قصة الاقتصاد المصري   
الجمعة 21/2/1434 هـ - الموافق 4/1/2013 م (آخر تحديث) الساعة 14:01 (مكة المكرمة)، 11:01 (غرينتش)

عرض/ عبد الحافظ الصاوي

في استطراد تاريخي يتناول الكتاب مرحلة مهمة من تاريخ مصر الاقتصادي، منذ عهد محمد علي بداية القرن التاسع عشر، ومرورًا بأبنائه، ثم ممارسات الاحتلال الإنجليزي، ثم مرحلة الثورة عبر عهد عبد الناصر والسادات، وانتهاء بعهد مبارك.

الكتاب يقع في مائة وسبعة وستين صفحة من القطع المتوسط، عبر ثلاثة عشر فصلًا مقسمة تاريخيًا وفق ولاية الحكام. إلا أن منظور محاولة مصر تحقيق الاستقلال الاقتصادي هي الفكرة الرئيسة في الكتاب، حيث بدأت من عهد محمد علي، ولكن كانت هذه المحاولات تواجه بمشكلات التمويل، ومحاولات السيطرة الخارجية.

غير أن المؤلف يركز على أن الإرادات كانت مختلفة من حاكم إلى آخر في الاستجابة للضغوط الخارجية أو إشكالية التعايش مع هذه السيطرة، سواء عبر قبولها أو السعي إليها، إلا أن من قبلوا هذه السيطرة وحاولوا التخلص منها كانت حياتهم أو سلطتهم هي الثمن المقابل لذلك.

-الكتاب: قصة الاقتصاد المصري.. من عهد محمد علي إلى عهد مبارك
-المؤلف: د. جلال أمين
-عدد الصفحات: 167
-الناشر: دار الشروق, القاهرة
-الطبعة: الأولى 2012

التنمية والديون
يركز الكتاب منذ صفحاته الأولى على قضية تمويل التنمية، ومدى النجاح أو الفشل في الاعتماد على مصادر تمويل محلية، أو صنع سياسة اقتصادية تعمل على تفادي الانزلاق في مأزق الديون.

فيصف الكتاب عهد محمد علي بأنه عهد التنمية بلا ديون، وأنه نجح في أن ينفذ العديد من مشروعاته التنموية في مجالات الصناعة والزراعة والتجارة، بعيدًا عن التمويل الخارجي، واعتماده آلية الاقتراض من الدخل، والسداد من خلال تحقيق وفورات التجارة الخارجية.

كما يذكر الكتاب حجم الضغوط التي مورست على محمد علي من قبل أوروبا لتحجيم تجربته وحصرها في إطار قُطري لا يتجاوز مصر، وأن يدور في فلك الاقتصاد الأوروبي.

ويبين المؤلف أن محمد علي لم يكن منفصلا عن الاقتصاد الغربي بل كان مندمجًا به من حيث حجم تجارته الخارجية الواسعة مع الغرب، أو من خلال استيراده للعدد والآلات اللازمة لتطوير المصانع، أو تطوير الزراعة ومشروعات الري.
ويضم الكتاب إلى مزايا تجربة محمد علي مزية أنه استطاع أن يؤمن الغذاء الكافي للمجتمع المصري ولا يعتمد في ذلك على الخارج، على الرغم من تضاعف عدد سكان مصر في عهده.

غيرأن باقي أولاد محمد علي لم يكونوا على هذه الشاكلة، فاتسم عهدهم -كما يصفه الكتاب- بأنه عهد الديون بلا تنمية. حيث انغلق عباس على نفسه ولم تطل فترة حكمه، ثم ولي الأمر من بعده شقيقه سعيد الذي اتخذ من ولائه للغرب وصداقته لسفراء وقناصل الدول الأوروبية مطية لاستمرار حكمه، وقد تورط سعيد في الديون الغربية سواء من خلال الاقتراض بشكل شخصي من فرنسا أو اقتراض باسم حكومته من قبل مصرف ألماني.

لكن الأمر المهم في حقبة سعيد هو توقيعه على عقد امتياز قناة السويس الذي يذكر الكتاب أن سعيد لم يقرأ هذا العقد، ولم يعرضه على مستشاريه، ثقة في صديقه ديليسبس، وانتهت ولاية سعيد بمقتله وديون على مصر بنحو 18 مليون جنيه إسترليني. 

ولم يكن عهد إسماعيل بأفضل من سعيد، حيث سيطرت عليه فكرة إعادة بناء المدن المصرية على غرار المدن الأوروبية، إلا أنه تمادى في الاقتراض من الخارج بشكل كبير، حتى وقعت مصر تحت سيطرة الإدارة الأجنبية على مقدراتها المالية.

ونجحت الدول الأوروبية في فرض وصايتها على مصر عبر إنشاء ما سمي بـ "صندوق الدين". وقد وصلت ديون مصر الخارجية التي حصل عليها إسماعيل نحو 53 مليون جنيه إسترليني. وعند محاولة إسماعيل التخلص من الوصاية الأوروبية على إدارة المالية المصرية، سارعت الدول الأوروبية بعزله عبر الدولة العثمانية بصدور قرار من الباب العالي بعزله عن الحكم في مصر.

ويذكر المؤلف نتيجة مهمة وهي أن أبناء محمد علي لم يكونوا على نسق أبيهم في محاولة بناء أسس إنتاجية بالاقتصاد المصري، ولكنهم كانوا مشغولين بالبذخ والإنفاق الترفي وزيادة الضرائب على المواطنين، وفتح الباب أمام الاستثمارات الأجنبية التي تكرس لتبعية الاقتصاد المصري للاقتصاد الغربي، وبخاصة اقتصاديات إنجلترا.

وهي نفس السياسة الاقتصادية التي اتبعت طوال فترة الاحتلال الإنجليزي (1882 - 1956) إلا أن الإنجليز تعمدوا تفريغ الصناعات المصرية من مضمونها، وركزوا على جعلها مجرد أحد الاقتصاديات الموردة للمواد الخام، أو الأسواق المفتوحة لمنتجاتهم.

ومع دخول إنجلترا الحرب العالمية الأولى والثانية، استطاعت مصر سداد ديونها عبر موادها الأولية المصدرة لإنجلترا. كما شهدت مصر ما عُرف في وقت الاحتلال بمسألة تمصير الدين بجعله مستحقا لمواطنين أو لأجانب مقيمين بمصر بدلا من إنجلترا. ويركز المؤلف على استطاعة مصر سداد ديونها، بل وإدانتها لإنجلترا بنحو 345 مليون جنيه إسترليني مع نهاية الحرب الكونية الثانية.

على الرغم من الإشادة بتجربة عبد الناصر من قبل المؤلف من اتباع السياسات الاقتصادية فإنه يؤخذ عليه اعتماده على المعونات الغذائية الأميركية عشر سنوات
عبد الناصر ومحاولة تنموية
تناول الكتاب فترة حكم عبد الناصر من خلال جهوده في بناء الاقتصاد، وتغير تركيبته الهيكلية من تطوير البنية الأساسية، والتوجه نحو الصناعة، والاستفادة من العلاقات المتعددة مع أميركا والغرب والكتلة الشرقية. ونجاحه في الاستفادة من المعونات الخارجية بشكل كبير.

لكن حجم الإنفاق الكبير الذي تم في عهد عبد الناصر عبر الإنفاق على التنمية وتسليح الجيش، والعمل على زيادة الدخول والاستهلاك لأفراد المجتمع، وكذلك توجهاته القومية والأفريقية لمساعدة الحركات التحررية، وحرب اليمن، جعلت عبد الناصر مضطرًا للجوء للاقتراض من الخارج.

ويرى المؤلف أن إجمالي ديون مصر الخارجية نهاية عهد عبد الناصر لم يتجاوز 1.3 مليار دولار. مع الأخذ في الاعتبار ما قام به عبد الناصر من تمويل لإقامة السد العالي, ويذكر أيضًا ما تعرض له الاقتصاد بعد هزيمة 1967، وانقطاع المعونات الغربية والشرقية بشكل كبير، إلا أن المعونات العربية استطاعت أن تعوض هذه الإمدادات الغربية بشكل كبير عبر مؤتمر الاتفاقية العربية الموقعة بالخرطوم عام 1968.

وعلى الرغم من الإشادة بتجربة عبد الناصر من قبل المؤلف من اتباع السياسات الاقتصادية أو توجهه لتمويل مشروعات التنمية، في إطار نموذج الاعتماد على الذات، فإنه يؤخذ عليه، اعتماده على المعونات الغذائية الأميركية لمدة عشر سنوات، التي استمرت حتى فبراير/شباط 1967، واعتذرت أميركا عن تجديد اتفاقية المعونات الغذائية التي كانت تقدمها نظير تحصيل قيمتها بالجنيه المصري وبسعر فائدة 4%.

التوسع في المديونية
في الوقت الذي يسرد فيه المؤلف تجربة كل من السادات ومبارك في إدارة الاقتصاد، فإنه يرى أوجه شبه شديدة بين إدارة كل من السادات ومبارك وعهدي ابني محمد علي، سعيد وإسماعيل. سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي.

ففي عهد السادات كانت هناك إغراءات كثيرة من قبل الدائنين الغربيين للسادات للتوسع في الدين، وكذلك الانفتاح الاقتصادي على الغرب واتباع سياسات اقتصادية متناقضة، بين قطاع عام مكبل، وعدم تجديد بنيته الإنتاجية، وبين اتجاه حركة استيراد غير منضبطة، مما أدى إلى عدم توصيف دقيق للهوية الاقتصادية لمصر فلا هي اشتراكية، ولا هي اقتصاد سوق حر.

ويرى المؤلف أن السادات بعد حرب أكتوبر/تشرين الأوب أتيحت له موارد محلية من خلال قناة السويس أو صادرات البترول أو عوائد العاملين بالخارج، ومع ذلك لم يحسن ترشيدها لتمويل احتياجات الاقتصاد دون اللجوء للاقتراض الخارجي.

ويقدر الدين الخارجي مع وفاة السادات وفق تقديرات المؤلف بنحو 14.3 مليار دولار. إلا أن الكتاب يذكر تدهور العلاقات الاقتصادية مع الدول العربية بعد توقيع القاهرة اتفاقية السلام مع إسرائيل، مما أدى إلى عودة الكثير من العمالة المصرية بدول الخليج.

ولم يرصد المؤلف تغيرا يُذكر في عهد مبارك من حيث السياسات الاقتصادية أو التوجهات التنموية، فمبارك أيضًا اعتمد نفس السياسة من توسع في الاقتراض من الخارج، وبخاصة بعد مضي السنوات الخمس الأولى من حكمه. وكانت سياسة الاقتراض الخارجي معتمدة في خطط التنمية بعصر مبارك لإيمان القائمين بالتخطيط في عهده بأهمية الاقتراض من الخارج، مما ساعد على تفاقم الدين الخارجي بشكل كبير نهاية الثمانينيات ليصل إلى 47.6 مليار دولار مع بداية عام 1990.

الملاحظة المشتركة بين كافة العهود منذ أبناء محمد علي وحتى مبارك –باستثناء عبد الناصر– أن مصر لم تستفد من الظروف الخارجية لكي تعيد بناء اقتصادها بشكل صحيح

وكانت حرب الخليج الثانية المخرج لمبارك من أزمة المديونية عبر مساندته للغرب في ضرب العراق، وهو الموقف الذي ساندته الدول الخليجية عبر التنازل عن جزء كبير من مديونياتها، ودخول مصر في اتفاق مع البنك والصندوق الدوليين لتخفيض نحو 50% من ديونها الخارجية، فضلا عن إسقاط جزء كبير من الديون العسكرية. وبذلك استقر الدين الخارجي لمصر مع منتصف التسعينيات عند قرابة 27 مليار دولار.

ويذكر المؤلف أن مبارك كان شديد الحذر فيما بعد من مسألة التوسع في الدين الخارجي، إلا أن السياسات الاقتصادية المتبعة بعد ذلك اتجهت نحو الحرية الاقتصادية المفرطة، والتوجه نحو الخصخصة والاستثمارات الأجنبية المباشرة، بغض النظر عن المجالات التي تساهم فيها هذه الاستثمارات.

غير أن الملاحظة المشتركة بين كافة العهود منذ أبناء محمد علي وحتى مبارك -باستثناء عهد عبد الناصر- أن مصر لم تستفد من الظروف الخارجية التي شُغلت فيها القوى الخارجية بنفسها لكي تعيد بناء اقتصادها بشكل صحيح، سواء على مستوى البنى الهيكلية، أو إدارة الموارد المحلية النقدية بشكل سليم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة