اختلال العالم   
الأحد 1431/2/9 هـ - الموافق 24/1/2010 م (آخر تحديث) الساعة 16:33 (مكة المكرمة)، 13:33 (غرينتش)

عرض/محمد تركي الربيعو
« يبدو أننا دخلنا هذا القرن الجديد بلا بوصلة»، بهذه العبارة المقلقة يبدأ الكاتب والروائي اللبناني أمين معلوف كتابه الجديد، الذي يعد استكمالا لكتابه السابق «الهويات القاتلة»، الذي أصبح اليوم مادة تدريسية في برنامج العديد من الجامعات في العالم.

-الكتاب: اختلال العالم.. حضاراتنا المتهافتة
-المؤلف: أمين معلوف
-المترجم: ميشال كرم
-عدد الصفحات: 312  
-الناشر: دار الفارابي, بيروت
-الطبعة: الأولى/2009
حيث يرى الكاتب أن تعبيره هذا ليس هنا بصدد حالات الجزع اللاعقلانية التي رافقت الانتقال من ألفية إلى أخرى، ولا بصدد صيحات الويل التي يطلقها دوما أولئك الذين يخشون التغيير أو يفزعون من وتيرته.

بل لكونه قلق نصير للأنوار التي أخذت تترنح وتشحب وأخذت في بعض البلدان تشرف على الانطفاء، إنه قلق مولع بالحرية التي كان يحسبها سائرة إلى الانتشار في كل أنحاء المعمورة وهو الآن يشهد ارتسام ملامح عالم لا مكان لها فيه.

كما أنه قلق للتنوع الذي تحول إلى انفلات في المطالبات المتعلقة بالهويات من عقالها، وإلى اختلال اقتصادي ومالي يجر الكوكب بأسره إلى منطقة من الاضطرابات يتعذر التكهن بنتائجها، وكذلك اختلال مناخي ناجم عن فترة طويلة من الممارسات غير المسؤولة وبكل بساطة فهو قلق عاشق للحياة، لا يقبل التسليم بالفناء الذي يتربص بها.

ولذلك فهو يسعى إلى فهم أسباب بلوغنا هذا الدرك وكيفية الخروج منه، حيث إن اختلال العالم بنظره مرتبط بحالة الإنهاك المتزامنة للحضارات كافة وبخاصة للمجموعتين الثقافيتين اللتين يدعي العالم نفسه الانتماء إليهما ألا وهما الغرب والعالم العربي، أكثر من ارتباطه بـ"حرب حضارات". فالمجموعة الأولى تعتورها قلة وفائها لقيمها الخاصة، أما الثانية فواقعة في شرنقة تاريخية.

الانتصارات الكاذبة
يرى الكاتب في هذا الفصل أنه في لحظة سقوط جدار برلين اجتاحت العالم موجة من الأمل. فانتهاء المواجهة بين الغرب والاتحاد السوفييتي أبعد خطر حصول زلزال نووي كان معلقا فوق رؤوسنا منذ نحو أربعين سنة، وكان ينتظر بعد ذلك أن تنتشر الديمقراطية شيئا فشيئا وأن تزول الحواجز بين مختلف أصقاع الكرة الأرضية، ليدشن بذلك عهدا من التقدم والازدهار.

"
بتنا نجد أنفسنا في هذا العصر الجديد ضمن كوكب استشرت فيه الانتماءات، خصوصا تلك المتعلقة بالدين، بحيث أقلع الناس عن طوباياتهم المهزومة، ولجؤوا إلى سقف طائفة تشعرهم بالأمان
"
وعلى الرغم من تحقق بضع خطوات مرموقة في كل الميادين بادئ الأمر. لكننا كنا نزداد ضياعا كلما ازددنا تقدما، وربما لدينا من هذا القبيل مثال ساطع هو الاتحاد الأوروبي، حيث كان تفكك الكتلة السوفييتية انتصارا في نظر هذا الاتحاد، إلا أن أوروبا ضيعت معالم طريقها لحظة انتصارها، وكان عليها أن تساءل نفسها عن هويتها وحدودها ومؤسساتها المستقبلية وموقعها في العالم الجديد.

كما أننا بتنا نجد أنفسنا في هذا العصر الجديد ضمن كوكب استشرت فيه الانتماءات، خصوصا تلك المتعلقة بالدين، بحيث أقلع الناس عن طوباياتهم المهزومة، ولجؤوا إلى سقف طائفة تشعرهم بالأمان.

وكان لهذا الانزلاق من الأيديولوجيا نحو فكرة الهوية عواقب مدمرة على الكرة بمجملها، بدليل أن التعايش بين مختلف الجماعات البشرية بات يزداد صعوبة يوما بعد يوم، ولعل أوضح مثال بليغ الدلالة ذلك الذي يتعلق بالعلاقات بين مختلف الطوائف في الشرق الأدنى، فقد كان السنة والشيعة مثلا يتبادلون نظرات الارتياب أحيانا، لكن حالات الزواج المختلط كانت متواترة بينهم، وأما هذه المجازر اليومية المتبادلة اليوم التي سخفتها المأساة العراقية فما كانت لتخطر ببال أحد.

وكما أنه مع انتهاء الحرب الباردة راح بعضهم يتحدث عن «نهاية التاريخ» لأن العالم بكامله يزمع أن يذوب سلميا في قالب الغرب الظافر، لكن التاريخ اثبت أنه ليس العذراء الطيعة العاقلة التي يحلم بها الأيديولوجيون، وهكذا أدى انتصار الغرب، في الميدان الاقتصادي، ويا للمفارقة، إلى إضعاف هذا الغرب، فقد انطلقت الصين ثم الهند بسرعة وقوة في هذا الميدان بعد اكتساب هذين المجتمعين الآسيويين ما كان ينقصهما، وذلك بالاقتباس من مدرسة الغرب التي بنفاذها المعرفي والثقافي إلى روح كل أمم الأرض قد أمست في نفس الوقت مقصرة عن حضارات الآخرين لأنهم تبنوا حضارتها، فحرموها مما كان يشكل نوعيتها وتفوقها.

وفي رأي الكاتب فإنه إذا كان الغرب قد عجز عن الإفادة بصورة كاملة من انتصاره على الشيوعية فذلك يعود لأنه لم يعرف نشر ازدهاره فيما وراء حدوده الثقافية، وهذا التقصير تدفع البشرية بكاملها ثمنه اليوم.

وقد حاولت الدول الغربية تبرير هذا الفشل في القول بأن الشعوب الأخرى كانت غير جاهزة لتقبل مثل هذا «اللقاح»، وكانت آخر صياغة لها تتعلق بالعراق، إذ قيل إن غلطة الأميركيين هي أنهم أرادوا أن يفرضوا الديمقراطية على شعب لا يريدها.

"
الإنترنت غدا مكان تجمع وتعبئة لـ«قبائلنا» العالمية، وذلك ليس نتيجة تلاعب غامض بل لأن الإنترنت قد ازدهر في لحظة من التاريخ تتفلت فيها الهويات من عقالها وينتشر صراع الحضارات ويزداد العنف في الكلام كما في الأفعال
"
بينما الحقيقة تكمن في أن هذه الدول لم تحترم قيمها في علاقاتها مع الشعوب المغلوبة، فالدكتاتور غير المقبول في أوروبا بات مقبولا حين يمارس هوايته في الجانب الآخر من البحر المتوسط، لا بل إن الغرب فقد النخب المتمسكة بالحداثة «خصوصا»، بينما وجد دائما مع قوى التخلف تسويات وحقول تفاهم ومصالح متلاقية، وبالتالي فإن مأساته أنه كان على الدوام حائرا بين رغبته في تمدين العالم وإرادته السيطرة عليها، وهذان أمران لا يمكن الجمع بينهما.

كما أنه من البديهي أن القرن الواحد والعشرين ابتدأ في ذهنية مختلفة اختلافا محسوسا عما عرفته الإنسانية من قبل فـ«الشبكة المعلوماتية» تفتح اليوم آفاقا غير محدودة أمام من يهتم بمسيرة التاريخ.

إلا أن هذه الأداة العصرية العظيمة التي يراد لها أن تشجع التداخل والتبادل المتناغم بين الثقافات تغدو مكان تجمع وتعبئة لـ«قبائلنا» العالمية، وذلك ليس نتيجة تلاعب غامض بل لأن الإنترنت قد ازدهر في لحظة من التاريخ تتفلت فيها الهويات من عقالها وينتشر صراع الحضارات وتفسد طبيعة المناقشات، ويزداد العنف في الكلام وفي الأفعال وتضيع فيه المعالم المشتركة.

التقنيات الخيالية
يؤتى أحيانا، في الكلام عن أزمة زماننا الخلقية، على ذكر "فقدان الاتجاه"، هذا قول في رأي الكاتب لا يجد نفسه فيه لأنه يحمل على الظن بأنه يجب استعادة "الاتجاهات المفقودة"، والتضامنات المنسية، والشرعيات التي فقدت قيمتها.

ولذلك فليس المطلوب منا "أن نستعيد" بل علينا أن نخترع والذي لا يمكن أن يتم من خلال الدعوة إلى عودة وهمية لسلوكيات الماضي لنتمكن من مواجهة العصر الجديد.

فالحكمة تبدأ بمعاينة استحالة مقارنة عصرنا بغيره، ومعاينة نوعية العلاقات بين الأشخاص كما بين المجتمعات البشرية ونوعية الوسائل المتوفرة لنا والتحديات التي يجب علينا مواجهتها.

فعلى صعيد العلاقات بين الأمم وإدارة الكرة، ليست حصيلة التاريخ بالمثالية بتاتا، إذ إن الحصيلة حافلة بحروب مدمرة، وجرائم بحق الكرامة الإنسانية. وبالتالي فبدلا من تجميل الماضي وأمثلته قد يكون من الواجب أن نتخلص من العقد النفسية التي اكتسبناها فيه والتي تتبدى كارثية في الوضع الراهن.

وكذلك الأمر في قول الشيء ذاته عن "العجل الذهبي"، فالتنديد بالثروة المادية، وتجريم من يجتهدون منها، موقف عقيم كان يستخدم دائما لأسوا ضروب الدجل. لكن جعل المال معيارا لكل استحقاق للاحترام، وأساسا لكل سلطة، وكل تراتبية أمر يؤدي إلى تمزيق النسيج الاجتماعي.

"
لم يعد بوسعنا أن نكتفي بمعرفة "الآخرين" معرفة تقريبية، سطحية، غليظة وإنما نحن بحاجة لمعرفتهم معرفة دقيقة ولصيقة من خلال اطلاعنا بإرادة معرفية على ثقافتهم وآدابهم
"
وينطبق الحال أيضا فيما يتعلق بالشعوب المتعددة الأصول التي تعيش جنبا إلى جنب في جميع البلدان، وجميع المدن والتي ظلت ولا تزال تنظر إلى بعضها زمانا طويلا من خلال مؤشرات مشوهة، بضعة أفكار موروثة، بضعة أحكام مسبقة قديمة العهد، وبضعة تصورات ساذجة.

وبالتالي يبدو أنه حان وقت تغيير عاداتنا وأولوياتنا كي نصغي بمزيد من الجدية إلى ما يقوله لنا العالم الذي نبحر على متنه. ذلك أنه لم يعد ثمة غرباء في هذا القرن، بل ثمة "رفاق سفر" وسواء كان معاصرونا يسكنون الجهة الأخرى من الشارع أو الجهة الأخرى من الكرة الأرضية، فهم لا يبعدون عنا سوى خطوتين، تصرفاتنا تمسهم في الصميم وتصرفاتهم تمسنا في الصميم.

وإذا كنا نحرص على صون السلم الأهلي في بلداننا، وفي مدننا وأحيائنا كما في كامل الكرة الأرضية، فإنه لم يعد بوسعنا أن نكتفي بمعرفة "الآخرين" معرفة تقريبية، سطحية، غليظة وإنما نحن بحاجة لمعرفتهم معرفة دقيقة ولصيقة من خلال اطلاعنا بإرادة معرفية على ثقافتهم وآدابهم.

نحو بناء سفينة نوح ثقافية
وأما عن كيفية الخروج من مأزقنا في هذا العالم الجديد فإن الكاتب يقترح أن نقلع عن الأفكار السابقة والانطباعات الموروثة كي ندخل بقدم ثابتة في طور جديد من المغامرة البشرية، طور يجب أن يخترع فيه كل شيء من جديد، التضامن والشرعيات والهويات والقيم.

وإن البداية في عالم القيم الجديد هذا تتم من خلال تبني سلم للقيم يؤسس على أولوية الثقافة، لا بل يؤسس على الخلاص بواسطة الثقافة، وأن علينا الاعتراف بأننا لن نتمكن من الاهتداء إلى الطريق الصحيح في متاهة الحياة العصرية دون بوصلة روحية، وذلك على الرغم من معرفتنا من قبل بأن البشر يمكن أن يضلوا الطريق بواسطة الدين كما يمكنهم أن يضلوا الطريق من دون الدين.

أما إذا اعتبرنا الثقافة حقلا بين حقول أخرى أو وسيلة لتزيين الحياة عند فئة من الناس فنكون قد أخطأنا القرن وأخطأنا الألفية، لكون دور الثقافة اليوم هو تزويد معاصرينا بالأدوات الفكرية والخلقية التي ستسمح لهم بالبقاء.

فعدد الذين من بيننا يعيشون حياة أطول وأفضل يرتفع أكثر فأكثر ويتربص بهم حتما الضجر والخوف من الفراغ وتسول لهم أنفسهم حتما أن يفلتوا منها بالارتماء في استهلاك جنوني.

"
القرن الواحد والعشرون لن ينقذ إلا بواسطة الثقافة التي ستعزز شيئا فشيئا الإيمان بوحدة المغامرة الإنسانية، فاسحة المجال بذلك لحصول صحوة إنقاذية
"
وإذ كنا نتمنى ألا نستنفذ موارد الكرة بسرعة فسيكون علينا أن نفضل قدر المستطاع إشكالا أخرى للشبع، وأشكالا أخرى للمتعة، من بينها تحصيل المعرفة وتنمية حياة داخلية تساعد على التفتح.

وليس المقصود هنا فرض حرمانات ولا العيش في تقشف، غير أننا إذا رغبنا في أن نستمتع طويلا على نحو كامل بما تقدمه لنا الحياة، فيكون من واجبنا أن نعدل سلوكياتنا.

وبالتالي فإن القرن الواحد والعشرين لن ينقذ إلا بواسطة الثقافة التي ستعزز شيئا فشيئا الإيمان بوحدة المغامرة الإنسانية، فاسحة المجال بذلك لحصول صحوة إنقاذية.

وفي نهاية الكتاب يرى أمين معلوف أنه على الرغم من غيظه وقلقه، فإنه ما زال مفتونا بالمغامرة البشرية ومقدسا لها، وليس مستعدا لمبادلتها بحياة الملائكة أو البهائم مهما كان الثمن، لكوننا نحن البشر، مؤتمنين على الخلق ومكملين له، وإذا كان فوق رؤوسنا من خالق أسمى، فإننا أهل لافتخاره كما نحن أهل لغضبه.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة