الهدنة.. مغامرة سياسية   
الخميس 1426/6/22 هـ - الموافق 28/7/2005 م (آخر تحديث) الساعة 12:49 (مكة المكرمة)، 9:49 (غرينتش)

عرض/نزار رمضان

تبرز أهمية الكتاب من خلال استعراضه سيكولوجية المجتمع الإسرائيلي وعلاقته بالفلسطينيين، إضافة إلى صراحته الواضحة في الحديث عن الحاجة الإسرائيلية الملحة إلى التهدئة والهدوء والعيش بأمن وأمان.

 

ويشير كاتبه إلى أن الغالبية العظمى من الإسرائيليين سئمت حياة العنف والإرهاب والقتل، وبدأت تبحث عن أبجديات وعناصر الحياة الكريمة التي يراها من خلال الهدنة المبنية على واقع سياسي متفق عليه ينقل الجميع إلى مصالحة سياسية تاريخية وسلام دائم في المنطقة.

 

- الكتاب: الهدنة.. مغامرة سياسية

- المؤلف: إيال آرلينخ

- عدد الصفحات: 368

- الناشر : دار أرييه نير، تل أبيب

- الطبعة: الأولى 2005

معد الكتاب إيال آرلينخ ليس سياسيا ولم يعمل في السياسة وإنما هو إعلامي كما يقول عن نفسه، التقى العديد من المسؤولين الفلسطينيين وكان من بينهم الرئيس الراحل ياسر عرفات،

 

كما التقى العديد من الوزراء والمسؤولين ورجال الأمن الفلسطينييين، إضافة إلى لقاءاته مع القادة الإسرائيليين، حيث كان هدفه كما يعرض في كتابه البحث عن القضية الأفضل والأضمن لوقف إطلاق النار بين العرب والإسرائيليين ابتداء، ومن ثم بين الفلسطينيين والإسرائيليين انتهاء.

 

ويؤكد في مقدمة كتابه أن الهدف الأسمى والأعلى الذي يعمل من أجله هو التوصل في النهاية إلى مصالحة تاريخية بين الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي، هذا الأمر الذي يحتاج في نظره إلى الشجاعة المتناهية من أجل تطبيقه.

 

لكنه في الوقت نفسه يشير إلى مسألة حساسة يلتقي فيها مع القادة الأمنيين والعسكريين الإسرائيليين مفادها أن هذه الهدنة المطلوبة قد تكون خطرة على مستقبل إسرائيل خاصة إذا ما تم استغلالها من قبل الفلسطينيين، سواء كانوا سلطة أم معارضة، وذلك بتحويلها إلى استراحة محارب، وهو ما يعتبر منحى خطيرا واستغلالا خاطئا للنوايا الحسنة التي تقدمها إسرائيل خلال هذه الهدنة.

 

ويتمرد آرلينخ على ذاته رغم أنه يشير إلى أنه أحد أبرز المحبين للهدنة ووقف إطلاق النار، فيعود ليؤكد أنه لا بد من ضرب القوى المتسلقة على الهدنة -كما يسميها- ضربا رادعا لا قيام بعده حتى يتم اجتثاث الإرهاب من جذوره.

 

ويتعامل الكاتب مع الهدنة بحذر وكأنه يريد عبور حقل ألغام ولهذا يطرح العديد من الفرضيات، حيث يعتقد أنه من الممكن أن يكون الفلسطينيون صادقين في التعامل مع الهدنة، وهذا بالتأكيد متوقع بحسب ما يذكر، لكنه لا يغفل فرضية أخرى تقول إنه من المحتمل أن يستغل الفلسطينيون هذه الفرجة  (الهدنة) وبذلك يشكلون الخطر المؤكد لملايين الإسرائيليين داخل الدولة.

 

ويعود ليؤكد على الحالة النفسية التي يعيشها الإسرائيليون سواء كانوا مدنيين أم عسكريين أم سياسيين، مشيرا إلى أنهم سئموا هذا العنف وهذا الصراع فأصبحت عيونهم تتطلع نحو البحث عن مخرج يحفظ عليهم أمنهم وحياتهم وكرامتهم.

 

حركة الأمهات الأربع

"
حركة الأمهات الأربع قادت المجتمع الإسرائيلي إلى هدنة مميزة على الجبهة الشمالية من خلال ضغوطاتها المستمرة على أصحاب القرار السياسي
"
يعتبر الكاتب أن الإسرائيليين خرجوا عن صمتهم خاصة في ظل الأيام السوداء المظلمة التي تعرض فيها أبناؤهم إلى القتل والمحنة لاسيما في الجنوب اللبناني، تلك المعركة المجهولة التي لا هدف لها -كما يصفها- والتي حصدت المئات بل الآلاف من الأرواح دون فائدة.

 

ويسلط الضوء على حركة "الأمهات الأربع" التي نشأت بداية عام 1997 ويعتبرها المبادرة المدنية الأكثر نجاحا في خلق أصداء إعلامية ضاغطة على الحكومة من أجل الخروج من هذا المستنقع.

 

وأشار إلى أن البداية كانت من خلال موقف جريء للعديد من أمهات الجنود الذين يخدمون في الجنوب اللبناني، حيث وضعت هذه الحركة نصب عينيها ضرورة إخراج الجنود الإسرائيليين من هذه المعركة التي لا هدف لها ولا تخدم إسرائيل.

 

لقد تمكنت حركة الأمهات الأربع من القيام بمظاهرات واعتصامات واحتجاجات متعددة أثرت على واقع المجتمع الإسرائيلي، بل أصبحت قوة ضاغطة على السياسيين، إضافة إلى نجاحها في لعب دور سياسي ومؤثر على المرشحين السياسيين في إسرائيل.

 

ويشير الكاتب إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك حرص على أن يجعل أحد عناوينه الانتخابية الالتزام بإخراج الجيش من الجنوب اللبناني إذا ما فاز، وعقب فوزه كان لزاما عليه أن ينفذ ما وعد به، وقد تم فعلا الانسحاب من الجنوب من طرف واحد وإنقاذ حياة مئات الإسرائيليين.

 

ويرى أن حركة الأمهات الأربع قادت المجتمع الإسرائيلي إلى هدنة مميزة على الجبهة الشمالية من خلال ضغوطاتها المستمرة على أصحاب القرار السياسي، فكانت أحد أهم النماذج البارزة التي ساهمت في الضغط نحو وقف إطلاق النار والتوصل إلى حل ومصالحة مع حزب الله والتي تمخض عنها مبادرات وتبادل أسرى وجثث وغير ذلك.

 

حركة محسوم الحاجز

"
نشأت حركة محسوم الحاجز إثر التقارير الصحفية التي كشفت عن مأساة الفلسطينيين وعذاباتهم أثناءعبور الحواجز العسكرية
"
ويعرض الكاتب لنموذج آخر يبحث عن الهدوء والسلام والهدنة وذلك من خلال نشأة حركة جديدة في يناير/كانون الثاني 2001 تحت اسم "محسوم-الحاجز" التي جاء تأسيسها إثر التقارير الصحفية التي كشفت عن مأساة الفلسطينيين وعذاباتهم أثناء مرورهم عبر الحواجز العسكرية الكثيرة التي أدت إلى انتهاك حقوق الإنسان الفلسطيني والإساءة إلى إسرائيل.

 

وقد بلغ عدد أعضاء هذه الحركة نحو 400 عضو غالبيتهم من النساء اللاتي رصدن سلوكيات ومخالفات الجيش الإسرائيلي على الحواجز، بل وتظاهرن غير مرة من أجل تفكيكها وإلغائها.

 

وقد تمكنت هذه الحركة من نقل الصورة الحقيقية لأسباب الاحتقان والعداء ما بين الفلسطينيين والإسرائيليين، حيث قام أعضاؤها بالاحتجاج والتظاهر أمام الكنيست من أجل التوصل إلى سلام وهدنة مع الفلسطينيين.

 

وقد رفع هذا الضغط نسبة المؤيدين لعملية السلام والرافضين للاحتلال والحرب، الأمر الذي أوجد حالة من التمرد ورفض الخدمة في صفوف الجيش الإسرائيلي، وكذلك الذين يخدمون في سلاح الجو عقب عمليات القصف التي خلفت عشرات الضحايا الفلسطينيين وخاصة من الأطفال والنساء.

 

حركة شجاعة للرفض

في إطار استعراض الكتاب لحركات رفض العنف والحرب والبحث عن الهدنة، أشار إلى أنه تأسست في يناير/كانون الثاني 2002 حركة أطلق عليها اسم حركة "شجاعة للرفض" التي قادها وأسسها 50 ضابطا وجنديا من وحدات المقاتلين الذين أعلنوا رفضهم للخدمة في المناطق الفلسطينية المحتلة في الضفة والقطاع.

 
"
طالبت حركة شجاعة  بمحاكمة قائد سلاح الجو الإسرائيلي الذي أمر بقصف بناية سكنية في غزة من أجل اغتيال أحد قادة الانتفاضة، ما أدى إلى قتل عشرات الأطفال والنساء
"

ومع مرور الزمن انضم إلى هذه الحركة مئات من الجنود كان بينهم عدد من الطيارين الذين أصدروا كتابا في سبتمبر/أيلول 2003 يطالبون فيه بضبط عمليات القصف والاغتيالات وعدم الإفراط في الضغط على الزناد وعدم الإيغال في القتل، خاصة في صفوف الأطفال والنساء. وقد استطاع هؤلاء جميعا أن يؤثروا على الواقع السياسي والنفسي داخل المجتمع الإسرائيلي.

 

بل طالب هؤلاء بمحاكمة قائد سلاح الجو الإسرائيلي دان حلوتس الذي أمر بقصف بناية سكنية في قطاع غزة من أجل قتل أحد قادة الانتفاضة "صلاح شحادة"، لكن قراره هذا أدى إلى قتل عشرات الأطفال والنساء الذين لا ذنب لهم. هذه الحادثة كما يقول الكاتب دفعت الجنود والطيارين إلى التمرد وعدم الموافقة على الخدمة في المناطق الفلسطينية، ورغم تعرض العديد منهم للمحاكمة والقضاء والسجن فإن إصرارهم كان له الأثر في إقناع القادة السياسيين في إسرائيل باتجاه تغيير النهج.

 

ويعترف الكاتب بأن الهدنة التي وافقت عليها الفصائل الفلسطينية -وعلى رأسها حماس- في ربيع عام 2003 كانت جيدة وانعكست على واقع المجتمع الإسرائيلي الذي دبت فيه الحياة والأمن خلال فترة تلك الفترة.

 

ويؤكد من خلال العديد من اللقاءات التي أجراها أن نجاح الهدنة خلال الأيام القليلة أدى إلى ارتفاع في مستوى الدخل وتنامٍ في المعطيات الاقتصادية وازدهار في السياحة، إضافة إلى الأمن الذي يحتاجه كل إسرائيلي.

 

لكنه يعترف ويقول إن "هذه الشمعة أطفئت وأصبح الجميع في الظلام عقب انهيار الهدنة في صيف عام 2003 والتي كان سببها اغتيال الجيش الإسرائيلي أحد قادة التنظيم رائد الكرمي".

 

ويشير إلى أن الشارع الإسرائيلي أدرك حينها أن سبب انفراطها هو التسرع الإسرائيلي وقرارات الجيش غير المضبوطة التي عادت وانعكست مرة أخرى على كل شيء في حياة الإسرائيليين.

 

عادت الأمور كما كانت: عمليات إرهابية، قنص في شوارع الضفة الغربية والقطاع، ترهل اقتصادي وانهيار للسياحة والتنزه، وقصف لقادة الانتفاضة واغتيالات مستمرة، بل شهدت المنطقة تراجعا دراماتيكيا سريعا دفع الكل ثمنه.

 

"
الهدنة التي وافقت عليها الفصائل الفلسطينية في ربيع 2003 كانت جيدة وانعكست على واقع المجتمع الإسرائيلي الذي دبت فيه الحياة والأمن خلال تلك الفترة
"
مبادرة جنيف

يكشف الكاتب أنه كان أحد المساهمين والمعدين لمبادرة جنيف وأحد الذين روجوا لها حيث التقى ياسر عبد ربه ومحمد رشيد وكذلك الرئيس عرفات مرة أخرى داخل المقاطعة وهو محاصر، ويرى أن الذي أفشل هذه المبادرة هو إسرائيل والإدارة الأميركية، مضيفا أنه كان بمقدور الإسرائيليين استغلالها وإنجاحها كي تكون خطوة على طريق الهدنة والهدوء ومن ثم التوصل إلى سلام ومصالحة تخدم الإسرائيليين قبل الفلسطينيين.

 

لكن المتنفذين والمسيطرين على القرار في إسرائيل لم يرغبوا في نجاحها لأنها لا تخدم مصالحهم ومستقبلهم السياسي، فهم يتمتعون بحالة اللاسلم واللاحرب التي تجعل منهم قادة سياسيين يتنقلون ما بين تل أبيب وباريس ولندن وواشنطن عبر رحلات بروتوكولية، مشيرا إلى أن هناك مخططا سياسيا لدى العديد من الزعماء في إسرائيل وغيرها يدفع باتجاه عدم التوصل إلى مصالحة وسلام.

 

الدور المصري

يشير الكاتب في معرض حديثه عن الهدنة إلى دور مصر وخاصة مخابراتها التي زارت المنطقة غير مرة، إضافة إلى استضافتها قادة الانتفاضة والمنظمات الفلسطينية، ويؤكد أن ذلك ما تم إلا بمباركة أميركية وإسرائيلية. كما يرى أن هذه اللقاءات والتدخلات ساهمت شيئا ما في التوصل إلى تفاهمات وهدوء.

 

ويورد أن لقاء القاهرة يوم 23 فبراير/شباط 2003 بين محمود عباس وخالد مشعل بحضور عمر سليمان كان لقاء جيدا وانعكس على واقع المنطقة، لكن المشكلة في إسرائيل أنها لم تعر هذه اللقاءات أي نوع من الاهتمام وكأنها في عالم آخر لا علاقة له بما يجري.

 

ويختتم الكاتب صفحات كتابه الأخيرة بالتأكيد على ضرورة استمرار التهدئة والعمل ضمن برنامج سياسي واضح المعالم حتى يتم التوصل إلى هدنة صادقة تفضي إلى مصالحة تاريخية وسلام دائم بين جميع الأطراف في المنطقة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة