الإسلام والغرب نحو عالم أفضل   
الاثنين 1428/11/30 هـ - الموافق 10/12/2007 م (آخر تحديث) الساعة 7:41 (مكة المكرمة)، 4:41 (غرينتش)

عرض/عبد الحكيم أحمين
الكتاب الذي بين أيدينا ثمرة أجوبة عن سؤال كيفية تحقيق عالم أفضل ينعم فيه المسلمون والغربيون على السواء بأسباب العيش الكريم والسلم والأمان.

والسؤال على ظاهر بساطته أو سذاجته أعمق بكثير مما يتصور أول الأمر، والدليل على عمقه اجتماع أكثر من 20 باحثا مرموقا من العالمين العربي والغربي حوله، واجتهادهم في الإجابة عنه.

وهذا الكتاب هو مجموع الدراسات والعروض التي قدمت خلال الندوة الأولى لمركز الجزيرة للدراسات تحت عنوان: "الإسلام والغرب: نحو عالم أفضل"، والتي نظمت بين 26 و28 مايو/أيار 2006 بالعاصمة القطرية الدوحة.

وتكمن قيمة هذا الكتاب في تعدد مشارب المساهمين فيه بالدرجة الأولى. فهم فضلا عن اختلاف مرجعياتهم الحضارية والثقافية والدينية وانتماءاتهم القومية وولائهم السياسي، يتميزون بتنوع تخصصاتهم العلمية وتعدد مهامهم ووظائفهم. فجاء الكتاب متميزا بتعدد مقارباته وزوايا النظر فيه.

وعي دفين في التراث
-الكتاب: الإسلام والغرب.. نحو عالم أفضل
-المؤلف: مجموعة من الباحثين (مركز الجزيرة للدراسات)
-الصفحات: 280

-الناشر: الدار العربية للعلوم، بيروت
-
الطبعة: الأولى/2007
سؤال العلاقة بين الإسلام والغرب فرض نفسه بقوة في هذه المرحلة من مراحل التاريخ، خصوصا بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 التي ساهمت في تعميق هوة الخلاف بين الحضارتين الإسلامية والغربية، وفي إمداد نظريات الصراع الحضاري والصدام الثقافي عموما بوافر الشرعية وإضفاء صبغة العلمية عليها.

بطرحنا لهذا السؤال -يقول مركز الجزيرة للدراسات- كنا ولا نزال نصدر عن وعي دفين في تراث الأمة بضرورة الخروج من مأزق الهويات القاتلة، وإذا وجد هناك من يرى في الاختلاف مدعاة للتطاحن والتنافر فإننا على العكس من ذلك نرى فيه مدعاة للتعارف والتقارب، عملا بمقتضى قوله تعالى: "يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم".

فهل قدر الشرق أن يبقى شرقا، وقدر الغرب أن يبقى غربا، وقدرهما أن لا يلتقيا، كما قال الشاعر الإنجليزي راديرد كيبلنغ؟ أم أن أسباب الوصل بينهما متوفرة لمن يحسن قراءة التاريخ والواقع؟

ينطلق جيل أنيجار في بحثه من التاريخ ليثبت أثر الإرث الإسلامي في المنظومة القانونية القائمة في عالمنا اليوم.

لقد كان أبو حنيفة حسب رأي الباحث أول من قام بصياغة قانونية واضحة تحرم على المتحاربين قتل النساء والأطفال والشيوخ والمرضى والعبّاد العزل، كما تحرم الاغتصاب وقتل الأسرى.

وبذلك يكون قد فتح عهدا أخلاقيا جديدا مختلفا عن العهد الحديث الذي خوّل للإيطاليين القيام بأول قصف جوي لا يميز بين صغير وكبير، ولا بين محارب وغير محارب. وقد كان هذا القصف الأول ضد مسلمي شمال أفريقيا.

ولعل أنيجار يسعى من وراء هذه المقارنة إلى تجريم المنظومة الأخلاقية الغربية الحديثة على اعتبار أنها تقبل كل أنواع الإبادة طالما هي إبادة لا تلحق بالإنسان الأوروبي، لذلك وجب العمل على تفكيكها قصد بلوغ التعايش بين المسلمين واليهود، ضحايا هذه الهيمنة الغربية.

أما بشير نافع فيقول إن دراسة العلاقة بين الإسلام والغرب تستدعي وعيا كبيرا بجملة من الأبعاد التاريخية الهامة.

"
من المتوقع حدوث مزيد من التوتر والقلاقل والصراعات الدموية وعدم الاستقرار ما لم ترفع القوى الغربية يدها وتضع حدا لوصايتها المفروضة على المجتمعات الإسلامية
"
فليس من الممكن فهم هذه العلاقة دون استحضار دور الإسلام العظيم في التاريخ العالمي، واستفادة الحضارات بعضها من بعض، ودور الاستعمار في إرباك البنيات التجارية والصناعية القائمة في المجتمعات قبل دخول الاستعمار، ثم بزوغ الدولة المركزية وتسريع وتيرة التحديث للمجتمعات على يد النخب الحاكمة، وظهور المثقف الإسلامي الحديث.

ويفترض بشير نافع وقوع مزيد من التوتر والقلاقل والصراعات الدموية وعدم الاستقرار، ما لم ترفع القوى الغربية يدها وتضع حدا لوصايتها المفروضة على المجتمعات الإسلامية.

الحقيقة الدينية
ينطلق عبد الحميد يويو من دعوى مضمونها أن الغربيين يجهلون حقيقة الإسلام، كما أن المسلمين يجهلون حقيقة الغرب، ويستدعي أحداثا تاريخية بارزة وكتابات هامة تدل كلها على قصور الوعي لدى الغربيين والمسلمين على السواء في تمثل حقيقة الآخر.

ومع هذا الجهل المتبادل تكثر فرص التصارع والتصادم، عوض فرص التلاقح والتلاؤم.

في هذا السياق يخشى "أندرياس ريجر" أن تفوت محاربة الإرهاب والإرهابيين على الغربيين فرصة الالتفات إلى الإسلام وجوهر عقيدته، والوقوف عند قدرة هذا الدين على المساهمة في الخروج من مآزق الرأسمالية العالمية المتوحشة وتجنب آفات التكنولوجيا الحديثة.

إن الأوروبيين متى حصل لهم الوعي بأن الإسلام هو طريقة في العيش وأسلوب في الحياة (A way of life)، فقد يستفيدون من تجارب أهل هذا الدين في توسيع مفاهيمهم حول الاقتصاد والتنوير وغيرها.

ويرى ريجر أن الإرهاب لا يخدم في واقع الأمر سوى العولمة، ومن ثمة فحاجة المسلمين إلى نبذه أمس من حاجة الغربيين إلى ذلك.

كما سعى برونو غيدردوني من وراء مداخلته إلى إعادة الاعتبار إلى الحقيقة الدينية باعتبارها شرطا من شروط تحقيق التوازن بين الإسلام بوصفه دينا والغرب بوصفه المالك لناصية العلم الحديث والمتحدث باسمه.

فالعلم عند برونو أعجز من أن يستطيع كشف الواقع أو مراقبته بإطلاق، بل إن العلم الحقيقي هو مسار مفتوح تكون فيه المعرفة محل اكتشاف مستمر.

إن الغرض من وراء الوقوف عند هذه الحقائق هو حث العقل الإنساني على التواضع والتفكر بغرض تحقيق التوازن بين العقل والتأمل.

في المقابل يرى برهان غليون أن ما نحتاج إليه اليوم هو ميثاق أخلاقي عالمي جديد يتجاوز ميثاق الأخلاقيات الوطنية والقومية الكلاسيكية القائمة على الأنانية الوطنية أو الدينية أو القبلية.

"
إذا كانت الأخلاق الدينية نافعة في ربط المؤمنين التابعين لدين وضامنة لتعاقدهم واتفاقهم على سلوك محدد، فإن هذه الأخلاق تحتاج إلى توسيع حتى تصير قادرة على إيجاد لغة مشتركة بين جماعات وأفراد وأديان وقوميات مختلفة
"
وإذا كانت الأخلاق الدينية نافعة في ربط المؤمنين التابعين لدين وضامنة لتعاقدهم واتفاقهم على سلوك محددة، فإن هذه الأخلاق تحتاج إلى توسيع حتى تصير قادرة على إيجاد لغة مشتركة بين جماعات وأفراد وأديان وقوميات مختلفة.

أما لويس كانتوري فسعى في مداخلته إلى إثبات عدم تعارض الإسلام مع الديمقراطية، حيث أقر بحق المسلمين في أن يختلفوا عن الغربيين في تجسيدهم لمفهوم الديمقراطية المجرد انطلاقا من التفاعل مع بيئتهم العقدية والتاريخية والجغرافية.

ورأى أن الديمقراطية بقدر ما هي مطلب قائم لدى الشعوب المسلمة، قد تكون كذلك مدخلا لبسط النفوذ الأميركي على هذه الشعوب.

فالديمقراطية قد تستعمل أيديولوجية تبرر الغزو العسكري والنزوع نحو السيطرة والهيمنة. وفي هذه الحالات يكثر الجدال حول مفهوم الديمقراطية ويكتسي الحديث عنها طابعا نظريا، يبتعد عن ملامسة الواقع، كي يثبت تعارض الإسلام والديمقراطية وتنافرهما.

والحاصل -في رأي كانتوري- أن الجمهورية الإسلامية تنبني على أصول مختلفة عن الأصول التي تقوم عليها الديمقراطية في الغرب.

فعوض مفهوم الديمقراطية المبهم، يمكن التشبث بالعدل مقصدا يوجه الجمهورية الإسلامية خير توجيه.

كما قد تنبني الديمقراطية في هذا النظام على أسس أخرى تسمح بمراعاة قيم متجذرة في عمق المجتمعات الإسلامية، مثل "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".

لعنة النموذج الغربي
في ورقته سعى مراد هوفمان إلى تحديد معنى الحضارة الإسلامية، موضحا أنها حضارة يطبعها التنوع، ولا يجوز بوجه من الوجوه اختزالها في ظاهرة معينة أو مقولة محددة أو تصور مخصوص.

ويهدف هوفمان من وراء إثبات التعدد الذي يطبع الحضارة الإسلامية إلى لفت انتباه القارئ إلى قصور نظرية الصراع الحضاري في تمثلها لواقع التعدد في الثقافة الإسلامية ثم سقوطها في التعميم الفج واشتغالها بذهنية الحدود المنطقية التي توسل بها الغربيون، منذ هيغل ومرورا بـ"ماكس فيبر"، بغرض تحنيط ماهية المسلمين واختزالهم في وحدة واحدة.

كما يشير إلى أن أصحاب نظرية الصراع فاتهم التنبه إلى أن "الصدام الثقافي" قد يحدث داخل البلد الواحد، مثلما وقع أثناء الحرب الأهلية الأميركية، أو الغرب ذاته، مثلما وقع أثناء الحربين العالميتين بين الفرنسيين والألمان، أو البريطانيين والألمان. وفي الوقت نفسه يثبت التاريخ أن إمكانات التلاقح الثقافي بين دول البحر الأبيض المتوسط وشعوبه كانت أكبر مما نظن.

ويضيف عباس عروة إلى ما سبق رؤية جديدة نابعة عن تجربة عملية في حل النزاعات وإدارة الصراعات ليتحدث عن أسباب إنهاء أنواع العنف الذي يطبع العلاقة بين الغربيين والمسلمين، وينطلق من مسلمة مفادها أن الصراع في حد ذاته ليس سيئا إذا لم يفض إلى الاقتتال؛ كما أن السلم ليس جيدا إذا لم يكن سلما مبنيا على تفاهم.

فالسلم لن يكون سلما إيجابيا إلا إذا تمت معالجة مخلفات الصدام النفسية بين الغرب والمسلمين.

"
تعود أسباب الخلاف بين الغرب والإسلام إلى نزوع المدارس الغربية والعلوم السياسية نحو فرض نموذج على العالم الإسلامي، وبالتالي حرمانه من حقه في التجربة والإبداع
"
مداخلة فابيو روجي ردت أسباب الخلاف بين الغرب والإسلام إلى نزوع المدارس الغربية والعلوم السياسية نحو فرض نموذج على العالم الإسلامي، وبالتالي حرمانه من حقه في التجربة والإبداع.

وذلك في سياق حديثه عن "لعنة النموذج" أو "النموذج اللعين"، حيث يقول إن تطوير المؤسسات السياسية ليس من شأن العلوم السياسية التي لا تفلح في شيء قدر فلاحها في ابتكار "النموذج اللعين"، بل هو من شأن الحكمة السياسية.

لذا فالتأمل الفلسفي في واقع النظم السياسية يقودنا إلى التسليم بأن كل نظام سياسي إنما يعتمد التجريب، فيخطئ ويصيب، ويحدث أضرارا وخسارات إنسانية.

منطق العولمة
لا يخفي غونتر مولاك، وهو السفير الألماني حاليا لدى باكستان والخبير بشؤون التعاون بين الغرب والدول الإسلامية، تشاؤمه بخصوص إمكانية التحاور بين الغرب والمجتمعات الإسلامية؛ وذلك بسبب التباين الحاصل بين الغرب ما بعد الحداثي وما بعد الديني من جهة، والعالم الإسلامي ذي الهوية الدينية الراسخة.

لكن مولاك يؤمن بإمكانية التعاون، مدعيا أن استحالة الحصول على الوئام التام يجب ألا تكون عائقا في وجه التشارك في مشاريع محددة، وفي هذا السياق يحض الغربيين على التخلي عن سياسة الكيل بمكيالين ويدعوهم إلى استثمار المزيد في مجالات المجتمع المدني.

وفي المقابل يتعين على العالم الإسلامي حكومات وشعوبا، الخروج من أسر الماضي والنهوض بمسؤولية تنمية المجتمع، وخاصة فئة الشباب منه، عسى أن ترفع جاهزيتهم الثقافية فيقبلوا بالآخرين شركاء في التنمية، بعيدا عن المواقف المتشددة.

غير أن منير شفيق يرى أن فضاء العولمة أضيق من أن يتسع لحوار حقيقي بين الإسلام والغرب، لأن منطق العولمة يقوم على الربح ولن يفضي إلى شيء آخر عدا اندلاع حروب حامية بين الدول الكبرى.

ولإبراز إفلاس العولمة وفساد منظومتها الأخلاقية يستشهد منير شفيق بلجوء شركات الأدوية الكبرى إلى احتكار الأدوية وحرمان دول العالم الفقير من إنتاج بدائل منها. فالعولمة نظريا ليست هي العولمة في واقع التطبيق.

أما الفيلسوف والشاعر كينت وايث فيرى أن شرط بلوغ الوئام بين الإسلام والغرب هو الخروج من منطق العولمة القائم على الربح المادي، ثم التوسل بمنظومة تربوية أخرى غير المنظومة القائمة على النفعية.

ولنتجنب الصراع والصدام بين الإسلام والغرب، يتعين علينا إبراز ما تزخر به الحضارتان الإسلامية والغربية من إرث فكري عظيم، هذا الفكر الذي يملك من المقومات ما يكفي لتوسيع دلالة "الذات" ومدها بالقوة الكافية لاستيعاب "الآخر".

ولبلوغ مرتبة التفاهم والتعايش نحتاج إلى استدعاء "لغة" جديدة، غير اللغة التي استعملت في صياغة الجدليات والثنائيات العقيمة التي اشتغلنا بها حتى الآن، من قبيل جدلية الغرب والشرق، أو الإسلام والغرب.

"
لتجنب الصراع والصدام بين الإسلام والغرب يتعين إبراز ما تزخر به الحضارتان الإسلامية والغربية من إرث فكري عظيم، هذا الفكر الذي يملك من المقومات ما يكفي لتوسيع دلالة "الذات" ومدها بالقوة الكافية لاستيعاب "الآخر"
"
أما عبد الله النفيسي فيرى أن الغرب يمارس عدوانا على الأمة الإسلامية، وأن هذا العدوان لا يقف عند تأمين السيطرة على موارد الطاقة والغنى في هذا العالم، بل يتعداه ليطلب السيطرة الكاملة والهيمنة الشاملة على أرواح المسلمين وتاريخهم.

إن الغرب في نظر النفيسي يتدخل في إعادة صياغة التاريخ الإسلامي وإلغاء نظام القيم لدى المسلمين. ومع هذا الوضع يصبح لزاما على المسلمين العمل على تحقيق المبادرة الإسلامية في الفعل الدولي.

بهذه الجولة بين زوايا النظر هذه يكون الكتاب مساهمة مهمة إلا أنه في حاجة إلى ترجمة مادتيه العربية والإنجليزية إلى هاتين اللغتين كل على حدة حتى يستفيد منها السواد الأعظم من القراء.

فاللغة أداة مهمة في تحقيق التواصل ونقل الأفكار وتشجيع الحوار والتثاقف والتفاكر وبدونها تبقى الإشكاليات المحلية والعالمية تدور في حلقة مفرغة.

كما أنه محاولة في حاجة إلى محاولات مماثلة على الأصعدة الثقافية والفنية والتربوية والسياسية وغيرها.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة