محنة الدنيا والدين في مصر   
السبت 21/1/1435 هـ - الموافق 23/11/2013 م (آخر تحديث) الساعة 17:09 (مكة المكرمة)، 14:09 (غرينتش)

عرض/هيثم أبوزيد
يتناول جلال أمين في هذا الكتاب طبيعة العلاقة بين الدين والدنيا، وما يجب أن يكون عليه "الحجم الطبيعي" للدين في الحياة، ومدى أثر هذه العلاقة على المجتمع المصري والثورة المصرية، وكيف يمكن للاضطراب والخلل في هذه العلاقة أن يحول الدين من قوة دافعة للنهوض والتقدم، إلى عقبة تحول بين المجتمع وآماله في الرقي والازدهار، أو محنة تكبل الجماهير وتصادر تطلعها لمستقبل أفضل.

- العنوان: محنة الدنيا والدين في مصر
- المؤلف: جلال أمين
- عدد الصفحات: 170
- الناشر: الشروق – القاهرة
- الطبعة: الأولى، 2013

ويرصد المؤلف الجذور التاريخية لمحنة الدنيا والدين في المجتمع المصري، ويحلل علاقة الدين بكل من الديمقراطية، ومبدأ الأغلبية والأقلية، ومفهوم التحديث، ومدى إمكانية إقامة نهضة حقيقية في مصر في ظل العلاقة الملتبسة بين الدين والسياسة، وأثر "الفكر الاستهلاكي" على الدين، ثم أثر كل ذلك بالتطور الكبير الذي طرأ على نظرة المصريين للعلاقة بين الدين والدنيا.

الإسلاميون ومفهوم الأغلبية
يرى المؤلف أن التيار الإسلامي في مصر، اختصر الديمقراطية في شكلها الإجرائي، وبالأخص في مفهوم الأغلبية والأقلية، وحق الأغلبية في اتخاذ القرار.

ومع الإقرار بأصل المبدأ، يتوقف المؤلف أمام تمتع الأحزاب الدينية في نشاطها السياسي، ودعايتها الانتخابية بميزة كبرى لا يتمتع بها غيرها، وتتمثل في استعداد قطاعات واسعة من الجماهير للاستجابة لأي خطاب سياسي، مادامت مرجعيته إسلامية، بينما يعاني المنافسون السياسيون من خطر انصراف الناس عنهم، لخلو خطاباتهم مما يدل على المرجعية الإسلامية، ومن الاستشهاد المستمر بالنصوص الدينية، مهما كانت درجة النبل في مواقفهم السياسية والاجتماعية، بل حتى ولو كانت هذه المواقف تتفق تماما مع الأهداف العليا للدين الإسلامي.

وفضلا عن اختلال ميزان التنافس السياسي، يرى المؤلف أن الفوز بأغلبية الأصوات لا يكفي لانفراد التيار الفائز بالقرارات المهمة، لأن نتيجة الاقتراع لها مقدمات وأسباب سياسية واجتماعية ودينية ومادية، قد لا تجعلها انعكاسا حقيقيا لقوى المجتمع.

فلا يمكن مثلا تجاهل أن النساء يشكلن نصف عدد السكان تقريبا، حتى لو كان عدد الفائزات في الانتخابات محدودا، كما لا يمكن غض الطرف عن كون الأقباط يشكلون نسبة معتبرة من المجتمع لا تنعكس في نتيجة الاقتراع.

ويتوقف المؤلف طويلا أمام مفهوم حرية الاختيار، ومدى تحققه في عمليات الاقتراع المتكررة في ظل سطوة وسائل الإعلام والدعاية، مع الزعم بأن الشعب هو السيد، وأن القرارات تتخذ بجمع الأصوات، وأن الفرد هو الذي يختار حكامه، ويفرض إرادته بكل حرية في ميدان السياسة.

يرصد المؤلف الجذور التاريخية لمحنة الدنيا والدين في المجتمع المصري، ويحلل علاقة الدين بكل من الديمقراطية، ومبدأ الأغلبية والأقلية، ومفهوم التحديث، ومدى إمكانية إقامة نهضة حقيقية في مصر في ظل العلاقة الملتبسة بين الدين والسياسة
ويؤكد المؤلف أن هذه الحرية الإجرائية مجرد أكذوبة، تشبه تماما أكذوبة حرية المستهلك في اختيار أكثر السلع تحقيقا لمصلحته، رغم سطوة الشركات العملاقة بالدعاية والإعلان.

الثورة ومعضلة التراث
ويتناول المؤلف مشكلة التعارض بين التراث والتحديث، والتي ظلت وطأتها خفيفة نسبيا حتى سنوات الربع الأخير من القرن العشرين، لأسباب تتعلق بحجم الطبقة الوسطى التي ترفع لواء التحديث وتعبر في الوقت عينه عن موقف متزن من التراث، مما مكن التفكير التراثي التقليدي من الصمود، لاسيما مع بطء عملية التحديث، وأيضا البطء النسبي في أساليب الاستهلاك.

ومع قيام ثورة 1952، فرض النظام الناصري عزلة على مصر بسبب النظام الاقتصادي الذي بدأ في تطبيقه، ورغبته في حماية صناعاته الجديدة من المنافسة الخارجية، كما أن وزير الثقافة الأشهر في تلك الحقبة، ثروت عكاشة، حرص على الجمع بين التحديث والحفاظ على التراث، فشجع فرق الموسيقى الكلاسيكية الغربية مع الفرق الشعبية، وأعطى زخما كبيرا لترجمة الكتب الغربية إلى جوار إعادة طبع كتب التراث.

ويرى المؤلف أن السؤال الأهم المطروح على الثورة المصرية الآن، ومع إشكاليات التعامل مع التيار الإسلامي، هو: كيف يمكن للمصريين أن يبدؤوا صفحة جديدة للتحديث مع أقل مساس ممكن بتراثهم وتقاليدهم ودون أن يكون التراث قيدا على حركة المجتمع وتقدمه؟

ويرصد المؤلف الزيادة المضطردة لأجواء الاستهزاء بالفنون والآداب، ومطاردة الكتاب والمفكرين أمام القضاء، ومواجهة أصحاب الرأي بتهمة ازدراء الأديان.

ومع إقراره بأن مصر عانت من هذه الممارسات طوال سنوات حكم حسني مبارك، إلا أنها زادت كثيرا بعد ثورة يناير/كانون الثاني، ثم زادت أكثر بعد وصول الإسلاميين إلى السلطة، لكن المؤلف يرى أن المسؤولية لا تقع على حكم الإسلاميين، بقدر ما تقع على "الدولة الرخوة"، والتطورات التي يمر بها المجتمع المصري، بشأن الموقف من التراث.

كما يلتقط المؤلف مشاهد انشغال المجتمع المصري بقضايا ليست من الأولويات بأي حال، كقضية "الضباط الملتحين"، أو تطاول داعية ديني على ممثلة سينمائية مشهورة، وإصداره أحكاما وألفاظا شديدة القسوة تجاهها، أو تصريح مستشارة للرئيس السابق تعبر فيها عن رأيها في مسألة ختان الإناث بما يتعارض مع ما استقر عليه رأي خبراء مرموقين في الدين والطب، أو الانشغال بمدى ربوية قرض رغبت الحكومة في أخذه من صندوق النقد الدولي، أو ردود الأفعال المتشنجة تجاه فيلم مسيء للإسلام أنتج في الولايات المتحدة الأميركية، ويخلص إلى أن مثل هذه المشاهد لا يمكن أن تصدر عن أمة ترى أنها على أبواب نهضة منتظرة.

الدين والمجتمع الاستهلاكي
ويتناول المؤلف التغييرات التي طرأت على المجتمع المصري بعد تبني سياسات الانفتاح الاقتصادي من قبل الرئيس الأسبق أنور السادات، وكيف رسخت هذه السياسات عبر عقود لأنماط من العيش والتنافس اللاهث، فالمجتمع الاستهلاكي يضع ما يحوزه المرء من سلع في مكانة كبيرة، مما يستتبع ذلك من تنافس وتدافع يضحي خلالهما الفرد ببعض القيم الأخلاقية والجمالية التي كانت تحتل مكانة أعلى.

فالمجتمع الاستهلاكي يضر بالثقافة والهوية، ويمحو السمات الخاصة بكل أمة، ويتعامل بخفة واستهتار مع اللغة القومية، والأزياء والتراث الموسيقي والأدبي، والطراز المعماري السائد، ومعاهد التعليم، والتاريخ والآثار، لأنه يحول كل شيء إلى سلعة لها ثمن مادي.

وبالرغم من أن هذا الوضع التنافسي الذي يقدم الجوانب المادية على القيم والأخلاق هو بالضرورة وضع يتعارض مع جوهر الدين، إلا أن التيار الإسلامي انشغل بقضية الهوية عن مواجهة ثقافة الاستهلاك التي تجتاح المجتمع، وهو ما اعتبره المؤلف قصورا كبيرا في إدراك قضية الهوية ووسائل الدفاع عنها، مع الإقرار بأن بعض المفكرين الإسلاميين الذين اعتنقوا الماركسية في الخمسينات والستينات كان لهم إسهام أكثر نضجا من التيار الإسلامي الحركي.

ويؤكد المؤلف على أن الشعور الديني لا يكفي وحده لمواجهة الفكر الاستهلاكي الذي يجتاح المجتمع، فالدين مؤثر هام، لكنه ليس المؤثر الوحيد، فهناك مشاعر القومية، واللغة، والتراث الشعبي، والفنون وغيرها، وتجاهل كل هذه العناصر كي يكون الدين هو السلاح الوحيد في مواجهة المخاطر إضعاف لمناعة المجتمع، وهدم لحصونه الراسخة.

أرجع المؤلف جذور المحنة التنموية إلى أكثر من قرن ونصف، بعدما ضربت تجربة محمد علي الواعدة في التصنيع والزراعة والتعليم عام 1840، بينما أرجع بدايات الانقسام في الموقف إزاء الدين إلى عشرينات القرن المنصرم، عندما فجر كل من علي عبد الرازق وطه حسين المشكلة بكتابيهما الشهيرين: "الإسلام وأصول الحكم"، و" في الشعر الجاهلي"
ويبدي المؤلف دهشته من أن قادة التيار الديني في مصر ورغم تأكيدهم المستمر على التمسك بالهوية، يبدون أكثر استجابة من غيرهم لبعض مظاهر المجتمع الاستهلاكي، بل والانغماس في مظاهره وترفه.

جذور المحنة

ويخصص المؤلف خاتمة كتابه لرصد الجذور التاريخية لمعاناة المصريين مع ما يسميه "محنة الدنيا" والتي تدور بالأساس حول مشكلة التنمية والاقتصاد، ومعاناتهم مع "محنة الدين" المتمثلة في الانقسام الحاد بين التيارين الديني والعلماني، حيث أرجع المؤلف جذور المحنة التنموية الاقتصادية إلى أكثر من قرن ونصف، بعدما ضربت تجربة محمد علي الواعدة في التصنيع والزراعة والتعليم عام 1840، بينما أرجع بدايات الانقسام في الموقف إزاء الدين إلى عشرينات القرن المنصرم، عندما فجر كل من علي عبد الرازق وطه حسين المشكلة بكتابيهما الشهيرين: "الإسلام وأصول الحكم"، و" في الشعر الجاهلي"، وهو خلاف لم يحسم -برأي المؤلف- حتى اليوم.

وإذا كان الغرب عرف ثورتين كبيرتين في الصناعة والتنوير، وإذا كانت محاولات النهوض الصناعي في مصر ضربت بتدخل خارجي في عهد محمد علي ثم عهد جمال عبد الناصر، فإن قصة التنوير في مصر لم تكن أقل قتامة ومأساوية، فقد كان كل تقدم في حركة التنوير بالدعوة إلى مزيد من التحرر العقلي والنفسي طوال القرنين الماضيين، تنشأ في مقابله حركة تقاومه، وتبث كراهيته في قلوب الجماهير، وتدعو إلى التشدد في التمسك بالقديم، وهو ما يفسر -برأي المؤلف- فشل مصر في اقتباس الثورتين، بينما نجحت في الاستفادة بهما دول أخرى كالصين والهند.

ويرى المؤلف أن من الضروري إدراك العلاقة الوثيقة بين الثورتين: الاقتصادية والفكرية، فعصر النهضة في أوروبا تزامن مع عصر الثورة التجارية والكشوف الجغرافية، ثم تزامن عصر التنوير مع الثورة الصناعية، فالتنوير العقلي يخدم النهضة الاقتصادية، كما أن الاقتصاد يخدم التنوير العقلي والتحرر النفسي.

واعتبر المؤلف أن السبب الرئيسي للفشل في الميدانين هو محاولة تحقيق النهضة الاقتصادية في ظل تبعية صارخة للغرب، بل وفي ظل احتلال عسكري، لم يسمح إلا بتنمية مشوهة عرجاء، أدت لزيادة الفجوة وصعوبة اللحاق، كما تعرض الميدان الفكري لحالة مماثلة، حيث اكتفى رواد التنوير بتكرار ما يقوله الغربيون، دون احترام كاف للتراث، حتى انتهينا إلى هيمنة تيار جامد في الفكر، إلى جانب استسلام مشين لقوى العولمة في الاقتصاد.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة