل أو الأعمال التجارية مع الأوروبيين.

وبدأ فصل جديد من الاحتجاج والرفض متمثلا بمرحلة الاقتباس والحد من الاستبداد بالقانون والدستور، والانتقال من الدعوة إلى الثورة ضد الظلم إلى الحد منه عبر الدستور ومجالس الشورى.

زعماء النهضة الجديدة ومصادر أفكارهم
يحاول الكاتب في هذا الفصل تعريفنا ببعض أعلام مرحلة النهضة الجديدة التي ظهرت بثوب مغاير من ناحية الأفكار، حيث مثل كل من عبد الرحمن الكواكبي في الشام وأحمد بن أبي الضياف ومحمد بيرم في تونس ومحمد حسن النائيني في إيران جبهة أولى في محاولة كف يد المستبد عن الانفراد بالحكم، فتقدموا بمنازلة صعبة مع الاستبداد وظلاله في محاولة لإقامة مملكة العدل والحرية مطالبين بحلول مختلفة في ضوء النظريات الإسلامية ومستجدات العصر.

وقد حددت النشأة الثقافية والتكوين المعرفي المستند إلى الأصول التراثية والانتماء لأسر متدينة المعالم الثقافية لدى رجال الإصلاح في عصر النهضة، ما جعل الثقافة الإسلامية المكون الأول والصفة الملازمة لثقافتهم.

فقد عاش محمد بيرم التونسي في أسرة متدينة وأخذ العلم عن شيوخ عصره وحاز على منصب نقابة الأشراف لانتسابه إلى آل البيت، وعند دراسة خطابه يمكن القول بأن مصادره تتسق وعنوان رسالته "السياسة الشرعية" التي استقاها من كتب الفقه والنوازل المغربية والحنفية وغيرها من المصادر التراثية. وأما ابن أبي الضياف فقد حفظ القرآن بزاوية سيدي أحمد الباهي وتحصل العلم وبعدها ولي العدالة، ونجد ضمن المصادر التي وردت في كتابه "الاتحاف" ثلاثة أنواع:

الأول هو مصادر عامة شملت القرآن الكريم والحديث الشريف وبعض أقوال الحكماء والخلفاء الراشدين، والثاني هو مصادر رسمية أبرزها نص قانون سليمان القانوني وقانون السلطان عبد المجيد. أما النوع الثالث فهو عبارة عن مجموعة من كتب التراث الإسلامي في الجوانب الفلسفية والتاريخية لعلماء كالغزالي وابن خلدون والطرطوشي وكتاب خير الدين التونسي.

والحالة نفسها تنسحب على عبد الرحمن الكواكبي الذي ولد في مدينة حلب عام 1854م وسط أسرة من الأشراف، وقد تقلد العديد من المناصب التي كان آخرها رئاسة بلدية حلب، كما عمل في الصحافة وعرف صحافيا بارعا بالإضافة إلى إلمامه بالقانون والفقه والسياسة.

وفي كتابه "طبائع الاستبداد" نجده يوظف القرآن والسنة النبوية مع الإشارة إلى مؤلفات الرازي والغزالي وابن خلدون إضافة إلى اطلاعه على نتاج الفكر الأوروبي الحديث أمثال ميكيافيلي ومنتسيكو.

"
مصادر التفكير الإصلاحي تكشف عن رؤية محمد بيرم وابن أبي الضياف  وتصوراتهما الإصلاحية الناتجة عن قراءة تراثية عربية وإسلامية، وهي قراءة استعادية لا قراءة متجاوزة، أما عند الكواكبي فهي تعكس  صورة رجل صاحب اطلاع واسع وثقافة متعددة المصادر
"
ويبدو أن مهنة العمل الصحفي قد ساهمت إلى حد كبير في اطلاعه على المصادر الغربية والذي يظهر من قوله "وأما المتأخرون من أهل أوروبا فلقد توسعوا في هذا العلم -السياسة- وألف فيه كثير من المحررين والسياسيين من الإفرنج، على أن الاستبداد السياسي متولد عن الاستبداد الديني"، إضافة إلى أن ولاية حلب التي عاش فيها الكواكبي امتازت بنشاطها الثقافي والعلمي.

وتكشف لنا مصادر التفكير الإصلاحي عند محمد بيرم وابن أبي الضياف رؤيتهما وتصوراتهما الإصلاحية الناتجة عن قراءة تراثية عربية وإسلامية وهي قراءة استعادية لا قراءة متجاوزة، وفيها نزوع كبير نحو الماضي المفقود، وهي برغم مطلبها بالتمدن فإنها في نهاية المطاف بقيت مسكونة بالماضي. أما عند الكواكبي فالمصادر تعكس صورة رجل صاحب اطلاع واسع وثقافة متعددة المصادر ومستوعبة لعبء التصدي للاستبداد.

فقهاء المرجعيات والملك الدستوري
مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين كان الوضع الداخلي في إيران يسير متسارعا نحو الانهيار، فسياسة السيطرة والتزاحم الأحنبيين وطغيان الأسرة القاجارية وفسادها، كلها شكلت عوامل لانهيار متسارع أمام قوة الثورة الدستورية بين الأعوام 1905 و1911م.

وكانت الثورة قد بدأت مع مظاهرات الاحتجاج على منح الشاه ناصر الدين شركة بريطانية امتياز التنباك في العام 1890م، وما تلاه من إصدار الميرزا حسن الشيرازي من سامراء فتوى حرمت على الشيعة التدخين ما دام الامتياز ممنوحا للشركة البريطانية.

وقد أدى هذا الأمر إلى سحب الامتياز بعد عامين أي في 1892م وإلى زيادة في شعبية المراجع الدينية التي بقيت ذات تأثير أكبر على الشعب رغم تعدد القوى الاجتماعية آنذاك كالنخب الليبرالية المشبعة بثقافة غربية والطامحة إلى بناء مؤسسات حديثة تقوم على مبادئ القانون وسيادة الشعب، وقوى البازار الذين شكلوا قوة سياسية أساسية بفضل موقعهم الحاسم في شبكة التوزيع وحركة التجارة.

وجاء الدعم الأساسي للثورة والدفاع "الشرعي" عن المطالبة الدستورية عبر مراجع التقليد في النجف أبرزهم الملا كاظم الخراساني أو علماء كحسين نائيني، الذين استنتجوا أن تطبيق الشريعة مستحيل في ظل غيبة الإمام ولذلك لا بد من تقييد الحكومة والحد من الاستبداد.

تنبيه الأمة وتنزيه الملة
في خضم المواجهة والجدل التي انتظم فيها المراجع والعلماء والتي انقسمت فيها الحوزات والمؤسسات الدينية الشيعية بين مؤيد للشاه السلطاني ومؤيد للمشروطية الدستورية، ظهرت أدبيات فقهية تعكس من جانب الفقهاء الدستوريين غنى فكريا في الفقه.

ويعد كتاب حسين نائيني "تنبيه الأمة" مساهمة أساسية في السجال الذي دار بين الفريقين والذي يعتبر من أهم الوثائق التي تعبر عن النظرية السياسية الشيعية الساعية إلى التوفيق بين استمرار غيبة الإمام المنتظر والحاجة لنظام أو شكل من أشكال الحكم الذي لا يسيء إلى الدين، وهو الجدل الذي ظل سائدا بين الأحزاب السياسية في إيران منذ بداية القرن العشرين وحتى قيام الثورة الإسلامية بزعامة آية الله الخميني.

يستهل نائيني كتابه بالدفاع عن مبدأ الممارسة السياسية الدستورية من وجهة نظر إسلامية، فيرى أن الممارسة الدستورية هي مشاركة أفراد الأمة في القرار ومساواتهم مع شخص السلطان في جميع نوعيات المملكة من المالية وغير المالية.

وفي بحثه عن جذور الاستبداد في المجال الإسلامي فإنه يردها إلى الحقبة الأموية، وهي مرحلة الحكم الوراثي والتحول من دولة ولائية إلى تملكية، كما أنه يقارن بين استبداد معاوية والشاه في عصره، ويرى أن هناك تحالفا وتكاملا بين الاستبدادين السياسي والديني. وعند حديثه عن مبادئ الحكم نجده يقسمها إلى ثلاثة مبادئ: أولها، الحرية التي يراها من أعظم المواهب الإلهية على الإنسان.

وثانيها هو مبدأ المساواة. وأما المبدأ الثالث في فلسفة الحكم كما تخيلها نائيني فهي الشورى كمنطلق إسلامي، ويرفض أن تكون الشورى عامة بل نجده يحددها بالعقلاء وأهل العلم ويتوصل إلى اجتهاد مفاده أن النظام الديمقراطي الغربي أصله في الإسلام الشورى، وأن وجودها ضروري كي لا يتحول الإسلام إلى ظلم، فهي نوع من القوة الضابطة والرادعة.

تتيح قراءة أفكار نائيني الكشف عن دور العلماء في الثورة الدستورية والفهم اللاحق للإصلاح وتقييد الاستبداد الذي مكن العلماء فيما بعد من اللجوء إلى القرآن والدستور مصدرين توأمين للسلطة في إيران اليوم.

"
أهمية الكتاب لا تكمن فقط في تأريخها لمرحلة الفكر الإصلاحي الذي شهدته المنطقة، بل تعود إلى كوننا نخضع اليوم كعرب ومسلمين للعديد من الأسئلة والمواقف التي تعرض لها المصلحون الأوائل قبل مائة عام
"
أخيرا فإن ما نود أن نوضحه هو أن أهمية الكتاب لا تكمن فقط في تأريخها لمرحلة الفكر الإصلاحي الذي شهدته المنطقة، بل تعود إلى كوننا نخضع اليوم كعرب ومسلمين للعديد من الأسئلة والمواقف التي تعرض لها المصلحون الأوائل قبل مائة عام، وخاصة بعد الحملة الأميركية على المنطقة والتي خيرتنا بين مطرقة الفتنة وسندان الاستبداد.

وبالتالي فإنه لا بد اليوم من العمل نحو إعادة بلورة مشروع إصلاحي عربي جديد يعيد الأهمية لمفهوم الدولة الذي بقي يشوبه بعض الخلل عند الآباء الإصلاحيين بحكم الظروف التاريخية الضاغطة آنذاك، وإلى إعادة التفكير بعلاقة الدولة بالدين الذي لم يعد يمثل فكرا أسطوريا كما يحلو وصفه عند بعض العقلانيين العرب الذين ما ملوا من الاقتباس من تجربة النهضة الأوروبية المختلفة عنا في الكثير من الجوانب التاريخية.

بل بالنظر إليه بصفته يمثل هوية ثقافية وحضارية طبعت بها كل الدول العربية والإسلامية، وبوصفه كذلك أهم الروافد الأساسية لتكوين العقل الأخلاقي العربي، الذي بدونه لن نستطيع كما يرى المفكر المغربي محمد عابد الجابري بناء المدينة العربية الفاضلة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة