أسئلة دولة الربيع العربي   
الجمعة 21/12/1434 هـ - الموافق 25/10/2013 م (آخر تحديث) الساعة 15:41 (مكة المكرمة)، 12:41 (غرينتش)
الرباط/نزار الفراوي
في صميم الانشغالات الفكرية الموصولة بالزمن السياسي المتحرك في العالم العربي الإسلامي، التي عبر عنها كتابه "فلسفة الثورات العربية"، يواصل سلمان بونعمان، الباحث المؤسس بالمركز المغربي للدراسات والأبحاث المعاصرة، اشتغاله على مآلات الحراك العربي في خضم "الربيع" مشخصا الأعطاب التي عجلت بانهيار نموذج سياسي متجاوز للحكامة، ومستشرفا مسالك العملية الانتقالية العسيرة والمحفوفة بالمخاطر الداخلية والخارجية نحو دولة ديمقراطية تحقق الحرية والعدالة.

- العنوان: أسئلة دولة الربيع العربي
- المؤلف: سلمان بونعمان
- عدد الصفحات: 403
- الناشر: مركز نماء للبحوث والدراسات- بيروت
- الطبعة: 2013


إن الكتاب بهذا المعنى عمل تأسيسي من حيث راهنيته الملازمة لمسلسل تغيير لم يفرز بعد مآله النهائي المستقر، تركيبي من حيث منهجيته المفتوحة على مختلف الاجتهادات التي قدمتها وتقدمها التيارات الفكرية المختلفة، استشرافا لمستقبل الاجتماع السياسي داخل الفضاء العربي الإسلامي.

يقدم الكاتب إصداره بوصفه محاولة لتجديد منهج مقاربة الظاهرة الثورية في منطقة تحمل إرثا استبداديا يتجاور أيضا مع تراث ممانع قوي.

محاولة تتبنى الفهم الكلي في إدراك أبعاد الظاهرة وامتدادها وتعقد مساراتها، من خلال تجاوز العدة المنهجية القديمة وتجنب الإسقاطات التجريبية وأسر النماذج التاريخية في فهم ظاهرة تتجدد كل يوم وتتعقد إمكانية استشراف مستقبلها.
 
قوة مجتمعية جديدة
إن الباحث يتطلع إلى نحت نموذج تفسيري مركب هو نموذج التغيير الثوري الانتفاضي المقاوم، الذي من شأنه استشراف القدرات الكامنة في المجتمعات العربية، القادرة على تأجيج الثورات واستنبات الأرضية المناسبة لنجاحها واستمرارها، وذلك بالاستناد إلى منظور تركيبي في تناول التحولات السياسية والانتفاضات الثورية وطبيعة الحركات الاحتجاجية الجديدة.

هذا النموذج يؤشر على تخلق قوة مجتمعية جديدة وطاقة روحية وأخلاقية انتفاضية، في شكل فاعل احتجاجي جديد غير حزبي وغير تقليدي، أبدع وسائله وطور خياراته وأنتج قياداته وراكم خبراته الانتفاضية في دينامية الفضاء العام.

الكتاب تفكير في دولة الثورة بوصفها موضوعا للتغيير الثوري لا أداة له، فقد كانت الثورات العربية إعلانا تاريخيا عن نهاية دولة ما بعد الاستقلال الناقص وأفول نموذج سياسي في الحكم يفتقد مقومات الحياة الكريمة وأسس العدالة الاجتماعية ويعدم أي إمكانية للخروج من حالة التأخر التاريخي والتخلف الحضاري.
يتطلع الباحث إلى نحت نموذج تفسيري مركب هو نموذج التغيير الثوري الانتفاضي المقاوم، الذي من شأنه استشراف القدرات الكامنة في المجتمعات العربية، القادرة على تأجيج الثورات واستنبات الأرضية المناسبة لنجاحها واستمرارها

ومع تنوع زوايا نظر الكتاب وتعدد مداخل مقاربته لظاهرة التحول السياسي الثوري في العالم العربي الإسلامي، فإنه يكاد يتمحور حول هاجس مركزي، معرفي ونضالي معا، كنهه تحويل موارد القوة وزمام المبادرة وشرعية التوجيه والتأطير من الدولة إلى المجتمع.

وفي هذا، يتوسل الكاتب طريق تحقيق اتصال فاعل مع الخبرة الحضارية العربية الإسلامية التي تجلت فيها قوة المجتمع الإسلامي العربي ومؤسساته وجماعاته وحيويته الحضارية ودوره الحاسم في النهضة والإصلاح وبناء الحضارة.

وهو منظور يعرف، في ذات الآن، انفصالا إدراكيا عن نموذج الدولة القاهرة لصالح نمط متجدد يمكن لقوة المجتمع في ظل دولة قادرة وعادلة.

هم إعادة بناء الدولة العربية
يعيد الباحث تحديد عمق السجال السياسي لما بعد الثورة في منطقة إعادة بناء الدولة العربية الجديدة وتحقيق الإقلاع الحضاري والانتقال الديمقراطي.

في هذا السياق، تتبلور الحاجة إلى نموذج الدولة الفاعلة والقادرة الذي يستعرض بانفتاح على الفكر السياسي الغربي والعربي الإسلامي معا، معالمه ومقوماته.

وهو بوجه خاص، يستلهم إسهام تيارات عربية فكرية حملت هم الإطار لدولتي النموذج لتحقيق مطامح أمة تنشد مكانة لائقة في التاريخ من منطلق تجربتها الخاصة، ومنفتحة على الممارسات الكونية الرائدة.

لا ضير أن تتجاور في هذا المنظور أسماء متعددة المرجعيات من قبيل مدرسة إعادة تشكيل العقل المسلم المعاصر التي يجسدها عبد الوهاب المسيري، وطه عبد الرحمن ومالك بن نبي، وغيرهم، ومدرسة تجديد الفكر القومي العربي من قبيل محمد عابد الجابري وعزمي بشارة وبرهان غليون وغيرهم.

ينطلق الكاتب من أن مسارات تطور العلاقة بين الدولة والمجتمع في مشهد ما بعد الثورات العربية، تؤرخ لمرحلة فارقة تسعى إلى إعادة تأسيس علاقة الدولة بالمجتمع على أسس تركيبية مغايرة يعاد فيها الاعتبار للمجتمع بوصفه فاعلا في علاقته بالدولة، بعد أن نسبت له النظريات الاجتماعية والسياسية والأنثروبولوجية قابليته الثقافية للاستبداد، واستسلامه له.

يستدعي الباحث في هذا الصدد فكرة الباحثة هبة رؤوف عزت التي تلاحظ أن الدولة جاءت كتدبير لاحق لوجود الجماعة، ورغم هيمنتها عليها وإمساكها بخيوط السلطة، بقيت دوما بحاجة لتبرير نفسها أمام المجتمع.

فعلى الرغم من أهميتها، بقيت الأولوية في المجتمع الإسلامي للجماعة/ الأمة وأهدافها التاريخية (ص 49)، في تجربة الإسلام الأولى المشرقة، الحضارة هي التي بنت الدولة، وليست الدولة هي التي بنت حضارة الإسلام.

إن خيار استكمال تحرير المجتمع واستعادة عافيته يتطلب حسب الكاتب تفكيك السلطة المطلقة للدولة وبنيتها العميقة المتجذرة في التحكم والهيمنة والتغول، من خلال إحياء العمل الأهلي وبث الروح في المؤسسات والمنظمات الشعبية المختلفة
 دولة في خدمة الأمة
يؤكد سلمان بونعمان أن الأمة ليست مصدر الشرعية والسلطة فقط، بل هي أيضا مصدر الهوية والنسق الحضاري والحياتي، ومن خلال الشرعية التي تؤسسها الأمة، تتحدد القواعد العامة التي ينبني عليها الدستور والقانون والنظام العام، ومن ثم تتحدد الأدوار والمؤسسات التي تقوم بهذه الأدوار، كما تتحدد الواجبات التي تتوزع بين عناصر البنية الاجتماعية والمؤسسية للأمة وبين الدولة (ص 59).

إنه نموذج الدولة في خدمة الأمة على أساس تكاملي، غير صدامي، فقد جعلت أنظمة الاستبداد الدولة وحشا دنيويا يلتهم كل مصادر الشرعية ويختزل كل المرجعيات على حساب شرعية الجماعة والأمة.
ومن الضروري العمل في حقبة ما بعد هذه الأنظمة على تقويم هذه العلاقة وتجاوز معادلة "مجتمع ضعيف ودولة متغولة".

الاختلال الذي وقع في المعادلة يرجع إلى تطورات في منظومة القيم المرجعية لدى العقل والوجدان المسلم حول الدولة في بنية المجتمع، التي صارت تنظر إلى الدولة والسياسة بمفاهيم القوة والسلطة والسيطرة والتحكم.

دولة الاستبداد لعبت دورا تفكيكيا عكس الدولة الغربية، وعاشت المجتمعات العربية الإسلامية تحت نير حداثة مشوهة أدت إلى فقدان المجتمعات المسلمة الحديثة لخبراتها التاريخية، وتدمير المؤسسات التقليدية، وإحلال مؤسسات جديدة بمنطق الإلغاء الكلي لأي إمكانية للاستفادة من سابقاتها.

تضافر في هذا الإطار تفكيك المؤسسات التقليدية مع الفشل في توطين المؤسسات الحديثة، إنها إحالة صريحة على أطروحة المفكر الفرنسي برتران بادي في نظريته عن "الدولة المستوردة" (بفتح الراء).

مصالحة مجتمعية
قلب الأوضاع في المخاض الجديد يستدعي حسب الكاتب، نقلا عن محمد محفوظ، إنجاز تسوية تاريخية وحضارية بين الدولة والمجتمع في المجال العربي الإسلامي باعتبارها قضية مصيرية في بناء مشروع النهضة المأمول وبلورة صيغة حضارية ضابطة للعلاقة بين الدولة والأمة.

وميدانيا، يتطلب بناء هذا النموذج البديل إنجاز مصالحة عاجلة شاملة بين مختلف القوى السياسية والمجتمعية.

إن خيار استكمال تحرير المجتمع واستعادة عافيته يتطلب حسب الكاتب (ص 94) تفكيك السلطة المطلقة للدولة وبنيتها العميقة المتجذرة في التحكم والهيمنة والتغول، من خلال إحياء العمل الأهلي وبث الروح في المؤسسات والمنظمات الشعبية المختلفة.

وبهذا تكون الأولوية هي تعظيم دور الأمة بوصفها ضميرا جماعيا يراقب الحكم والسلطة.

إن عصر الثورة العربي فرصة واعدة على طريق النهضة يتمثل في استكمال تحرير الأمة من سيطرة الدولة القومية القابضة والدولة العميقة الناعمة المتغلغلة، وإقامة دولة الناس وإعادة بناء الأمة وجماعاتها ومؤسساتها، وتطوير فلسفة القوانين الحالية، لإعادة تقسيم الأدوار بين الدولة والأمة، وتأسيس المؤسسات على أسس جديدة.

الدين ودولة الاستبداد
ومن جملة التحديات التي تعترض هذا المشروع النهضوي الطموح، احتدام الاستقطاب الذي طبع الفكر السياسي العربي الإسلامي فيما يخص تحديد الأطر المرجعية لبناء الدولة بين القطيعة الجذرية مع التراث التاريخي، والحضاري والوصل المطلق المتماهي معه، ونوع من الجمود على فقه سياسي سلطاني متجاوز.

المطلوب توليد منظومة إسلامية ذات طابع إنساني تتعامل مع كل المعطيات، وفي المقابل إذا كان الإسلام لا يعترف بالكهنوت، وإذا كانت الدولة الغربية حررت السياسة من الدين، فإن المطلوب تحرير الدين من الدولة، وحرمانها من توظيف رموزه

وقد تبلور ذلك أساسا في خيارين: الأول يعتقد أن الحل في بناء الدولة العربية الحديثة هو في الاستناد إلى العلمانية باعتبارها عقيدة مرجعية نهائية للدولة دون اعتبار للدين والمرجعية الأخلاقية للأمة، أما الخيار الثاني فيؤمن أن أزمة الدولة العربية ناتجة عن تعطيلها للشريعة مع لحظة سقوط الخلافة العثمانية والخلاص يقتضي إعادة بنائها.

رهان عملية التغيير التاريخية ليس في فصل الدين عن الدولة وإنما في كيف نجعل المنظومة الدينية قادرة على التعامل مع إشكاليات المجتمع الحديث ومع التنوع الديني والإثني في المجتمع.

المطلوب توليد منظومة إسلامية ذات طابع إنساني تتعامل مع كل المعطيات، وفي المقابل إذا كان الإسلام لا يعترف بالكهنوت، وإذا كانت الدولة الغربية حررت السياسة من الدين، فإن المطلوب تحرير الدين من الدولة، وحرمانها من توظيف رموزه.

الدولة التي ينبغي للمسلمين بناؤها ليست نموذجا جاهزا، في نظر الكاتب، بل ما ينتج عن الإرادة الحرة للأمة وبالتراضي بين أفرادها.

خيارات التقابل بين الدولة الإسلامية المدنية والدولة الحداثية المدنية وهمية إذن (ص 143). الحلم المنشود يكمن في بناء دولة عادلة في النظام الذي يتعلق بها والعلاقات السياسية القائمة فيها، ودولة فاعلة في بناء شرعيتها الديمقراطية المتسقة مع شرعية إنجاز، ودولة قادرة على اتخاذ القرار المستقل وبناء إستراتيجيات تنموية ونهضوية شاملة.
 
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة