الحرب الكبرى تحت ذريعة الحضارة.. الإبادة   
الأحد 15/2/1428 هـ - الموافق 4/3/2007 م (آخر تحديث) الساعة 12:44 (مكة المكرمة)، 9:44 (غرينتش)

عرض/إبراهيم غرايبة
يعرض هذا الكتاب لمؤلفه الصحفي البريطاني الشهير روبرت فيسك مجموعة من المجازر وعمليات الإبادة التي ارتكبتها الدول في القرن العشرين، كمجزرة الأرمن على يد الأتراك، ومجازر الفلسطينيين على يد البريطانيين والإسرائيليين، وكالمجازر في الجزائر على يد القوات الفرنسية ثم النظام السياسي الجزائري، والمجازر في العراق على يد القوات الأميركية.

ويكشف فيسك كذلك نفاق الغرب وممارسته الإرهاب والإبادة الجماعية في الوقت الذي يتشدق فيه بالحرية والديمقراطية.

- اسم الكتاب: الإبادة..الحرب الكبرى تحت ذريعة الحضارة
- المؤلف: روبرت فيسك
- المترجم: عاطف المولى وآخرون
- عدد الصفحات: 637
- الناشر: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت
- الطبعة: الأولى 2006

 
الأرمن في تركيا
تعرض الرعايا الأرمن في الدولة التركية العثمانية بداية القرن العشرين لعمليات إبادة واسعة شملت أكثر من 1.5 مليون إنسان، فكان الآلاف وعشرات الآلاف من الرجال والنساء والأطفال يقتلون ويدفنون في الحقول والصحارى في قبور جماعية.

وقد وصف السفير الأميركي في القسطنطينية آنذاك هنري مورغانتو اليهودي ما حدث بقوله "تدل التقارير الواردة من شتى المناطق المتباعدة على أن هناك محاولة لاقتلاع الشعب الأرمني باسم الضرورة العسكرية، وغالبا ضمن مقاطعات لا يحتمل أن تجري فيها أية عمليات عسكرية".

وقد اعترف بعض الأتراك بتلك الجرائم ضد الإنسانية، ولكن تركيا اليوم تقاوم بشراسة وقوة كل محاولة لإدانة تلك الجرائم وترفض الاعتراف بها، وترفض المحاولات الغربية لإدراجها ضمن الجرائم بحق الإنسانية مثل المحرقة التي تعرض لها اليهود في ألمانيا.

وتعرّض الكتّاب الأتراك الذين تعاطفوا مع الأرمن أو انتقدوا تركيا، أو يطالبون بالاعتراف بالأحداث التي جرت باعتبارها حقيقة وقعت، للملاحقة والمحاكمة بتهمة إهانة القومية والدولة التركية.

وفي عام 2000 عندما طلب الكونغرس الأميركي من الرئيس كلينتون أن يشير في خطابه إلى الذكرى السنوية للمذبحة الأرمنية ويصفها بالإبادة، حذرت إسطنبول واشنطن من أنها ستغلق قواعدها الجوية أمام الطيران الأميركي وتلغي اتفاقيات شراء الأسلحة من الولايات المتحدة، فعدل كليتنون عن إشارته المفترضة.

الصراع العربي الإسرائيلي
يشكل الصراع العربي الإسرائيلي بدءا من الوعود البريطانية المتضاربة الصادرة بين عامي 1914 و1918 والداعية إلى استقلال البلاد العربية، ودعم قيام وطن قومي يهودي في فلسطين، حتى تأسيس دولة إسرائيل على الأرض الفلسطينية بعد المحرقة اليهودية والحرب العالمية الثانية، ملحمة مأساوية انعكست نتائجها على العالم كله.

ولا تزال هذه الملحمة تُسمم حياة المشاركين فيها فضلا عن تسميم جميع السياسات والمحاولات العسكرية في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي.

لقد صدر الدعم البريطاني لأمة عربية مستقلة عندما احتاجت بريطانيا إلى مشاركة القوى العربية في محاربة الأتراك، وصدر تصريح بلفور الذي يدعم قيام وطن قومي يهودي عندما كانت بريطانيا بحاجة إلى دعم يهودي –سياسيا وعلميا- خلال الحرب العالمية الأولى.

ولكن المشروع البريطاني للشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الأولى كان متناقضا، ولم يكن ممكنا تنفيذه إلا بالانحياز لطرف ضد آخر، وقد تحول اضطهاد اليهود في الثلاثينيات إلى مشروع دولة إسرائيلية في فلسطين "مهما كانت حقوق جماهير العرب".

"
عندما يقتل الفلسطيني إسرائيليا نعتبر القاتل شريرا، ولكن عندما يذبح الإسرائيليون الفلسطينيين تعتبر أميركا وسائر البلدان الغربية أنه يمكن النظر عمليا إلى هذه الجرائم بصفتها مآسي وسوء فهم، أو من عمل أفراد مجانين
"
وقد اعترف بذلك قائد الفيلق العربي منذ عام 1939 الجنرال جون باغوت غلوب المعروف، إذ علق على هذا الموضوع بشكل يثير المشاعر.

فقال "إن المأساة اليهودية ترجع في أصلها إلى ما قامت به الأمم الغربية في أوروبا وأميركا، وأخيراً استفاق الضمير المسيحي، يجب أن تنتهي المأساة اليهودية الطويلة عبر القرون، ولكن عندما جاء وقت دفع التعويض تكفيرا عن التقصير السابق، قررت الأمم المسيحية في أوروبا وأميركا أن تدفع الأمة الإسلامية تلك الفاتورة".

هناك قرى لبنانية كانت ضحية لقصة خيانة مزدوجة لقوات الانتداب البريطانية والفرنسية، عندما حدثت مذبحة ارتكبها الإسرائيليون عام 1923 ضد رجال تلك القرى ولم ينج منها أحد، مثل قرى "النعامة والزوق وترشيحا والخالصة والكتية واللقاس" عندما كان البريطانيون يحكمون فلسطين والفرنسيون يحكمون لبنان.

واتفقت القوتان الإمبرياليتان على تغيير خط الحدود قليلا لصالحهما، فقررت باريس أن تتخلى للندن عن أميال مربعة قليلة من لبنان كي يتوسع الانتداب البريطاني قليلا إلى الشمال ليستوعب القرى السابقة.

وكانت هناك صفقة قذرة وراء هذا الاتفاق، إذ أظهرت السجلات القديمة في بيروت أن تلك الأرض سُلمت لقاء اتفاقية عُقدت مع شركة فرنسية من أجل تجفيف مستنقعات في المنطقة للاستعمال التجاري، وقد سميت في ذلك الزمن "اتفاقية حسن الجوار".

وبعد توقيع اتفاق أسلو مع منظمة التحرير الفلسطينية اتخذ الصراع بعدا آخر قائما على التوظيف السياسي والإعلامي لقضية الإرهاب، وحشد العالم والغرب خاصة في حرب يقودها الصحفيون ورؤساء الدول خلف قضايا مثل الحرب على الإرهاب، والحرب الدائمة على الإرهاب، ومازلنا نحارب منذ عام 1914 حربا أبدية ضد عدو أبدي.

وعندما يقتل الفلسطينيون الإسرائيليين نعتبر القتلة شريرين، ولكن عندما يذبح الإسرائيليون الفلسطينيين تعتبر أميركا وسائر البلدان الغربية أنه يمكن النظر عمليا إلى هذه الجرائم بصفتها مآسي وسوء فهم أو من عمل أفراد مجانين، والفلسطينيون هم المسؤولون مبدئيا عن حدوث هذه الأعمال الشنيعة، أما إسرائيل فغير مسؤولة.

ومن خلال هذا التعتيم والإرباك رُسم للشرق الأوسط إطار نظري تبريري جديد لا يزال قائما حتى اليوم، يكون بمقتضاه كل من يعارض سياسة أميركا في المنطقة أو يعارض إسرائيل عدوا للسلام.

وتطور التطبيق الفعلي لأوسلو إلى مزيد من الحصار والتضييق على الفلسطينيين وإنكار القرار 242 لمجلس الأمن، وأصبحت عودة اللاجئين ميئوسا منها لأن إسرائيل لن تسمح لثلاثة ملايين فلسطيني بأن يعبروا حدودها.

ولا بد من تذكير فلسطينيي 1948 بأن القرى الـ400 التي نزحوا منها دمرها الإسرائيليون خلال السنتين اللتين أعقبتا رحيلهم عنها، وأن بيوتهم في معظم الحالات لم تعد موجودة.

ومنذ مؤتمر مدريد المنعقد عام 1991 زاد عدد المستوطنين اليهود المقيمين بطريقة غير شرعية على الأرض الفلسطينية من 80 ألفا إلى 150 ألفا، مع أنه بموجب اتفاق أوسلو يجب أن يمتنع الإسرائيليون والفلسطينيون عن اتخاذ "خطوات منفردة".

"
لعبت الجبهة الإسلامية للإنقاذ بأمانة البطاقة الديمقراطية والتزمت القوانين، ولكنها ارتكبت خطأ كسب الانتخابات الذي لم يكن يريده النظام ومؤيدوه الغربيون
"
حقيقة ما حدث في الجزائر
قبل 87 عاما من الإعلان البريطاني الموجه للشعب العراقي الذي يؤكد أن الجيش البريطاني جاء محررا للعراق من الاحتلال التركي، وقبل 173 عاما من غزو الرئيس الأميركي بوش ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير للعراق للأسباب عينها، تدفق الفرنسيون على الشاطئ في خليج سيدي فرج الجزائري الهادئ وهم يحملون أوهاما مشابهة، ليبدأ تاريخ الجزائر المستعمرة، الطويل والمظلم.

ويتفق معظم المؤرخين أن مجزرة سطيف عام 1945 التي قتل فيها المستوطنون الأوروبيون والدرك والقوات الفرنسية نحو ستة آلاف مسلم انتقاما لقتل المسلمين 103 أوروبيين، ساعدت على اندلاع الصراع الأساسي من أجل الاستقلال.

ويزعم بعض الجزائريين أن 1.5 مليون جزائري قتلوا خلال السنوات الثماني من ثورة نوفمبر/تشرين الثاني اتحريرية التي اندلعت عام 1954 وانتهت عام 1962.

وفي باريس مات الجزائريون بالمئات عندما احتجوا في أكتوبر/تشرين الأول 1961 على حظر التجول الذي فرضته عليهم الشرطة، فهاجمتهم بوحشية وقتلوا أكثر من 300 منهم، وأُلقيت جثثهم في اليوم التالي في نهر السين.

وادعى الفرنسيون أن ذلك صراع حضارات، وكانوا بالطبع مخطئين، فقد كانوا يحاربون ضد ثورة وطنية في الجزائر، كما وجد الأميركيون أنفسهم يحاربون ضد ثورة وطنية في العراق.

لكن المضمون الإسلامي لحرب الاستقلال 1954-1962 تم تجاهله منذ وقت طويل، على الأقل من قبل الحكومة الجزائرية التي وجدت نفسها تحارب عدوا إسلاميا في التسعينيات.

وجد الشاذلي بن جديد نفسه في مواجهة ضغط من أجل الإصلاح، لم يكن مختلفا عما واجهته السلطات الفرنسية قبل حرب الاستقلال، وعندما ألغى العسكريون الجولة الثانية من الانتخابات الوطنية عام 1992 بعد جولة أولى أظهرت أن الجبهة الإسلامية للإنقاذ ستكسب، كان هذا القمع للديمقراطية مثيرا للسخرية في كل تفاصيله، كما كان الفرنسيون يزورون انتخاباتهم في الجزائر.

ثم جرى إقصاء الرئيس الشاذلي من قبل الجنرالات، وحظر الجبهة الإسلامية للإنقاذ، لتبدأ حرب عصابات بالغة العنف.

كان مؤيدو الجبهة الإسلامية يشرحون سبب غضبهم ببساطة، لقد شجعوا على المشاركة في الانتخابات، وردد الغرب أن السلطة تأتي عبر صناديق الاقتراع أكثر منها عبر الثورة إسلامية أو غير إسلامية.

وقد لعبت الجبهة بأمانة البطاقة الديمقراطية والتزمت القوانين، ولكنها ارتكبت خطأ كسب الانتخابات الذي لم يكن يريده النظام ومؤيدوه الغربيون.

أقصى الجيش الشاذلي عن الرئاسة وأعلن أن مجلس رئاسة مؤلفا من خمسة رجال بمن فيهم الجنرال القوي خالد نزار سيدير البلاد، وبيأس استدعت السلطات بطلا من الماضي عاد من المنفى لقيادة الجزائر في وقت الحاجة.. عاد محمد بوضياف وهو من قدامى حرب الاستقلال وأحد مؤسسي جبهة التحرير الوطني، إلى الجزائر.

وعندما قُتل بوضياف يوم 29 يونيو/حزيران 1992 فهمنا ذلك جميعا بشكل خاطئ، فقد قتل على يد أحد حراسه الملازم لَمبارك بومعرافي، وأصبح شائعا الآن في الجزائر ربط اغتيال بوضياف بالمافيا، وهي عبارة غامضة اسُتخدمت للإشارة إلى الطبقة الاجتماعية والسياسية التي اغتنت على حساب الوطن أثناء حكم الشاذلي طيلة 12 عاما. أما السيدة بوضياف فقالت إنها لم تعتقد للحظة واحدة أن جبهة الإنقاذ قتلت زوجها.

كان موت بوضياف اللحظة التي أصبحت فيها حرب الجزائر وحشية، وخلال سنتين حصلت مأساة واسعة غير مصرح عنها في أنحاء البلاد،  طبيعتها معروفة جدا، لكن أبعادها ازدادت بشكل مرعب يوميا مع إراقة الدماء على مستوى لا مثيل له منذ الاستقلال عن فرنسا.

وبحلول عام 1994 سجلت رسميا أربعة آلاف عملية قتل، وكانت مناطق واسعة من الجزائر تسقط كل ليلة تحت سيطرة تنظيم عسكري متماسك جدا.. "الجماعة الإسلامية المسلحة".

"
الأشخاص المشتبه بهم في ارتكاب جرائم حرب أصبحوا يعملون مع الأميركيين، وأعلنت وزارة الدفاع الأميركية أن هذا التعاون العسكري مع الجزائر جزء من الحرب على الإرهاب
"
لم يكن التمرد الإسلامي محتكرا للقتل، ففي أواخر 1993 كانت مجموعة حقوق الإنسان الجزائرية أول من أعلن أن الحكومة تستخدم فرق الموت في صراعها ضد الإسلاميين.

ومع توالي سنوات الدم كانت قوات الأمن الجزائرية شديدة التورط في الفظائع أكثر مما تستطيع تصوره، وقامت بالفعل بتنفيذ بعض المجازر المتفرقة التي وجهت اللوم فيها إلى الإسلاميين.

ورغم ذلك كانت النتائج تُنشر دائما بشكل مرعب، وفي قرية واحدة على سبيل المثال ذُبح 349 جزائريا معظمهم من النساء والأطفال، وشهد المتطوعون الذين شاركوا قوات الجيش في الحرب على "الإرهاب" أنهم وجدوا لحى مُزيفة وعطورا يستخدمها الإسلاميون، وتساءلوا من هم القتلة وماذا يفعل الجنود بهذه اللحى؟

وعندما نشر ضابط القوات الخاصة الجزائرية السابق لحبيب سويدية (انظر عرض الكتاب في الجزيرة نت) كتابه "الحرب القذرة" في باريس عام 2001، كان يفترض أن يحدث كارثة، وقد عرف الفرنسيون صحة ذلك، كما عرف قرّاء ذي إندبندنت البريطانيون أن الجزائريين الذين تحدثوا بشجاعة قالوا الحقيقة.

وفي عام 2004 دعت منظمة العفو الدولية إلى تحقيق حول اكتشاف 12 مقبرة جماعية على الأقل في الجزائر منذ عام 1998 لتبيان الحقيقة حول هذه المجازر، ولكن العالم تجاهل دعوة المنظمة، وفي الوقت نفسه بدأت القوات الخاصة الأميركية عملياتها في الصحراء الجزائرية الجنوبية ضد القاعدة، بالتعاون مع القوات الجزائرية.

وبات الأشخاص المشتبه بهم في ارتكاب جرائم حرب يعملون مع الأميركيين للقضاء على أولئك المسؤولين عن جرائم ضد الإنسانية، وأعلنت وزارة الدفاع الأميركية أن هذا التعاون العسكري جزء من "الحرب على الإرهاب".

الحرب من أجل بحيرة النفط
كان بوش الأب يريد إنهاء الاحتلال العراقي للكويت، ولكنه لم يكن متحمسا لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وغزة، وشعر الصحفيون أن العراقيين لم يُعاقبوا بشكل كاف وسعوا إلى تحريف سجل الحرب لإثبات ذلك.

فرأوا أن تحرير الكويت الذي تم في أربعة أيام فقط شكل مجمل النزاع!! وتناسوا الأربعين يوما وليلة التي أمطرت فيها القوات الأميركية العراق بنحو 80 ألف طن من المتفجرات، أي أكثر من القصف التقليدي لأوروبا في الحرب العالمية الثانية.

لكن مرت فترة طويلة قبل انتهاء الحرب للحديث عن مجزرة كاملة ضد القوات العراقية الهاربة، والتخلي عن الثورة التي قامت ضد النظام السياسي بقيادة صدام حسين، وثبت بعد سنوات قليلة أن التقارير الصحفية عن الحرب في العراق كانت مليئة بالعيوب بقدر العيوب التي صاحبت أداء الجنرالات الأميركيون.

وبينما كان البريطانيون والأميركيون يحتفلون بفرح غامر بالنصر، كانت جثث عشرات الآلاف من الجنود العراقيين يلقى بها في مقابر جماعية مجهولة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة