من يسوس العالم؟   
الثلاثاء 21/11/1437 هـ - الموافق 23/8/2016 م (آخر تحديث) الساعة 13:22 (مكة المكرمة)، 10:22 (غرينتش)

عرض/مرح البقاعي
نادرون هم من لا يعرفون نعوم تشومسكي، العالم اللغوي والمؤرخ والناشط السياسي المعروف بـ"أبو علم اللسانيات الحديث". ولمن يريد معرفة المزيد عن تشومسكي، فإنه المفكّر الأميركي المولود في العام 1928 في مدينة فيلادلفيا من ولاية بنسلفانيا.

يشغل منذ خمسين عاما مقعد أستاذ علم اللغويات في قسم اللسانيات والفلسفة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا العريق، وإلى جانب عمل تشومسكي في مجال اللسانيات فقد كتب عن الحروب والسياسة ودور وسائل الإعلام المعاصرة، وهو مؤلف لأكثر من مائة كتاب تنوعت بين علوم اللغة والفقه السياسي والفلسفة التحليلية.

تحول تشومسكي إلى ناقد بارز في السياسة إثر الحرب الفيتنامية، وذاع صيته منذ ذلك الوقت من خلال نقده للسياسة الخارجية للولايات المتحدة الأميركية، وكذا لرأسمالية الدولة وإدارة دفّة وسائل الإعلام الإخبارية. ومن المفيد أن نذكر أن تشومسكي صُنف عالميا بالمرتبة الثامنة لأكثر المراجع التي يتم الاستشهاد بأقواله بها على الإطلاق في قائمة تضم كتاب الإنجيل وكتاب رأس المال لكارل ماركس.

-العنوان: من يسوس العالم؟
-المؤلف: نعوم تشومسكي
-عدد الصفحات: 320 صفحة
-اسم الناشر: ميتروبوليتان بوكز
-تاريخ النشر: مايو/أيار 2016

في مسألة إدارة دفة العالم
يقدّم نعوم تشومسكي في هذا الكتاب الجديد رؤيته لأسباب تراجع الولايات المتحدة الأميركية عن موقعها الريادي في السياسات الدولية، ويرفق أسئلته الوجودية في الفلسفة السياسية بشرح واف عن طبيعة السياسات الأميركية ما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول للعام ، 2001، ويفنّد المنعطف الخطير الذي اتخذته لجهة تقديمها المآرب السياسية على الفعل الديمقراطي وحقوق الإنسان والعدالة العامة.

وفي تحليل دقيق وثاقب يمضي تشومسكي في توضيح الوضع الراهن، ويتحدث بإسهاب العالم المستنير عن الغلو الذي انتهجته السياسات الأميركية ما بعد أحداث سبتمبر/أيلول، والتركيز المبالغ فيه على العسكرة وصورة الجيش القوي الذي لا يهزم والذي سيقف باستمرار سندا لامتداد إمبراطوريتها إلى العالم.

ويقيّم بالتالي حجم المخاطر الكارثية التي وقع فيها الساسة الأميركيون جراء ذلك النهج السياسي الذي أدّى إلى تشتيت قيم المشتركات وثوابتها بين الشعوب. ويسوق تشومسكي البراهين على رؤيته التشاؤمية للحال المتردي للسياسات الأميركية من خلال إدراجه لبعض الأمثلة عن الأدوات التي لجأت إليها واشنطن في العقود الأخيرة من القرن الماضي، والعقد الأول من الألفية الثالثة، من أجل تحقيق أهداف سياساتها الخارجية الهوجاء والمتهورة، ابتداء بخطط القتل الممنهج بواسطة الطائرات بدون طيار (درونز)، مرورا برفع عصا الحرب النووية في وجه العالم واستعمالها في الترهيب عندما تفشل في ترغيب العالم بمنطقها في الإدارة والتوجيه، وصولا إلى بؤر التوتر العظيمة المشتعلة في العراق وأفغانستان وسوريا وفلسطين التي عجزت أو تباطأت الولايات المتحدة في إطفاء نيرانها التي تكاد تحرق العالم برمته.

يشير تشومسكي إلى التحولات المقلقة في أسلوب العيش والإدارة في أميركا تتمثل في حالة العزلة التي تعيشها النخب الأميركية، وكذا ابتعادها عن المحددات الديمقراطية التي من المفترض أن تحكم سلطتها، هذا في حين يركن رجل الشارع العادي الأميركي إلى حالة من اللامبالاة

ويقوم تشومسكي من خلال هذا الجرد التحليلي والفلسفي لتلك الأحداث بتقييم دور السلطة الإمبريالية وهيمنة الرأس مال العالمي ضمن دائرة الفوضى العالمية المتفاقمة في أرجاء الأرض في غياب منظومة سياسية عادلة ورادعة للظلم والطغيان.

السلطة المالية العابرة للقارات
ويشير تشومسكي في معرض كتابه "من يحكم العالم" إلى قضية هي في العمق من تلك التحولات المقلقة في أسلوب العيش والإدارة في أميركا تتمثل في حالة العزلة التي تعيشها النخب الأميركية، وكذا ابتعادها عن المحددات الديمقراطية التي من المفترض أن تحكم سلطتها، هذا في حين يركن رجل الشارع العادي الأميركي إلى حالة من اللامبالاة على ما يدور حوله وعلى أرضه، وفي العالم أيضا، الذي يتحوّل بسرعة لافتة إلى النزعة الاستهلاكية البغيضة في غياب القيم المحلية العليا للكثير من الدول، استهلاك يطال كل صنوف الحياة وصورها الاجتماعية والأخلاقية والاقتصادية والسياسية.

ويفيد تشومسكي أنه في ظل هذه الأجواء يصبح الأفق مفتوحا للأغنياء والأقوياء من أصحاب المؤسسات والشركات العابرة للقارات بأن يزدادوا غنى وقوة على حساب ضعف وفقر الضعفاء. ومن نافلة القول أن هذه المؤسسات الكبرى تتمتع بسلطة غير محدودة في بلد المنشأ من جهة، وفي دول انتشارها من جهة أخرى.

ويشير تشومسكي في كتابه القيّم هذا في معرض التأكيد على نظريته حول الغبن الدولي الذي يدور تحت مظلة "اتفاقية التجارة الحرة" على أنها من الاتفاقيات العابرة للمحيط التي يقوم على كتابة قوانينها وتنفيذ مشاريعها نخبة من المحامين ورجال الأعمال الذين يشكلون لوبي مالي لا يقبل النقاش في مشاريعها، ومراميها البعيدة المدى، أوعن تأثيرها السلبي على شعوب العالم الثالث الفقيرة والتي تقع تحت خط التنمية البشرية.

السؤال الصعب

في ظل تراجع أميركا يصبح الأفق مفتوحا للأغنياء والأقوياء من أصحاب المؤسسات والشركات العابرة للقارات بأن يزدادوا غنى وقوة على حساب ضعف وفقر الضعفاء. وتتمتع هذه المؤسسات الكبرى بسلطة غير محدودة في بلد المنشأ ودول الانتشار
يكاد السؤال الذي يطرحه تشومسكي في هذا الكتاب الذي تصدّر واجهة المكتبات الأميركية، وكذا مراجعات الكتب الأكثر مبيعا في الصحف الأميركية الكبرى ومراكز بحوثها، يكاد يكون من أخطر وأدق الأسئلة المعاصرة التي تواجه المثقف المستقل في العالم، والذي يحمل فكرا ليبراليا مثل تشومسكسي يعجز عن استيعاب هذا الكم من الغبن الذي يحكم الدول الضعيفة في العالم مقابل سلطة مجموعة محدودة من أصحاب القرار التي تتحكم بالقرارات المالية والسياسية في العالم.

يقول تشومسكي في هذا الصدد: "إنّ عقولنا، في محاولتها للإجابة على هذا السؤال، تقع في أسر الاعتقاد المسبق بأن المؤثر الوحيد في هذا المضمار وفي ساحته الدولية هي الدول العظمى، وأن أعظم العوامل التي تحكم المشهد السياسي العالمي الراهن هي القرارات التي تتخذها تلك الدول والعلاقات التي تبنيها من خلال إدارتها لذاك المشهد".

ويضيف تشومسكي متحدثا عن هؤلاء الأقوياء، ومقاربا المشهد السياسي الدولي الراهن وتأثير الأقوياء فيه بمن سماهم الفيلسوف آدم سميث بـ "أسياد البشرية" في كتابه "ثروة الأمم" فيقول: "ربما يكون المشهد الدولي الحالي مختلفا في الشكل عما كان عليه في حياة سميث، لكن جشع تجار إنجلترا في ذلك الزمن يشبه إلى حد كبير مطامع الشركات العملاقة المتعددة الجنسيات في عصرنا هذا، ويكاد يكون الشعار المشترك في العصرين واحدا: كل شيء لنا ولا شيء لغيرنا!

كتب محرر مجلة نيويوركر العريقة في هذا الشأن قائلا: "لو انتهجت أميركا نهج بريطانيا منذ 100 عام لكان ما كتبه تشومسكي عن معضلة تغول اقتصادات الحدود المفتوحة صالحا لمائة سنة أخرى من هذا التاريخ".
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة