السيرة والمتخيل   
الأربعاء 7/6/1426 هـ - الموافق 13/7/2005 م (آخر تحديث) الساعة 11:41 (مكة المكرمة)، 8:41 (غرينتش)
عرض/إبراهيم غرايبة
يحوي كتاب "السيرة والمتخيل قراءات في نماذج عربية معاصرة" لمؤلفه الدكتور خليل الشيخ، أستاذ الأدب والنقد  العربي الحديث في جامعة اليرموك، عددا من الدراسات تتولى قراءة نماذج من السيرة الذاتية العربية المعاصرة، وهي سير انشغل أصحابها عن قصد ووعي بالأنا، تاريخها وسماتها وبيئتها.

- الكتاب: السيرة والمتخيل
- المؤلف: خليل الشيخ
- عدد الصفحات: 283 صفحة
- الناشر: أزمنة للنشر والتوزيع، عمان
- الطبعة: الأولى 2005
وتحكي هذه الأنا تاريخها الشخصي، ولعل أبرز سمات السيرة الذاتية تتمثل في التطابق بين السارد والشخصية الفاعلة والمؤلف، وتتوقف دراسات الكتاب عند أعمال تتوزع على بلدان عربية مختلفة بأزمان مختلفة، كما تسعى إلى الكشف عن العلاقة الحميمة التي ربطت بين السيرة وصاحبها.
 
سالمة بنت سعيد في مواجهة الشمال
تعد مذكرات سالمة بنت سعيد (1844-1924) التي صدرت تحت عنوان "مذكرات أميرة عربية" من أكثر التجارب النسائية العربية أهمية وريادة في مواجهة الغرب الأوروبي، وتشتمل مذكراتها على تحولات جذرية لامرأة عربية مسلمة غيرت اسمها ودينها، وعاشت تجارب متنوعة عبر حياة استمرت 80 عاما.
 
وسالمة بنت سعيد هي شقيقة السلطان ماجد من زنجبار، التي انحازت إلى جانب أخيها برغش في حركة تمردية على أخيه السلطان ماجد، وبعد فشل حركته وجدت نفسها في حالة عزلة، حيث كونت علاقة مع الجالية الأوروبية، ثم هربت مع شاب ألماني (هابترش روتي) إلى إسبانيا ومنها إلى هامبورغ بألمانيا، حيث تزوجا وولدت بنتين وولدا، ثم توفي زوجها مما سبب تحولا مأساويا في حياتها، وأعطى أبعادا جديدة لحياتها في الغرب.
 
"
تتحدث سالمة عن طفولتها بإسهاب، ورغم إقامتها في الغرب عند صدور مذكراتها، فإن حضور الغرب لا يكاد يذكر
"
بدأت سالمة (أميلي روتي) بكتابة مذكراتها كما بدأت محاولة العودة إلى زنجبار للحصول على ميراثها والاعتراف بها، إلا إنها فشلت مما اضطرها للاتصال بالحكومة الألمانية  التي اهتمت بحالتها للحصول على مكاسب سياسية في زنجبار تمكنها من فرض الحماية عليها.
 
وقد سافرت عدة مرات بين مدن ألمانية وإلى لندن، ثم عادت واستقرت في برلين، حيث تمكنت من زيارة زنجبار مرتين، مرة بطابع سياسي وأخرى بطابع شخصي، ثم أقامت في يافا وبيروت، وعاشت مع ابنتها في مدينة jena  حتى وفاتها ودفنها في هامبورغ.
 
تتحدث سالمة عن طفولتها بإسهاب، وبالرغم من إقامتها في الغرب عند صدور مذكراتها فترة تساوي إقامتها في زنجبار، فإن حضور الغرب لا يكاد يذكر، وتبين قراءة المذكرات صراع مسارين يتفاعلان هما: مسار الأنا ومسار الآخر.
 
ويبرز من خلال هذين المسارين دافعها للكتابة، وهو دافع نفسي، يعود إلى قرب إحساسها بالموت، وكأن العودة إلى أرض الوطن تشكل الإجابة على نواح متعددة، حيث أدت إلى تجاوز التجارب المؤلمة في الغرب، كما عقدت السيرة مقارنات شتى بين الجنوب والشمال.
 
توفيق الحكيم: ثنائية الزهرة والسجن
"
في "سجن العمر" تبدو شخصية الحكيم ذات ملمح أساسي يتمثل في تصوير أبعاد السجن وكيفية الخروج منه والتفلت من أسره
"
كانت شخصية توفيق الحكيم تتجلى في الأعمال الروائية من وراء شخصية روائية ترسم ملامح الذات وتوضح دواخلها، كما ترسم ملامح التحولات في الحياة المصرية، ثم أخذ يقارب سيرته الذاتية في "زهرة العمر" و"سجن العمر" من منظور مغاير للصعيد الروائي، فذاتية المبدع في السيرة الذاتية أكثر تشخصا وقابلية للتحليل.
 
في "زهرة العمر" يكشف الحكيم حقبة حياته الباريسية من خلال رسائل إلى صديقته "أندريه"، ويرتب رسائله زمنيا، مصورا بحثه عن الفنان الكامن في أعماقه لاكتشافه وصقله، وتبدو الحقبة الباريسية هي جنة الحكيم، انتقل بعدها إلى الشقاء بعودته، فسمى هذه الفترة بزهرة العمر.
 
أما في "سجن العمر" فتبدو شخصية الحكيم ذات ملمح أساسي يتمثل بتصوير أبعاد السجن وكيفية الخروج منه، والتفلت من أسره، والتقابل بين الزهرة والسجن هو تقابل بين عالم الحرية والانطلاق والتفتح وعالم السدود والقيود، وبين الحياة والفن.
 
وقد وصف الحكيم في "سجن العمر" الطفولة المبكرة، وسنين الصبا والشباب الأول، والشباب المتأخر والكهولة وبعض بدايات الشيخوخة. فالحكيم المصري ينحدر من جذور ريفية، وأمه ذات جذور بوغازية، والتناقض بين أبويه قد أثر على تكوينه الجسدي والخلقي، يبين قسوة الماضي، وكأن "سجن العمر" يجيب على سؤاليه ماذا حدث؟ ولماذا حدث؟
 
نجيب محفوظ ورواية التكون الذاتي
"
ظل محفوظ يتهرب من كتابة سيرته الذاتية وظلت حياته تتسم بالغموض، ولهذا جاءت "المرايا" حلا لهذا لإشكال
"
احتار الكتاب واختلفوا في تحديد الجنس الأدبي لكتاب "المرايا" (1971) لنجيب محفوظ، ويبدو الكتاب مجموعة قصصية، تدور القصة فيها حول شخصية معينة، وتبلغ في مجموعها 55 شخصية، أما الذي يتحدث عن الشخصيات ويحدد سماتها ويرسم معالمها ويجسد في أثناء ذلك معالم شخصيته فهو الراوي نفسه.
 
وتتنامى الحبكة منعكسة في مرآة الراوي، الذي يمزج الواقع بالخيال، وهي ليست مجموعة قصصية كمجموعات محفوظ الأخرى، والشخصيات مرتبة هجائيا تهربا من الترتيب الزمني، وزمانها أقرب إلى الزمن الروائي، كما أنها ليست رواية أيضا.
    
وقد ظل محفوظ يتهرب من كتابة سيرته الذاتية، وظلت حياته تتسم بالغموض، ولهذا جاءت المرايا حلا للإشكال الذي يتمثل في القدرة على البوح من جهة، والابتعاد عن مغامرة السيرة الذاتية الجريئة من جهة أخرى.
 
وجاءت مرايا محفوظ قريبة من مرايا عبد العزيز البشري في حديثه عن شخصيات عصره، وهي تكشف الشخصيات وتكشف الأنا عبر تحليلها للآخر، لأن الإحساس بالهوية يمر عبر الإحساس بالاختلاف، فـ"المرايا" هي أقرب أعمال محفوظ إلى السيرة الذاتية، ولكنها بقيت سيرة موضوعية، وهي تقترب كثيرا من رواية "التكون الذاتي".
 
وتتشكل شخصية الراوي في "المرايا" عبر المراحل الزمنية التالية: المرحلة الأولى وتمتد من الطفولة حتى نهاية المرحلة الثانوية، والمرحلة الثانية هي مرحلة الجامعة، والثالثة هي مرحلة الوظيفة والحياة العامة.
 
ولفك مغاليق "المرايا" يحتاج الباحث إلى شرطين: معرفة عميقة بحياة محفوظ، ومعرفة عميقة بعلاقاته الفكرية والإنسانية، فتبدو مثلا شخصية إبراهيم عقل هي شخصية منصور فهمي، وماهر عبد الكريم هو الشيخ مصطفى عبد الرازق، وزهير كامل هو محمد مندور، وسالم جبر هو سلامة موسى، أما عبد الوهاب إسماعيل فهو سيد قطب.

"البئر الأولى" إبراهيم جبرا
"
توضح سيرة جبرا أن عالمه الإبداعي يوزع بين البحث عما لم يكن قادرا على تحقيقه في طفولته، وإعادة توظيف ما مر به من تجارب
"
يعد إصدار جبرا إبراهيم جبرا سيرته الذاتية المتعلقة بطفولته "البئر الأولى، فصول من سيرة ذاتية"حدثا مهما لنقاد جبرا ودارسيه،  فهي تلقي الضوء على أدب جبرا الروائي والقصصي، كما تسهل مهمة الناقد في استيعاب الفنان، ومن ثم تحليل فنه.
 
ولئن كان جبرا يفصل سيرة طفولته، فقد عمد في المراحل الأخرى إلى ما يعرف بالسيرة الروائية، وخصوصا في رواياته الثلاث: "صيادون في شارع ضيق"، و"السفينة"، و"البحث عن وليد مسعود".
 
ويمكن للناظر في سيرة جبرا "البئر الأولى" أن يحصي ثلاث دلالات: سيكولوجية وواقعية ودينية، ولعل اختيار الكاتب للبئر يشير إلى عمق التجربة الدينية في نفسه، وتبين مجموعة من الأحداث المهمة في سيرة جبرا نقطة الانطلاق عنده، ألا وهي الفقر.
 
كما يسجل تطور إحساسه بالزمن عن طريق الارتباط العميق بالمكان، حيث تشكل المدرسة القيمة الكبرى في حياته، وتوضح سيرته أن عالمه الإبداعي يوزع بين معلمين رئيسيين هما: البحث عما لم يكن قادرا على تحقيقه في طفولته، وإعادة توظيف ما مر به من تجارب. 
 
منازل الخطوة الأولى
"
تتعدد مستويات الرحيل في سيرة سيف الرحبي، فثمة رحيل باتجاه أرض الأجداد، وهناك حركة الماء في الوادي، أما أكثر الحركات أهمية فهي حركة الكاتب
"
تأتي سيرة الشاعر العماني سيف الرحبي "منازل الخطوة الأولى" والصادرة عام 1992 لتقف عند ملامح طفولة الشعر، ولهذا جاءت التسمية الفرعية لهذه السيرة "مقاطع من سيرة طفل عماني"، وهذا الاختيار يعطي للطفولة ما تستحقه من وزن يتناسب مع أهميتها في تشكيل الشخصية، ورسم آفاقها وتحولاتها في المستقبل.
 
تحتفي "منازل الخطوة الأولى" بالمكان وترسم في أثناء وصفها لتحولاته تحولات ذلك الطفل الذي سماه سيف الرحبي "سعد" اتساقا مع أبعاد مكانية، فهو ينتمي إلى قرية تدعى سرور، كما تعود السيرة إلى عملية التماهي والكشف عن ماهية سعد، وترفع القناع عن وجه سيف الرحبي.
 
وتتعدد في هذه السيرة مستويات الرحيل؛ فثمة رحيل باتجاه أرض الأجداد، وهناك رحيل آخر وحركة للماء الغزير في الوادي، أما أكثر الحركات أهمية فهي حركة سعد، فهي تشي بمجملها بذات تنمو وتسعى إلى اكتشاف العالم.
 
تبدأ حركة سعد الحرة باكتشاف القرية، وتتبع جريان الوادي، كما تأتي حركته باتجاه الكتاب حركة جوهرية؛ فهي تربطه بحركة القرية الذاهبة نحو الماضي المعرفي، كما تربطه بمكتبة والده وانتهاء الكتاب بختم القرآن، حيث تنتهي فترة البراءة لتبدأ فترة التجربة بالتدريج.
 
أما حركة الرحيل الكبرى في "منازل الخطوة الأولى" فتتمثل في الرحلة إلى المدينة، وهي تجسيد لرحلة ذات مناخات أسطورية، ينتقل فيها الطفل من عالم البراءة إلى عالم التجربة والآفاق الغامضة.
 
تحولات الشخصية في غربة الراعي
"
تتنقل "غربة الراعي" بين فضاءات متعددة في فلسطين وفي بعض العواصم العربية، كما تبين أن عباس بدأ يتكون على صعيد الأدب في خطين متوازيين عاد ووحد بينهما قسريا
"
كتب إحسان عباس سيرته الذاتية "غربة الراعي" بعد حياة علمية حافلة، شكلت فيها تواليفه وترجماته وتحقيقاته إجابة على كثير من الأسئلة في مراحل مفصلية من تاريخ الأدب العربي ونقده في القديم والحديث.
 
ويتفرد عباس بأنه الوحيد الذي كتب سيرته بعد انشغال عميق بهذا الفن تمثل في مجموعة من السير النقدية لشخصيات تراثية ومعاصرة، وله كتاب "فن السيرة"، وهو هنا يتعاقد مع القارئ ليقدم أمرين: الأول هو البوح بالتجارب والذكريات الحميمة التي أسهمت في تكوين تشكيله الوجداني والنفسي والفكري، مقتربا من المناطق الحساسة. أما الأمر الثاني فهو السعى بوعي وقصدية في أثناء البوح والاعتراف إلى بناء معالم الذات وشخصيتها المتفردة، ورسم ملامحها من المنبع إلى المصب.
 
وتتدرج "غربة الراعي" زمنيا، حيث يرسم عباس ملامح الطفل في السيرة مستخدما ضمير الغائب، ويتداخل صوت السارد مع صوت الشخصية، من خلال فصلين متعاقبين يحتويان 12 مشهدا ترسم المعالم المتبقية في ذاكرة الطفل، حيث تحتفي السيرة بلحظة الذهاب إلى المدرسة، وتتجسد أكثر التحولات أهمية ببعدين هما: الحياة البسيطة في بيت الشيخ أحمد السعدي، ويتصل البعد الثاني بالينابيع الثقافية التي بدأ الفتى يتصل بها، وتسهم في تشكيل وعيه وإخراجه من عالمه الضيق.
 
وتتنقل "غربة الراعي" بين فضاءات متعددة في فلسطين وفي بعض عواصم الأقطار العربية، حيث تبدأ من عين غزال، وتمر بحيفا وعكا والقدس وصفد، وتنتقل إلى القاهرة والخرطوم وبيروت وعمان، كما تبين أن عباس بدأ يتكون على صعيد الأدب في خطين متوازيين عاد ووحد بينهما قسريا، فقد بدأ بتجربة شعرية تستوحي تقاليد الشعر الرعوي الغربي ليقوم بقراءة واقعه، كما بدأ مسارا نقديا ينطلق من الشخصية وأبعادها بالدرجة الأولى.
 
"خارج المكان" سيرة التحرر من المنفى
"
يركز إدوارد سعيد في مذكراته -غير مرة- على لحظة معرفته بالمرض، حيث قام بمجموعة من الأفعال تشير إلى ما أفرزته تلك اللحظة من تحولات في حياته
"
ليس من المبالغة القول إن سيرة المفكر إدوارد سعيد "خارج المكان" قد انبثقت في وجدانه لحظة أن أدرك إصابته بسرطان الدم، فقد تجلت هذه السيرة المكتظة بالشخصيات والأحداث والأمكنة والتجارب والتحولات في مخيلته وإن كان بدأ بها بعد ثلاث سنوات من معرفته بالمرض.
 
ومن البين للقارئ أن هذه السيرة تتبع سيرة صاحبها منذ ميلاده وحتى حصوله على درجة الدكتوراه عام 1962، وترسم في هذا المدى الزمني الذي يمتد لسبع وعشرين سنة طفولة إدوارد وشبابه، ملتحمتين بشخصيتين مركزيتين هما الأم والأب، ومتصلة بتاريخه التعليمي، وموضحة الأماكن التي عاش فيها، وعلاقته فيها ومقدار تأثيرها في تكوينه.
 
ويشير إدوارد سعيد، الباحث والمفكر الذي يعيش في الولايات المتحدة الأميركية منذ مطلع الخمسينات والمنشغل بقراءة الخطابات الفكرية والنقدية الغربية، غير مرة إلى لحظة معرفته بالمرض، حيث قام بمجموعة من الأفعال تشير إلى ما أفرزته تلك اللحظة من تحولات في حياته، وهي التفكير بالانتقال إلى بوسطن، وزيارة فلسطين بعد 45 عاما من مغادرتها مع زوجته وولديه، وزيارة القاهرة عام 1993 بعد ثلث قرن من مغادرتها.
 
وتحتفي "خارج المكان" بشخصيات خارج الأنا، مثل الأب والأم والمدرسة، حيث كان الأب يشكل شخصية متسلطة، أما الأم فهي أكثر حنوا وحنانا.
 
مدارات الذاكرة والبحث عن الطريق
"
ترسم سيرة فالح الطويل في هذه المرحلة الغنية بالتحولات سعي صاحبها لتحقيق ذاته وبلورة وجوده الفاعل
"
"مدارات الذاكرة" و"في الطريق إلى عمان" سيرة فالح الطويل الذاتية -وهو دبلوماسي أردني سابق، وعضو في مجلس الأعيان- يغطي الجزء الأول من هذه السيرة الحقبة الواقعة في أربعينيات القرن الماضي وحتى عام 1962 عندما التحق الطويل بالخارجية الأردنية، في حين يغطي الجزء الثاني الحقبة بين عامي 1962 و1994.
 
وترسم هذه السيرة في هذه المرحلة الغنية بالتحولات سعي صاحبها لتحقيق ذاته وبلورة وجوده الفاعل.
 
فعندما طلب أحد شيوخ العشائر من فالح أن يسقيه فلم يجد فالح الماء في الجرة كاد أن يوسم بأنه نذير شؤم مما جعل والده يقرر إرساله إلى حيفا حيث يعمل أخوه محمد.
وتنمو "مدارات الذاكرة" على مستوى البناء الزمني تصاعديا، فتبدأ من الطفولة لتقف عند سن 28 عاما. أما "في الطريق إلى عمان" فتكتمل المسيرة التي استغرقت مدة 32 عاما بالعمل الدبلوماسي، وتتحرك السيرة في فضاءات تعليمية مختلفة، وتذكر أسماء المعلمين والكلية وقصصهم، وترسم مقاطع حاسمة لشخصياتهم وانتماءاتهم الفكرية والحزبية.
 
وتصدر السيرة بجزأيها عن رؤية متصالحة مع العالم فيما يخص العلاقات الإنسانية، أما المصادفات فهي كثيرة، بالإضافة إلى حكايات لها تأثير واضح في رسم معالم شخصية فالح الطويل.
 
العودة إلى الهدأة.. استراحة المحارب
تتشابه "العودة إلى الهدأة" وهي السيرة الذاتية للمهندس الأردني وهدان عويس مع سيرة فالح الطويل "مدارات الذاكرة" فكلاهما كان متفوقا في دراسته، وهما أبناء ريف غادرا القرية إلى المدينة وانتميا إلى حزب البعث، درس الطويل في دمشق في حين درس عويس في بغداد، وتخلى كلاهما عن الحزب، ولكنهما لم يتخليا عن طموحهما القومي والحلم بوحدة الأمة.
 
شكلت العودة إلى دبين مسقط رأس وهدان عويس والجلوس تحت شجرة الهدأة للشروع في كتابة السيرة الذاتية علامة أساسية هامة تجلت في عنوان السيرة وفي كتابتها.
 
وتشير مرحلة طلب العلم ابتداء من جرش وأربد وانتهاء ببغداد إلى أمرين: المعاناة التي عاشها وهدان والتفوق في المراحل التعليمية المتعددة، وكان عويس حائرا بين الشيوعية والبعث، وهنا يفصل عويس سيرته الحزبية وما رافقها من أعمال، وما صاحبها من اعتقال وسجن.
 
كما يمثل القسم المعنون بـ "مع دار الهندسة" الحقبة العملية في حياة وهدان، التي اتسمت بالاستمرارية والنجاح، ويبدو أن هذا الجزء الثري على صعيد الحياة جاء بعد حادثتين هما: الانفكاك عن العمل الحزبي، والزواج.                      
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة