أنظمة في وجه الإعصار   
السبت 1432/8/2 هـ - الموافق 2/7/2011 م (آخر تحديث) الساعة 13:39 (مكة المكرمة)، 10:39 (غرينتش)

عرض/ مصطفى فؤاد

يعد هذا الكتاب محاولة لقراءة الظاهرة التونسية وانعكاساتها على المحيط الإقليمي (العربي الإسلامي)، كما يعد محاولة لفهم ما يجري من تحولات في عالمنا العربي والإسلامي، في ضوء "ثورة الياسمين" بتونس، كنموذج دفع باتجاه تعرية الأنظمة القائمة.

-الكتاب: أنظمة في وجه الإعصار (ثورة تونس نموذجا)
-المؤلف: أبو جرة سلطاني
-عدد الصفحات: 334
-الناشر: الشروق للإعلام والنشر، الجزائر
-الطبعة: الأولى 2011 
ويقدم هذا الكتاب قراءة سوسيوبوليتيكية تربط الاجتماعي بالسياسي بالنفسي بالاقتصادي بالثقافي بالتاريخي، لتصل إلى أغوار من أشعل فتيل الثورة في سيدي بو زيد، ثم إلى من صبّوا عليها زيت الاستمرار والاتساع لتغطي كل مدن تونس وقراها ثم تزحف على قصر قرطاج.

وقد قسم المؤلف كتابه إلى مقدمة ومدخل وثلاثة عشر فصلا وخاتمة، تناول في المقدمة إشكالية ما حدث، ثم بسط في المدخل تاريخية الحزب الدستوري الحاكم في تونس منذ نشأته 1920م إلى يوم سقوط بن علي.

لعنة "رئيس مدى الحياة"
يقرر المؤلف أن الفرق الوحيد بين مرحلة بورقيبة ومرحلة بن علي هو أن الأول حول تونس إلى "ملكية خاصة" لشخصه، فسماها "تونس البورقيبية"، وصار هو نفسه الحزب والحكومة والنظام والبوليس والدولة والشعب، بل صار "تونس".. أما الثاني فحول تونس إلى "مقاولة ذات أسهم" للعائلة الحاكمة والأصهار والحواشي، تملك فيها هذه العائلة 51% هي أرصدة الزمرة الحاكمة وبطانة الرئيس و"ملكة قرطاج"، وتملك فيها جهات أخرى أسهما لا تتجاوز 49%.. هي مجموع أسهم رموز الحزب وقيادات الأمن، والبوليس السياسي، وبعض من ساقهم الحظ ليكونوا من كبار رجال شرطة النظام العام، أو مهرجي السلطان و"شعراء البلاط"... أما الشعب فكان خارج منطقة التبادل الحر.

الخبز نعم.. لكن الكرامة أولا
عن الخطأ الإستراتيجي الذي وقع فيه بن علي، يوضح المؤلف أنه ربط الاقتصاد التونسي بدورة الاقتصاد العالمي عامة والأوروبي خاصة، واقتصاديات البلدان الثلاثة الرخوة في الاتحاد الأوروبي (إسبانيا وإيطاليا والبرتغال)، فلما تحولت الأزمة المالية العالمية إلى أزمة اقتصادية تعرت هذه الكيانات وتوسعت تداعيات الأزمة على الجبهة الاجتماعية، فظهرت عيوب ربط "خصوصيات" الشرق بتقاليد الغرب.

ولعل هذا العامل الاقتصادي هو الذي جر وراءه عوامل أخرى لها صلة بالخبز والكرامة معا، ولها علاقة بالسياسة والحريات في آن واحد.. فالفقر والبطالة و"الظلم الرسمي" إذا طالت آمادها ولدت ثورة.

ثورة الاتصال وحزب "فيسبوك"
"
طوت وسائل الاتصال الحديثة الزمن واختزلت المسافات وأسقطت الأقنعة وعرّت هراوات الأنظمة القمعية، وصار لكل شعب "ساحة تحرير"
"
لقد طوت وسائل الاتصال الحديثة الزمن واختزلت المسافات وأسقطت الأقنعة وعرّت هراوات الأنظمة القمعية، وصار لكل شعب "ساحة تحرير".

فقد كان الزمن القديم مغلقا، فجاءت ثورة الاتصال لتفتح المغاليق، وتحل المجاهيل. وصار التوثيق متطابقا مع الزمن الحقيقي للحوادث عن طريق البث المباشر.

إن النظام الذي يطمع في تكميم أفواه مواطنيه في زمن الاتصال وعصر الإنترنت والأقمار الصناعية، إنما يدفع "ضحاياه" إلى التجمع ومراكمة أحقاد التهميش والحرمان وهيكلتها بأشكال مختلفة، ليشكلوا بذلك أعظم حزب هو حزب الغاضبين على النظام (حزب الفيسبوك).

بين حب الشعب ورعب البوليس
يشير المؤلف إلى أن السلطة الحاكمة في تونس –وكذلك مصر- راهنت على قوات الأمن وقوات مكافحة الشغب وأجهزة المخابرات لردع الحركة الاحتجاجية. لكن الذي فات أجهزة الرصد المحلية والعالمية هو أن الذي حدث في تونس كان استثناء عربيا غير مسبوق وغير تقليدي، فقد تميز بعشر ميزات أساسية، هي:

1- البداية الدرامية في مشهد الحرق.

2- تطوير المطالب من المناداة بالحقوق الاجتماعية العامة إلى الحريات، والديمقراطية، والشؤون السياسية إلى المطالب برأس الزعيم.

3- الوعي بالمحيط العام وبتحديات العولمة.

4- القدرة على تشكيل قنوات اتصال فردية ومراسلين متطوعين من قلب الحدث.

5- السرعة في التجمع وتطوير الشعار والتفاعل مع المستجدات.

"
تطورت المطالب من المناداة بالحقوق الاجتماعية العامة إلى الحريات والديمقراطية والشؤون السياسية إلى المطالب برأس الزعيم
"
6- البعد عن الزعامة الفردية والكاريزما والبطولة.

7- القدرة على حبس أنفاس المتابعين والمراقبين في تونس.

8- الاعتماد الكلي على الشعب.

9- الاكتفاء الذاتي، وتولي المواطنين أنفسهم حراسة الممتلكات العامة والخاصة.

10- اتساع رقعة الاحتجاج بتوافر الطاقات البشرية الكافية لتشتيت جهود قوات الأمن.

من يملك زمام المبادرة؟
عندما أضرم البوعزيزي النار في جسده ليخرج من حالة الحصار التي ضربها عليه نظام أحادي، لم يكن يحلم أنه بهذا الصنيع سوف يؤسس لنظرية سياسية جديدة تبدأ بجمرة وتنتهي بثورة، تنتقل نارها من قرية منسية (سيدي بوزيد) إلى قصور الرئاسة، ومن جسم نحيف أحرقه الظلم والطغيان إلى قلوب ملايين المحترقين بنار الاستبداد والمكتوين بجمر الفقر والبطالة والتهميش.

الآن فهمتكم
ما قاله الرئيس بن علي رسميا في آخر "خرجة" رسمية له قبل أن يغادر تونس هو خلاصة الدرس المر الذي لا يمكن أن ينساه كل من له "بطانة" فاسدة.. لقد اعترف في لحظة ضعف بشري بأن محيطه "غالطه"، وأن التقارير التي كانت تصله مغلوطة ومفبركة، وأنه ليس شمسا تشرق على الجميع، وأن من استخدموا الذخيرة الحية ضد الشعب سوف يحاسبون ... إلخ.

وفي ضوء فهمه لما حدث في تونس، يقول المؤلف إن ما حدث في تونس كان نتيجة طبيعية لممارسة نظام صغر رأسه وتضخم جسده، وامتدت أطرافه فأصابه الكساح، نظام كان يتحرك بسرعتين متفاوتتين:

- سرعة سياسة متباطئة منغلقة على نفسها تحكمها بطانة فئوية، قطعت صلتها بجسمها وبامتداداتها الشعبية.

"
ما حدث في تونس كان نتيجة طبيعية لممارسة نظام صغر رأسه وتضخم جسده، وامتدت أطرافه فأصابه الكساح
"
- وسرعة ثقافية متسارعة منفتحة على عصر الإنترنت وويكيليكس، كانت تبحث عن رأس بل كانت تبحث عن وجه تونس الحقيقي، وبهذا فقد رأس الدولة عقله وانسجامه وتوازنه ومناعته المكتسبة جماهيريا، لما فقدت السياسة صلتها بالمثقفين، وأدار النظام وجهه تلقاء الغرب، وتنكر لكل ما هو من مكونات تونس الخضراء.

كل الطرق تؤدي إلى سيدي بوزيد
إن ما حدث في تونس وما جاء تاليا له بعد أقل من شهر في مصر لا يمكن أن يكون جملة اعتراضية في علاقة الشعوب بحكامها، كما لا يمكن أن يمر مرور الكرام، لأن طبيعة الشعوب العربية متشابهة والظروف فيها مهيأة لتكرار سيناريو تونس، واستنساخ "كتالوغ" مصر، إذا وجدت هذه الشعوب من يوقد الشرارة أو من يعلق الجرس، ذلك أن تونس كانت نموذجا للاستقرار يفاخر به الغرب في الديمقراطية والانفتاح والتنمية، ومكافحة الأصولية والمسالمة والحداثة والتحرر بمعناه الغربي.

فك رموز الرسائل المشفرة
ويمكن أن نلخص الرسائل التي بعثت بها ثورة الياسمين في خمس نقاط جوهرية:

أولاها: أن النظام إذا فسد جهازه الأمني يصبح كله فاسدا، وأن سياسة فصل رأسه ومحاولة تركيب رأس جديدة على جسد فاسد هي محاولة يائسة لسرقة الثورة من أصحابها.

ثانيتها: أن الأسرة الدولية يصيبها الذعر الأمني إذا قاد الحركات الاحتجاجية تيار إسلامي، خوفا من أن توصله موجة الجماهير إلى سدة الحكم.

"
الأسرة الدولية يصيبها الذعر الأمني إذا قاد الحركات الاحتجاجية تيار إسلامي خوفا من أن توصله موجة الجماهير إلى سدة الحكم
"
ثالثتها: أن أشكال النضال التقليدي قد انتهت صلاحيتها، وأن ثورة الاتصال يمكن أن تسقط نظامها، وتعيد الأمل لشعب مقهور.

رابعتها: أن لغة القمع لم تعد تجدي أصحابها، وأن الأنظمة البوليسية مآلها إلى زوال، وأن احتياجات الشعب الغاضب هي السلاح الأمضى الذي يملك أن يفجر كل الحصون التي تتترس بها الأنظمة الأمنية.

خامستها: أن الفجوة الاجتماعية كانت واسعة منذ بداية الاستقلال وميلاد الحكومات الوطنية بين الأنظمة وشعوبها.

الجيل الجديد والنظام المتخندق
الجيل الجديد من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين (15 و35 سنة) هو جيل "الإنترنتية"، و"الفيسبوكية"، و"التويترية"، و"الويكيليكسية"، هو جيل "الغوغلية"، والتواصل الإعلامي، جيل لا تهمه السياسة إلا بمقدار ما يقدمه له الساسة من خدمات، ولا يعرف النظام إلا من خلال قدرته على توفير فرص الشغل، وتهيئة الإطار المعيشي الكريم الذي يشعره بحريته وكرامته، ولا ترهبه قوات الأمن ورجال المخابرات، لأنه لم يشارك في ثورة ولم يتآمر على وطن.

"
الدولة المنغلقة لم تكن قادرة على صيرورة العصر، والأنظمة المتخندقة لم تعد قادرة على حماية نفسها وكتمان أسرارها أمام ثورة الاتصال
"
فالدولة المنغلقة لم تكن قادرة على صيرورة العصر، والأنظمة المتخندقة لم تعد قادرة على حماية نفسها وكتمان أسرارها أمام ثورة الاتصال والحكومات الأنيقة التي لا يرى الشعب وزراءها إلا على شاشات التلفزيون صارت شيئا من الماضي، والأحزاب التي تتسول الأصوات في الحملات الانتخابية ثم تختفي لم تعد عملتها قابلة للتداول في سوق الشباب.

سقط النظام.. فماذا بعد؟
إن الوضع في تونس بعد الثورة وبعد سقوط النظام صعب، وإن كل حل تدفع إليه الأحداث وتحرسه الثورة له ما بعده، ففي كل الأحوال هناك أربعة احتمالات للخروج من حالة الفراغ الذي ينشأ عادة عن هروب رئيس أو سقوطه أو تنحيته:

أفضلها: بعد كل انتصار لا بد من طي صفحة الماضي وتشكيل مجلس تأسيسي أو مجلس حماية الثورة ومكاسبها أو تأسيس لجنة حكماء قد تكون حكومة انتقالية.

أوسطها: تعيين حكومة جديدة ترأسها شخصية حيادية تحظى بالقبول العام أو بشبه إجماع وطني.

أضمنها: تسلم المؤسسة العسكرية التي لا تتورط في القمع ولا تزال تحظى باحترام الشعب زمام المبادرة فتستثمر حالة القبول والرضا العام وتتعهد بأن يدير الجيش مؤقتا شؤون البلاد لمدة لا تتجاوز سنة على الأكثر.

أدناها: التمسك بحرفية الدستور القديم مؤقتا في المرحلة الانتقالية، واستمرار فترة رئيس المجلس الوطني في الحالة التونسية لمدة 60 يوما، حسب الدستور.

نظام من ورق
يرى أبو جرة سلطاني أن المطالب تغيرت فجأة من الحق في العمل إلى واجب رحيل رموز الحكم، وبسرعة سقط نظام تونس، وفجأة فر الرئيس.. هكذا حدث التحول في تونس، من المطالبة بالحق في العمل إلى المغالبة على إسقاط النظام وقطف رأس الحاكم بالضربة الاحتجاجية القاضية في فترة زمنية وجيزة تحركت خلالها جحافل الغاضبين من كل أنحاء تونس، تطالب بحقها في إنهاء نظرية "رئيس مدى الحياة"، وقد تحقق لها ذلك بأسرع مما كان يتوقع المحتجون أنفسهم، فتهاوى النظام الورق وهرب الرئيس... هذه هي خلاصة الأنظمة الورقية.

"
ما حدث في تونس لم يكن نضالا تقليديا كلاسيكيا، ولا حركة تمرد، بل هو إعصار جماهيري كاسح، أسقط نظاما بوليسيا، وأسس لميلاد نمط جديد من المقاومة
"

التلذذ بقطع رأس التنين
وقد علمتنا التجارب أن الأنظمة الشمولية ليست مجرد أجهزة عاملة إذا تعطلت يمكن أن يتم إصلاحها أو استبدال ما هو أفضل منها أو مثلها بها، وإنما هي أكبر من ذلك وأعمق وأعقد.. إنها "أنساق ثقافية" تشبه خرافة "الثعبان السبعي" في أسطورة التنين ذي السبع رؤوس كلما أسقط الشعب رأسا برز له آخر، فإذا انتهى من قطعها جميعا تفاجأ بأن أماكن الرؤوس المقطوعة قد أنتجت، العبرة من هذه الأسطورة هي التحذير من النشاط العبثي والاكتفاء بنصف ثورة.

وعموما، فإن ما حدث في تونس لم يكن نضالا تقليديا كلاسيكيا، ولا حركة تمرد، بل هو إعصار جماهيري كاسح، أسقط نظاما بوليسيا، وأسس لميلاد نمط جديد من المقاومة السلمية المحلية، كما أعطى مفهوما واقعيا جميلا لمنطوق "العصيان المدني" تجاوز به القائمون عليه كل التوقعات في تلقائيته وانسجامه وتنظيمه واتساع دوائره، وتواصله مع العالم وخلوه من جميع الأصباغ "الأيديولوجية" التي كانت تتنازع أطراف الثوب عند اقتراب لحظة النصر.. والفضل فيما حدث في تونس يعود إلى ثورة الاتصال.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة