قواعد اللعبة الجديدة بين إسرائيل وحزب الله   
الأحد 1425/10/16 هـ - الموافق 28/11/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:51 (مكة المكرمة)، 10:51 (غرينتش)
عرض/ نزار رمضان
شكل انسحاب إسرائيل من الجنوب اللبناني في الرابع من مايو/ أيار 2000م هاجسا أمنيا لدى الحكومة الإسرائيلية التي قررت الانسحاب من جانب واحد بعد بقائها لمدة عقدين من الزمن. جاء هذا الانسحاب بعد حرب استنزاف طويلة دفع الإسرائيليون ثمنها من جنودهم، حتى بات اسم الجنوب اللبناني يشكل رعبا مركبا لدى الجنود الإسرائيليين.
 

-اسم الكتاب: قواعد اللعبة الجديدة بين إسرائيل وحزب الله بعد الانسحاب من لبنان
-المؤلف: دانيال سوبلمان
-عدد الصفحات: 120
-الطبعة: الأولى 2003
-الناشر: مركز يافا للدراسات الإستراتيجية التابع لجامعة تل أبيب-تل أبيب

وعندما انسحبت إسرائيل من الجنوب اللبناني قام حزب الله بنشر قواته على طول الحدود وأنشأ مواقع عسكرية وأبراج مراقبة، وبدأ العمل بنشاطات أمنية مكثفة على الجانب الآخر من الحدود، حيث يعتبر الإسرائيليون أن هذه الخطوات قدمت لحزب الله هدية ثمينة من الحكومة اللبنانية تتمثل في حكم محلي للحزب في الجنوب، من خلال سيطرة الحزب على الخطوط الأمامية للدولة اللبنانية، وهذا بدوره قدم خدمة جماهيرية لحزب الله داخل المجتمع اللبناني الذي ينظر إلى حزب الله بكل فخر واعتزاز وتقدير.
 
أهمية الكتاب
تبرز أهمية هذا الكتاب من خلال عرضه ونقاشه لمستقبل الأمن على الحدود الشمالية لإسرائيل والتي باتت تدار من قبل حزب الله ولكن برعاية ودعم سوري وإيراني، حيث تم تزويد الحزب كما يرى الكاتب بآلاف الصواريخ من كاتيوشا وهاون بعيدة المدى، وهذا الذي غير قواعد اللعبة كما يقول الكاتب. فإسرائيل انسحبت من الجنوب لتوفر على نفسها المزيد من الضحايا، لكن عودة حزب الله شبه الرسمية كقوة حاكمة على الحدود تترجم تهديدا متواصلا لإسرائيل خاصة وأنه الوريث العسكري لإيران وسوريا في المنطقة كما يقول الكاتب.
 
ويرى الكاتب أن الحكومة اللبنانية مهما وضعت أمام الحزب من قيود والتزامات فإنها لا تقدم شيئا أمام التشجيع الذي يتلقاه الحزب من دول مركزية في المنطقة مثل إيران وسوريا.
 
ويؤكد الكاتب أن التصور السائد لدى إسرائيل عن حزب الله هو أن هذا التنظيم لن يتردد في استخدام قدرته الإستراتيجية وهو ينتظر الفرصة كي يستخدمها وذلك من دون التأكيد على أن هذا التصور صحيح أو مبالغ فيه، فقد أصبح حزب الله عنصرا من عناصر القوة التي تمتلك قوة الردع الحقيقية، حيث يشكل في هذه المنطقة (لاعبا) مهما وعلى إسرائيل أن تأخذه في الحسبان وأن تدرس خطواته وتصرفاته المتوقعة والممكنة.
 
وللتدليل على تغير قواعد اللعبة مع حزب الله، يقول الكاتب "لقد نجح حزب الله في أكتوبر/تشرين الأول من عام 2002م في أن يكون له النصيب حول الاعتماد والإطراء الذي ناله الحزب بعد تدشين مشروع سحب مياه الوزاني على الرغم من حقيقة التنافس بينه وبين حركة أمل الشيعية، فهي التي استطاعت التقدم في هذا المشروع ولولا قوة الردع التي وضعها حزب الله ضد إسرائيل كما يقول زعماء هذا الحزب لما تم إكمال المشروع".
 
ولعل الخطر الأكبر الذي تخشاه إسرائيل كما يقول الكاتب هو دعمه لرجال المقاومة الفلسطينية ومساهمته في تأجيج نار المقاومة، مشيرا إلى تصريحات الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله الذي أعلن في شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2002م قائلا "إن الانتفاضة الفلسطينية تخدم المصلحة الوطنية اللبنانية وإن علينا الاستمرار في المساعدة للصراع الفلسطيني وهذه مسؤولية إسلامية وأخلاقية وإنسانية، ويضيف الكاتب إن أحد قادة الحزب وهو إبراهيم أمين السيد صرح في شهر يناير/كانون الثاني 2003 قائلا "إننا في حزب الله عندما نساعد الفلسطينيين فإننا نساعد أنفسنا في لبنان لأن المقصود هو عدو واحد".
 
ويعتبر الكاتب أن الجديد في كتابه هذا هو التعامل مع واقع أمني جديد وخطير، هذا الواقع الذي رافقه خوف جديد داخل المؤسسة العسكرية والأمنية داخل إسرائيل حول مستقبل تطور الأحداث على الحدود الشمالية لإسرائيل والتي ربما تشهد تدهورا أمنيا وعسكريا بين إسرائيل وحزب الله التي امتازت بالهدوء خلال السنوات الثلاث الأخيرة.
 
وتبرز أهمية الكتاب من خلال عرض الباحث لأهم وأبرز الآراء داخل المجتمع الإسرائيلي، حيث يعرض لأول مرة وثائق تقدير قام بكتابتها رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية السابق عاموس مالكا المتعلقة بهذا الأمر، حيث عرض مالكا خلال هذه الوثائق المصالح والاعتبارات لأربع دول مؤثرة على حزب الله وهي إيران وسوريا ولبنان وإسرائيل.
 
انعكاسات اللعبة الجديدة
"
التطورات الدولية في العالم جعلت لإسرائيل هامشا مباشرا وواضحا لضبط الدول الداعمة لحزب الله لا سيما سوريا وإيران التي باتت مهددة من الملاحقة الدولية تحت مظلة دعمها للإرهاب
"
ويرى المؤلف أن الجو السياسي العام وما رافقه من أحداث جسام مثل تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية وتفجر الانتفاضة الفلسطينية واجتياح إسرائيل لمناطق السلطة الفلسطينية، كل هذه الأحداث كانت بمثابة ضغوطات وضعت قواعد جديدة لهذه اللعبة الجديدة والتي على حزب الله أن يتصرف معها بلياقة تامة.
 
هذا بالإضافة إلى ضرورة احترام الخط الأزرق الذي تم تحديده حسب قرار 425 في الأمم المتحدة والذي نال اعترافا دوليا دون مزارع شبعا.
 
لكن المؤلف يعود ويقرر أن مزارع شبعا مازالت موضع خلاف مؤكدا أن حزب الله ينظر إليها على أنها ساحة صراع ونزاع مستمر حتى تحريرها.
 
ويرى الكاتب أن من قواعد اللعبة الجديدة قانون السن بالسن والعين بالعين، هذا القانون الذي يسمح لحزب الله بإطلاق نيران مضاداته الأرضية باتجاه الطائرات الإسرائيلية إذا ما اخترقت الأخيرة المجال الجوي اللبناني، أضف إلى ذلك أن التطورات الدولية في العالم جعلت لإسرائيل هامشا مباشرا وواضحا لضبط الدول الداعمة لحزب الله لا سيما سوريا وإيران التي باتت مهددة من الملاحقة الدولية تحت مظلة دعمها للإرهاب، وهذا بدوره سيخفف حدة التدخل المستقبلي لكلا البلدين في الساحة اللبناية وذلك لانشغالهم الدولي في الدفاع عن أنفسهم أمام الاتهامات الدولية.
 
بل يشعر الكاتب أن ثمة تغيرات قد تطرأ على حزب الله إذا ما تغير الميزان الإستراتيجي لإيران وسوريا في المنطقة، مشيرا إلى أن حزب الله بات يتعرض لضغوطات كثيرة وملاحقة من قبل الإدارة الأميركية التي باتت تضغط على سوريا من أجل تحجيم نشاطات الحزب داخل لبنان.
 
ويجري كل ذلك جنبا إلى جنب مع طلب الإدارة الأميركية من السوريين عدم التدخل المباشر في لبنان وهذا بدوره إن أخذ حيزه على الأرض كما يقول المؤلف فإن ذلك سيؤثر على مستقبل حزب الله السياسي، لكنه يعود ويؤكد أن حزب الله يمتلك منظومة اجتماعية وثقافية داخل المجتمع اللبناني تساعده على الاستمرار في البقاء من خلال انخراطه القديم الجديد داخل المجتمع اللباني، حيث مئات المؤسسات الثقافية والاجتماعية والصحية التي تقدم خدماتها للمجتمع اللباني كل ذلك إضافة إلى الإرث النضالي الكبير الذي خلفه حزب الله خلال حربه الطويلة مع إسرائيل طوال نحو عشرين عاما، هذه الجوانب تكفل لحزب الله البقاء والاستمرارية.
 
ويرى الباحث أن تغير الرئاسة في سوريا كان أحد أهم المحاور التي أثرت على الساحة اللبنانية وغيرت شيئا ولو قليلا من قواعد اللعبة الجديدة فبشار الأسد لا يمتلك القدرات اللوجستية الممنهجة لعداء إسرائيل بالحجم الذي كان يمتلكه والده حافظ الأسد، ولهذا فإن هذا التغير سيكون له شأن مستقبلي وتأثير على العلاقات والمفاوضات بين إسرائيل وسوريا.
 
حزب الله والبعد الأيديولوجي
"
المبدأ الأيدولوجي المتمثل بولاية الفقيه يعطي دفعة عقائدية للحزب من حيث الالتزام بقرارات رجال الدين في الحزب وفتاواهم الدافعة نحو القتال والجهاد من أجل دخول الجنة
"
يستعرض الكاتب -ومن خلال دراسة متأنية- الخلفية الأيديولوجية لحزب الله ومدى تأثيراتها على البنية الفكرية وآلية التفكير التي يمارسها الحزب تجاه نفسه وأفراده والآخرين وخاصة الأعداء وفي مقدمتهم إسرائيل، هذا الفهم الأيديولوجي الذي مكن الحزب كما يرى الباحث من مواجهة إسرائيل طيلة عشرين عاما من المواجهة العسكرية.
 
ويرى الكاتب أن المبدأ الأيديولوجي المتمثل بولاية الفقيه يعطي دفعة عقائدية للحزب من حيث الالتزام بقرارات رجال الدين في الحزب وفتاواهم الدافعة نحو القتال والجهاد من أجل دخول الجنة، هذه التوجيهات التي يتعامل معها الأفراد بمنطق الالتزام الذي لا يناقش بل يعتبر جزءا من العقيدة.
 
هذه النظرة العقائدية شكلت إرهاقا لإسرائيل خلال حربها الطويلة مع حزب الله والتي كانت تنظر إليها إسرائيل من مصلحة سياسية لحماية حدودها الشمالية في الوقت الذي كان يتعامل معها حزب الله على أنها واجب مقدس بل حرب عقدية.
 
وانعكس البعد الأيديولوجي على واقع حزب الله من خلال التثير الانضباطي لقواعد هذا الحزب وكل فعالياته سواء الداخلية في المجتمع اللبناني أم الخارجية المتمثلة في العلاقات مع الجمهور العربي والإسلامي الذي بات ينظر إلى حزب الله كأنموذج هام وبارز للمقاومة والجهاد معتبره مدرسة معاصرة هامة جدا تمزج بين العقيدة والمقاومة في مواجهة أعداء الدين كما يسميهم حزب الله ويقصد بهم أميركا وإسرائيل.
 
وأما على الصعيد الداخلي داخل المجتمع اللبناني فإن الكاتب يرى أن المؤثرات الأيديولوجية فرضت نوعا من النظام والهدوء والحوار في التعامل مع طوائف المجتمع اللبناني المتعددة والتي باتت تقر بأهمية حزب الله ودوره في تحرير الجنوب ودوره في الحوار اللبناني اللبناني الفاعل لا سيما العلاقات مع الموارنة المسيحيين، والتي تمثلت في الخطابات البراغماتية التي كان يلقيها أمين عام حزب الله الشيخ حسن نصر الله، وخطابات المرجع الشيعي المعتدل الشيخ محمد حسين فضل الله، الذي يعتبر غير المسلمين في لبنان شركاء حقيقيين في المواطنة المشتركة فوق الأراضي اللبنانية.
 
هذا بالإضافة إلى أن البعد الأيديولوجي حافظ على العلاقة الروحية العقدية مع إيران والتي ترى في حزب الله الشيعي امتدادا لها في منطقة الشرق الأوسط، الأمر الذي جعل هذا الحزب يمتلك دعما لوجستيا مستمرا من خلال جسر لم ينقطع ساهمت سوريا في استمراره عبر مطار دمشق الدولي كما يرى الكاتب. هذا الدعم الذي جعل حزب الله يحافظ على نفوذه في بلد مثل لبنان، وهو البلد الفقير الذي مازال يعاني جراء الحرب الأهلية التي استمرت نحو خمسة عشر عاما.
 
فميزانيات حزب الله العسكرية والسياسية والاقتصادية والإعلامية اعتمدت اعتمادا مباشرا على إيران الذي كان لها إصبع محرك في الساحتين اللبنانية والفلسطينية عبر حزب الله وحركات المقاومة الفلسطينية المرتبطة بإيران.
 
حزب الله والفلسطينيون
"
لم تكن علاقة حزب الله مع الفلسطينيين جديدة بل قدم الفلسطينيون خلال وجودهم خدمات للحزب تمثلت في تدريب عناصره وإعدادهم عسكريا في معسكرات المقاومة الفلسطينية
"
يعرج الكاتب على جذور العلاقة التاريخية بين حزب الله ومنظمة التحرير الفلسطينية خلال الحرب الأهلية اللبنانية وتواجد المقاومة الفلسطينية هناك، فيؤكد أن العلاقة مع الفلسطينيين لم تكن جديدة بل قدم الفلسطينيون خلال تواجدهم خدمات لحزب الله تمثلت في تدريب عناصرهم وإعدادهم عسكريا في معسكرات المقاومة الفلسطينية، كل ذلك قبل بناء الجسر الإيراني السوري الداعم لحزب الله.
 
ويرى الكاتب أن هذه العلاقة مع الفلسطينيين تطورت بعد تأسيس حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وحركة الجهاد الإسلامي داخل فلسطين وانحراف منظمة التحرير عن المقاومة وانشغالها بالمفاوضات مع إسرائيل وأميركا، الأمر الذي حرف بوصلة العلاقة ما بين حزب الله والمنظمة إلى الحركات الإسلامية الدينية المقاومة داخل فلسطين.
 
حيث بدأت علاقة مزدوجة مع هذه الحركات، وبدأ حزب الله يقدم لها المال والسلاح والتدريب والدعم الإعلامي، هذا بالإضافة إلى سعي الحزب إلى تشكيل خلايا عسكرية داخل الأراضي الفلسطينية -كما يقول الباحث- من أجل مواجهة إسرائيل من الداخل.
 
كتاب قواعد اللعبة الجديدة بين إسرائيل وحزب الله عرضه المؤلف من خلال 120 صفحة من القطع الكبير في سبعة فصول، استعرضت الخلفية التاريخية لهذا الحزب وواقع الحزب قبل انسحاب الجيش الإسرائيلي، مرورا بدور الحزب الداخلي والخارجي وانعكاساته على دول المنطقة، مستعرضا قواعد اللعبة الجديدة بعد الانسحاب ومشيرا إلى تنامي دور حزب الله بعد عملية الانسحاب من الجنوب اللبناني، وألحق الباحث في نهاية كتابه العديد من الوثائق الاستخباراتية التي أعدها رئيس هيئة الاستخبارات السابق عاموس مالكا.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة