عسكرة الثقافة   
الخميس 8/7/1432 هـ - الموافق 9/6/2011 م (آخر تحديث) الساعة 16:44 (مكة المكرمة)، 13:44 (غرينتش)

عرض/ زياد منى

مؤلف هذا الكتاب المهم ليس صحفيًا يساريًا يبحث عن شهرة، وليس منشقا عن المؤسسة الحاكمة لأسباب شخصية، وإنما أستاذ الأنثروبولوجيا في جامعة ولاية سان خوسيه بالولايات المتحدة التي منحته إجازة أكاديمية مدفوعة لإنهاء العمل فيه، وكان قد حصل على لقب الدكتوراه من جامعة كاليفورنيا، وألف قبل هذا العمل وحرر كتبا أخرى منها "أنثروبولوجيون في المجال العام.. فضح الحرب والسلام والقوة الأميركية".

-الكتاب: عسكَرَة الثقافة (مقالات عن الدولة المعسكرة)
-المؤلف: روبرتو غونزالس
-عدد الصفحات: 210
-الناشر: لِفت كوست برس، كاليفورنيا
-الطبعة: الأولى/ 2010

كما كتب مقالات عديدة في عدد من الصحف وأجرت معه العديد من محطات الإذاعة العالمية، ومنها "هيئة الإذاعة البريطانية" مقابلات عن موضوع تخصصه ومؤلفاته.

وإضافة إلى عمله في التدريس فإنه عضو مشارك في مؤسسة "شبكة الأنثروبولوجيين المعنيين التي تجمع الأنثروبولوجيين الأميركيين المعادين لاستخدام المؤسسة العسكرية الأميركية علم الأنثروبولوجيا وعلمائه في حروبها التي تخوضها في مختلف بقاع العالم.

وقد صدرت العديد من المؤلفات عن هذا الموضوع أثارت كثيرا من الاهتمام بعد اكتشاف مدى تورط علماء أنثروبولوجيا أميركيين في العدوان على العراق.

الخلفية
يوضح هذا الكتاب الكيفية التي تتمكن فيها مختلف الإدارات الأميركية من "إقناع" مواطنيها بالتطوع للخدمة العسكرية والتضحية بأرواحهم في حروبها العدوانية في مختلف بقاع العالم.

وإذا كان العوز والخوف من البطالة يدفع كثيرا من الشبيبة الأميركية للالتحاق بالخدمة العسكرية الطوعية، فإن ما يسمى "الخدمة الإلزامية" مازال قائمًا في تلك البلاد، هذا بعد انقضاء نحو ربع قرن على اختفاء ما كان يسمى "الخطر الأحمر" وما إلى ذلك من الأخطار المزعومة على "رفاه" الشعب الأميركي.

لقد لجأت كثير من دول الغرب إلى إطلاق أكاذيب لتسويغ حروبها العدوانية في مختلف بقاع العالم، والمثل الأخير كان في العراق، ومنح أفراد قواتها دوافع و"مصداقية" للتضحية بحياتهم، ومن قبل ذلك الادعاء بأن سبب دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية إلى جانب "الحلفاء" قيام القوات اليابانية بإغراق غواصة أميركية في المياه الدولية، بينما عثر على حطام تلك القطعة البحرية الحربية غارقة داخل مياه اليابان الإقليمية، وهو ما كانت الأخيرة تصر عليه.

تم السكوت عن هذا، كما العادة، ومضى مزورو التاريخ في خداعهم وتصديق أكاذيبهم، كما قال وزير الخارجية الأميركي الأسبق كولن باول معلقًا على العدوان على العراق وما نشره هو شخصيًا في تقريره أمام مجلس الأمن الدولي.

"
من الأكاذيب التي مازالت سارية إلى يومنا هذا أن ألمانيا النازية هي من بدأ بالحرب العالمية الثانية، بينما الحقيقة التاريخية هي أن بريطانيا وفرنسا هما من بادرتا بالحرب
"
ومن الأكاذيب الأخرى التي مازالت سارية إلى يومنا هذا أن ألمانيا النازية هي من بدأ بالحرب العالمية الثانية، بينما الحقيقة التاريخية هي أن بريطانيا وفرنسا هما من بادرتا لإعلان الحرب بعد قيام قوات الأخيرة بالهجوم على بولونيا، من دون أن يعني ذلك تسويغه.

هذه المقدمة مختصرة للغاية لأن الموضوع يحتاج إلى كتب كثيرة لمعالجته المعالجة التي يستحقها، لكنها ضرورية لفهم محتواه والحقائق التي يحويها، وبالتالي، رسالته.

الكتاب
نظرًا للطبيعة الواسعة لهذا المؤلف المهم، ولإنه ليس الوحيد عن الموضوع، فإننا نفضل عرض محتواه مستخدمين كلمات الكاتب من دون الدخول في تفاصيله البنيوية لأن أي قارئ مهتم يمكنه تطبيقها بمجرد النظر في الأفلام الأميركية التي تنتجها صناعة السينما الأميركية، يومًا بعد يوم، وسنة بعد أخرى.

وكذلك من خلال إلقاء نظرة على ألعاب الحاسوب أميركية (وغربية) الصنع التي تطلق كل عام في وجوه أطفال وأحداث وشباب العالم.

يقول الكاتب إن مؤلفه مجموعة من المقالات التي تشخِّص أعراض إدمان الولايات المتحدة على الحروب وأثر ذلك في المجتمع. ولا يخفي المؤلِّف أن ينتقد الأسلوب الذي أضحى فيه المجتمع الأميركي متلائمًا داخليًا مع الحرب، بما يجعل بعض الناس يستمتعون بتسلط الروح العسكرية العدوانية (Militarism)، وتحقيق الأرباح منها، وإدخالها في منظومة التربية العائلية والمدرسية والمهنية ومجالات أخرى من الحياة الاجتماعية.

كما يوضح الكتاب، عبر نظرة نقدية، عملية عسكرة (militarizing) المواطنين الأميركيين وصار يؤثر في الأبحاث العلمية والمراكز الأكاديمية والنظم السياسية والحياة الاقتصادية والثقافة الشعبية، بل وحتى يهيمن عليها، وكيف تم تجاهل تحذير رئيس الولايات المتحدة السابق الجنرال أيزنهاور الذي كثيرًا ما حذر من تأثير غير مسبوق وغير مرغوب فيه لـ"التجمع الصناعي العسكري" في المجتمع الأميركي.

المؤلف قسم الكتاب إلى جزأين، الأول (التدريب الأساس) يحوي فصلين ويتعامل مع الطريقة التي حولت القيم العسكرية العدوانية بها المعايير والمواقف الاجتماعية في المجتمع. الفصل الأول (معسكر تجسس للأطفال)، يبحث، عبر أمثلة حقيقية، في الطرق التي تم بها إعادة تشكيل منظومة التعليم ومحتواه ليناسب حاجات المؤسسات التجسسية العسكرية. الفصل الثاني (محرمات محطمة) يشرِّح عملية تحول المزاج الشعبي تجاه التعذيب [أي قبوله] بكافة أشكاله ضمن سياق "الحرب على الإرهاب".

"
ينتقد الكاتب الأسلوب الذي أضحى فيه المجتمع الأميركي متلائمًا داخليًا مع الحرب، بما يجعل بعض الناس يستمتعون بتسلط الروح العسكرية العدوانية
"
الجزء الثاني (تجنيد الثقافة)، يحلل الكيفية التي تقوم بها أجنحة في المؤسسة العسكرية الأميركية بتوظيف خبراء "المعارف الثقافية"، وخصوصًا في مجال العلوم الاجتماعية، في حروبها، وهو ما دعاه إلى عنونة الفصل الثالث (نحو أنثروبولوجيا ارتزاقية) الذي يركز على كتيب أو دليل المستخدم الخاص بالجيش الأميركي لمحاربة الانتفاضات والثورات الذي يعتمد اعتمادًا رئيسًا على أبحاث علماء الاجتماع.

الفصل الرابع (العقل العربي وأبو غريب) الذي يبحث في استخدام المحققين الأميركيين إثنوغرافيا العلماء عن العرب في التحقيقات في سجونهم بالعراق. ويشير المؤلف إلى استخدام المؤسسة العسكرية الأميركية مؤلف الكاتب الإسرائيلي رفائيل فتاي (العقل العربي) مرجعًا في كيفية التحقيق مع الأسرى والمعتقلين العراقيين، وفي سجن أبو غريب تحديدًا.

الفصل الخامس المعنون (الحقل المعرفي الإنساني/ human terrain) وهو برنامج عسكري أميركي يدخل علماء الاجتماع في دعم الحرب في أرض المعركة، يتعامل مع جذور المنظومة، وتطوره وهو برنامج رصدت له البنتاغون ميزانية مقدارها 250 مليون دولار هدفه دمج العلوم الاجتماعية بالفِرَق المحاربة في العراق وأفغانستان.

وفي الوقت الذي وافق فيه بعض علماء الأنثروبولوجيا والإثنوغرافيين على الاندماج في البرنامج العسكري للإدارات الأميركية منذ بوش الابن، عارضه آخرون احتجوا علانية وبشدة على إقحامهم في حروب الإدارات الأميركية، إما من منطلقات فكرية وخلقية، أو خشية تعريضهم هم وأنشطتهم للخطر بسبب عدهم جواسيس وعملاء ضد الشعوب المضطهَدة.

الجزء الثالث من الكتاب (توجيه التصرفات) يحوي فصلين مخصصين لتقديم عروض تاريخية بالخصوص، وهو تحليل للمناهج الأميركية والبريطانية في محاربة الثورات والانتفاضات والتحكم الإمبريالي والاستعماري في المشهد الاستعماري الجديد.

فالفصل السادس (محاربة الثورات في المستعمرات) يركز على جهود الاستعمار الأميركي في الفلبين في أعقاب الحرب الأميركية الإسبانية عام 1898 وتجربة "الحكم غير المباشر" البريطانية في المشرق العربي وأفريقيا مطلع القرن الماضي.

الفصل السابع والأخير (اللجوء إلى القبلية) مخصص لشرح الكيفية التي يستخدم فيها البنتاغون الارتباط القبلي في كل من العراق وأفغانستان لخدمة أهدافه.

أمثلة
إضافة إلى "معسكر تجسس الأطفال" الذي يهدف إلى زيادة أعداد المتقدمين للعمل في وكالة الاستخبارات الأميركية التي انتشرت في كثير من الجامعات، والذي بدأ تطبيقه في جامعة ترنتي (اللاهوت) في واشنطن العاصمة، ومن ثم توسع ليصل أعداد تلك "المعسكرات" الصيفية إلى 21 منتشرة في جامعة ولاية كاليفورنيا سان برناردينو وجامعة كارنجي مِلُّن وجامعة واشنطن وجامعة ولاية وين في متشغن وجامعة فلوريدا العالمية والجامعة اللاهوتية وغيرها، يورد الكاتب أمثلة كثيرة على مدى تغلغل فكر الروح العسكرية العدوانية في المجتمع الأميركي ومن ذلك تخصيص المؤسسات العسكرية الأميركية وتلك المتخصصة بالتجسس مقادير كبيرة من الأموال للمؤسسات الأكاديمية الأميركية لاستحداث كليات متخصصة ومراكز أبحاث ركزت في الماضي على روسيا وأميركا اللاتينية وجنوب شرقي آسيا، تكون في خدمة (المجتمع التجسسي/ Intelligence Community).

"
يورد الكاتب أمثلة كثيرة على مدى تغلغل فكر الروح العسكرية العدوانية في المجتمع الأميركي ومن ذلك تخصيص أموال كبيرة للمؤسسة العسكرية والأمنية
"
ولابد من ذكر اقتحام المؤسسة العسكرية مجالات الفن ودعمها أعمالاً فنية، ومنها سينمائية، لخدمة تنمية روح الروح العسكرية المحاربة [العدوانية] في المجتمع الأميركي، وذلك عبر المساهمة في تحمل بعض تكاليف الأفلام ومنها "الجندي جو: صعود كوبرا" و(توب غن) و(آيرُن مان). وقد صرح نائب مدير شركة بارمونت التي أنتجت الفيلم لصحيفة لوس أنجلس تايمز بأن منطلق تسويق الفيلم ليس هوليوود أو منهاتن وإنما وسط الولايات المتحدة، كما أنها تأمل في كسب جمهور أوروبي عبر وضع جزء من أحداثه في فرنسة وكسب الجمهور الآسيوي عبر منح دور رئيس لممثل كوري جنوبي. كما تعاونت الشركة المنتجة مع شركات معروفة مثل دار نشر (راندم هاوس) وسلسلة الوجبات السريعة (برغر كنج) التي قدمت وجبات "الجندي جو"، وما إلى ذلك من وسائل التضليل.

كما وجب عدم نسيان ألعام الفيديو للحاسوب وغيرها التي تنشر الروح العدوانية المحاربة بين الأطفال والناشئة، وتنمي روح تقديس العنف، حيث يورد المؤلف كثيرا من الأمثلة على ألعاب دعمت المؤسسة العسكرية الأميركية تطويرها ونشرها.

الاستنتاجات
استنتاجات الكاتب الرئيسة تتلخص في الآتي:

- قبول أو إذعان جماهيري للحضور الواسع للعسكر في المجتمع الأميركي (ثلاثة من خمسة أميركيين يؤمنون بأن خوض الحروب طبيعة بشرية بما يعني أن الميل للعدوان جزء من التطور الطبيعي للبشر).

- صعود خبراء تقنيين مطيعين واختفاء مرافق للمفكرين النقديين.

- خلع الصفة الإنسانية عن شعوب المجتمعات الأخرى.

- إيمان ساذج بـ"الاستثنائية الأميركية".

"
يقدم المؤلف عدة استنتاجات أهمها, قبول أو إذعان جماهيري للحضور الواسع للعسكر في المجتمع الأميركي
"
- سيادة المقاربة التجارية أو المعتمدة على العلاقات العامة في التعامل مع معضلات اجتماعية معقدة.

- الانحراف نحو الفكر الإمبريالي وإن تحت عناوين أخرى.

- استعداد ظاهر لدى قسم من العلماء والمتخصصين للتخلي عن المبادئ الأخلاقية.

- الاحتضان الفني والأكاديمي والثقافي لتسلط الروح العسكرية.

- هيمنة اللامبالاة والتفاهة والهروب من الواقع في حياة الأميركيين.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة