ألمانيا في بؤرة الاحتراق   
الثلاثاء 1428/6/4 هـ - الموافق 19/6/2007 م (آخر تحديث) الساعة 15:17 (مكة المكرمة)، 12:17 (غرينتش)

عرض/نبيل شبيب
أصوات التحذير من مستقبل الأوضاع في الغرب عموما في ازدياد، وهذا ما يشمل ألمانيا، وينعكس في عدد من الكتب الحديثة التي تتناول الأوضاع الألمانية بالنقد بأسلوب حادّ وجديد يميّزها عن النقد المعتاد في العقود الماضية.

-الكتاب: ألمانيا في بؤرة الاحتراق.. علام يقف بلدنا أمام حقبة الثورات؟!
-المؤلف: ماريتا فولبورن وفلاد جيورجيسكو
-
الصفحات: 368
-
الناشر: دار جوستاف لوبّي, ألمانيا
-
الطبعة: الأولى/2007
والمحور الحاسم أنّ النقد الجديد يتناول الأسس التي تقوم عليها الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولا يكتفي برصد الأخطاء مع التسليم بتلك الأسس كما كان معتادا.

ويشير معظم أصحاب تلك الكتب إلى أنّ أوضاع الإعلام سلبية أيضا، وهو ما لا يسهّل عملية النقد التي تحتاج إلى استخدامها، فباتت وسيلة وهدفا للنقد في آن.

وهذا ما ينعكس في ارتفاع نسبة الإعلاميين المعروفين بين مؤلّفي الكتب المعنية. مثل باول كيرشهوف الذي أعطى كتابه الأخير عنوان "أعيدوا للمواطنين دولتهم" أو فولف فون لويفسكي وعنوان كتابه الجديد "البريق المخادع عن الحقيقة" وفيه ما يشبه جرد حساب مع وسائل الإعلام.

وسبق التعريف عبر الجزيرة نت بكتاب "مبدأ حواء" بقلم الإعلامية إيفا هيرمان عن إخفاق الحركة النسوية إخفاقا ذريعا، وكذلك بكتاب "الحدّ الأدنى" الذي يدعو مؤلّفه للعودة إلى التركيز على الأسرة في تكوين المجتمع.

ولا يقتصر الأمر على الإعلاميين، بل يشمل سواهم من ميادين أخرى مثل القسيس نوتكر فولف في كتابه "ماذا ننتظر؟" ناقدا فيه ميدان القيم.

أمّا هذا الكتاب بين أيدينا فيتناول بالنقد الأوضاع الاقتصادية والمالية بشدة، وخضوع صناعة القرار السياسي لها بصيغة طرح الأرقام والمعلومات، تحذيرا من ثورات تندلع إذا استمرت الضغوط على الفئات الأضعف اجتماعيا وفق الوتيرة المتسارعة والشاملة للعواقب المرئية في مختلف مجالات الحياة.

الخطر تثبته الدراسات
"
الصياغة المثيرة للعناوين قد تدفع إلى اتهام الكاتبين بالغوغائية وهما يتحدثان عن دولة ثرية تصعد باطّراد على سلّم النظام العالمي, إلا أن الأرقام والوقائع والاستشهادات الواردة تعبر بالفعل عن اتجاهات خطيرة في تطور أوضاع المجتمع الألماني
"
المؤلفان ماريتا فولبورن وفلاد جيورجيسكو، من أشهر المتخصصين في الميدان الاقتصادي، دراسةً جامعية وكتابة تخصصية في أشهر المجلات والصحف الألمانية بالإضافة إلى مجلة يصدرانها بعنوان "لايف جين" وسبق أن لفتا الأنظار في كتاب مشترك آخر صدر عام 2003م وانتقدا فيه "أساليب المافيا" المتبعة على صعيد التأمينات الصحية والعلاج الطبي بمشاركة الدولة.

يقع الكتاب الجديد "ألمانيا في بؤرة الاحتراق" في مقدمة وسبعة فصول وينتهي بفقرة حملت العنوان الجانبي للكتاب "علام يقف بلدنا أمام حقبة الثورات؟!" وهو السؤال الذي يسعى المؤلّفان لبيان جوابه في الفصول السبعة.

ولا تكاد توجد في الستة الأولى منها فقرة واحدة دون إبراز جانب سلبي صارخ في الأوضاع المعيشية والاقتصادية، كما تشير أمثلة معدودة على عناوين بعض الفقرات: "الإحصاءات تكتيك للتمويه"، "تصدّع في مختلف الطبقات"، "الضغط على الأجور حتى الحضيض"، "أولاد العاطلين عن العمل"، "الجيل الضائع"، "طمع السياسيين"، "طمع رجال الأعمال"، "تصدع الديمقراطية"، "عودة اليسار المسلح"، "جيل الشبيبة يفرّ من الوطن".

وقد تدفع الصياغة المثيرة للعناوين إلى اتّهام الكاتبين بالغوغائية وهما يتحدّثان عن دولة ثرية تصعد باطّراد على سلّم النظام العالمي إلى الذروة، وتحتلّ مكانتها المرموقة اقتصاديا وماليا، إلاّ أنّ الأرقام والوقائع والاستشهادات الواردة في كل فقرة على حدة تعزّز الرأي بأنّ المبالغة في أسلوب صياغة العناوين تعبّر بالفعل عن اتجاهات خطيرة في تطوّر أوضاع المجتمع الألماني.

الحديث عن طمع السياسيين مثلا يجد سنده فيما صدر من قوانين عن المجلس النيابي لرفع العلاوات بصورة متواصلة لصالح كبار المسؤولين ولرفع الرواتب التقاعدية لمن يغادر الحلبة السياسية منهم لسبب من الأسباب، جنبا إلى جنب مع قوانين التوفير على حساب دخل الفئات الفقيرة.

وقد ازداد عدد أفرادها خلال بضعة عشر عاما ازديادا ملحوظا مقابل ارتفاع عدد أصحاب المليارات. وفي هذا ما يشير أيضا إلى "طمع رجال الأعمال" الذي يستعرض الكاتبان بصدده ما يتقاضونه من أجور خيالية بالنسبة إلى المواطن العادي، مع تأمينهم ماليا على أعلى المستويات حتى في حالة اضطرارهم لإخلاء مناصبهم نتيجة فضائح مالية يرتفع عددها ويتضخّم حجمها عاما بعد عام.

والاستناد إلى الإحصاءات والدراسات يميّز ما يورده الكتاب حول البطالة الحقيقية والمقنعة، وآثارها المعيشية وعواقب مواجهتها بأساليب لا تحدّ منها، بل تفاقم تلك العواقب لا سيما وأنّ الجيل الجديد من أولاد العاطلين عن العمل عاجز عن الخروج من نفق الفقر بالإعداد العلمي والتأهيلي الضروري لمستقبل أفضل.

تضييع ثقة المواطنين
"
فصول الكتاب تربط بين ما تعنيه النتائج المستقبلية على صعيد الأوضاع المعيشية، وضياع ثقة نسبة متزايدة من المواطنين في الدولة والأحزاب السياسية، إلى جانب ارتفاع نسبة من يعتقدون بأن الجهات صاحبة التأثير الأكبر على صناعة القرار السياسي هي الجهات المالية المتنفذة في البلاد
"
ويتبع الكتاب نهجا مقنعا في التدرّج من سرد الأرقام الصادرة عن الجهات الرسمية نفسها، وبيان ما أخذ طريقه منها إلى صناعة القرار وما كان موضع إهمال، رغم اعتماده في دراسات علمية، بما في ذلك دراسات جهات تابعة مباشرة لأجهزة الدولة كلجنة التقويم الاقتصادي في المجلس النيابي الاتحادي في برلين، ثم تحليل ذلك بتأكيد خطورة النتائج المستقبلية قياسا على الخطّ البياني للنتائج المبدئية في اتجاه الخطر.

وتربط فصول الكتاب بين ما تعنيه هذه النتائج على صعيد الأوضاع المعيشية، وضياع ثقة نسبة متزايدة من المواطنين في الدولة والأحزاب السياسية، إلى جانب ارتفاع نسبة من يعتقدون بأنّ الجهات صاحبة التأثير الأكبر على صناعة القرار السياسي هي الجهات المالية المتنفذة في البلاد.

وهذا ما يسري على امتداد السنوات الماضية، رغم تقلّب السلطة من ائتلاف المسيحيين المحافظين مع الأحرار إلى ائتلاف الديمقراطيين الاشتراكيين مع الخضر ثم إلى ائتلاف المسيحيين مع الديمقراطيين الاشتراكيين، إذ لم ينقطع مسلسل الاقتطاع من دخل الفئات الفقيرة ومن ضماناتها الصحية والاجتماعية والتقاعدية مقابل تخفيض الضرائب لصالح الشركات وأصحابها.

حتى وصل الأمر إلى أوضاع معيشية قاسية يعاني منها العاطلون عن العمل وأولادهم والمتقاعدون، مع اتساع رقعة الفقر وانتشار البطالة المقنّعة وارتفاع نسبة الأمراض والأزمات النفسانية، فضلا عن ازدياد عدد المهاجرين لا سيما من أصحاب الكفاءات خارج الحدود الألمانية.

وتركّز الفصول الثلاثة الأولى بعد المقدمة على هذه السلبيات ونتائجها المباشرة في الحياة المعيشية، لتتناول الفصول التالية الأخطار المنتظرة من هذا التطوّر السلبي بما يسوّغ السؤال التقريري المنشور على الغلاف عن ثورات قادمة.

وهنا يعدد المؤلّفان أكثر من مصدر للخطر، مع دعم ذلك بالأرقام ومقارنة صعودها عاما بعد عام، ابتداء بازدياد انتشار التطرّف اليميني واليساري وصولا إلى مخاطر تَلاقي تصوّراتِ مَن يستخدم العنف فعلا من هذه الأوساط مع ما يسمّى الإرهاب الإسلامي، ومؤشرات انتقال المتهمين بالتطرف بين المسلمين إلى مرحلة استخدام العنف أيضا.

الحلول وغياب القرار
الفصل السابع والأخير فقط موضع محاولة مختصرة لطرح الحلول أو طرح عناوين لما يمكن أن يكون حلولا من وجهة نظر الكاتبين، إذا وجد دراسة واهتماما مع الاستعداد للتطبيق من جانب صانعي القرار.

والمطلب الرئيسي -المتكرّر في ثنايا الكتاب أيضا- هو ضرورة الأخذ بالضمانات الاجتماعية بدلا من تقويضها، وتحويل النظرة الرسمية إليها لتكون فرصة من أجل تحسين الأوضاع المعيشية بدلا من أن تكون مستهدفة بإجراءات التوفير لصالح النمو الاقتصادي المعبر عن نمو أرباح الشركات في الدرجة الأولى حتى بلغت مئات المليارات أثناء فترة الركود الاقتصادي وارتفاع نسبة البطالة.

"
الكاتبان يستندان إلى دراسة تقول إن المجتمع يشهد تطورات خطيرة وتحتاج مواجهتها إلى إحداث تغييرات في ميادين عديدة، ولا يمكن الجزم بتحقيق ذلك سلما والنتيجة هي انهيار البنية الهيكلية للدولة
"
كما يطالب الكاتبان بالربط بين إنجاز العامل وأجره بدلا من الاكتفاء بربط إنجاز الشركات بدخول أصحابها، وبتعديل نظام الضرائب تعديلا "ثورويا" بالتخلي عن النهج القائم على تخفيفها لصالح أصحاب الأموال بحجة الاستثمارات والعودة إلى النظرية القائلة بزيادة القوة الشرائية لدى المستهلك من عامة المواطنين.

والقاسم المشترك من وراء هذه الأفكار وسواها هو تأكيد ضمان حدّ أدنى من الدخل الأساسي لجميع المواطنين دون شروط.

ويرد بهذا الصدد اقتراح يعتبر بعيدا كلّ البعد عن النظام الاقتصادي والمالي القائم، أن تكون الشركات هي المسؤولة عن تمويل تعويضات البطالة لصالح عمالها الذين تتخلّى عن خدماتهم بدلا من اعتماد الضرائب وما يقتطع من الأجور مصدرا للتمويل.

أمّا البديل كما يؤكّد المؤلّفان فهو الثورات التي يتنبّأ الكتاب بها، ويعزّز المؤلفان نظرتهما هذه في الختام باستشهاد أورداه في الصفحة الافتتاحية أيضا، من دراسة صادرة عن "المركز الاتحادي للتوعية السياسية" وهو هيئة رسمية تابعة للدولة.

وتقول الدراسة إن المجتمع يشهد تطوّرات خطيرة، وتحتاج مواجهتها إلى إحداث تغييرات في ميادين عديدة، ولا يمكن الجزم بتحقيق ذلك سلما، والنتيجة هي انهيار البنية الهيكلية للدولة، فالأحزاب السياسية لا تقدّم حلولا حتى الآن.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة