أزهار الجليل   
الخميس 1428/4/9 هـ - الموافق 26/4/2007 م (آخر تحديث) الساعة 17:36 (مكة المكرمة)، 14:36 (غرينتش)

عرض/زياد منى
مؤلف هذا الكتاب مثقف روسي إسرائيلي، وكاتب ومترجم وصحفي. ترجم أعمالاً مهمة للغة الروسية، ومنها على سبيل المثال هومير وجيمس جويس.

في عام 1969 توجه إلى إسرائيل وخدم مظليا وشارك في حرب رمضان حيث كان ضمن المجموعة المتقدمة في ثغرة الدفرسوار.

-الكتاب: أزهار الجليل
-المؤلف: إسرائيل شامير
-
الترجمة: ناصرة السعدون
-
الصفحات: 468
-
الناشر: دار كنعان، دمشق
-الطبعة: الأولى/2006
راسل صحفا إسرائيلية ويابانية وهيئة الإذاعة البريطانية. و
في لحظة ما انقلب على الفكر الصهيوني وبدأ بكتابة مقالات تنتقد إسرائيل واليهودية والمسيحية الصهيونية نقدا لاذعا، مما حرض عليه المنظمات الصهيونية متهمة إياه بتهمة معاداة السامية، الجاهزة دومًا لإطلاقها على كل من ينتقدها، مهما كان دينه أو لونه أو موقعه.

وأخيرا انضمت فرنسا إلى قائمة من منع كتبه وأحالت ناشره إلى القضاء. قيل إنه نبذ اليهودية أخيرا وتنصر.

الكتاب هذا يحوي مجموعة من المقالات والكلمات (55) التي نشرت إما في صحف أو ألقيت في ندوات أو صدرت إلكترونيا في موقع المؤلف على الإنترنت تتناول قضايا مختلفة.

لذا سأكتفي هنا بعرض مجموعة من أفكار المؤلف عبر اقتباسات تعكس محتوى الكتاب على نحو عام، كتبتها بمناسبة صدور الترجمة العربية أخيرا، والتي يجب أن تصدر في طبعات أخرى، على أن تتفادى الأخطاء التي تحويها.

فلسطين والفلسطينيون
يصف المؤلِّف فلسطين في لوحة جميلة فيقول: "أترك ورائي المشاكل التي يخلقها البشر وأجلس تحت الغيمة البيضاء لشجرة لمراقبة البراعم البيض والوردية لأشجار اللوز التي تغطي جبال الجليل.. نسمة بعطر العسل تملأ الهواء والسماء زرقاء كالبلور. ترقص زهور الأقحوان الصفر بين حشائش براقة الخضرة.. تتخللها زهور البنفسج وشقائق النعمان الحمر وبخور مريم.. وفلسطين.. يعيش فيها شعب جبلي عنيد، مخلص لتقاليده وسبله".

أما الفلسطينيون فهم "قرويون ومدينيون مسالمون. يعرفون كيفية العناية بالزيتون ومزارع العنب.. يكتبون الشعر ويحترمون المراقد المقدسة. ليسوا مقاتلين، وبالتأكيد ليسوا قتلة. يحدقون بدهشة وعدم تصديق في مرآة الصحافة التي يهيمن عليها اليهود ليروا وجوههم يغطيها قناع الإرهابي الدموي. مع ذلك.. فإنهم قادرون على تلقيننا دروسا في البطولة كلما حاول عدو سرقة أرضهم. وقد أثبت الفلسطينيون مكانتهم منذ قرون كثيرة، في الأيام الأسطورية للقضاة حين قاتل أسلافهم شعوب البحر الغازية".

كثيرا ما يستعين المؤلف بالتراث الشعبي لشرح مواقفه أو آرائه فيشرح سبب رفض الفلسطينيين تقسيم بلادهم بالحكاية الشعبية المعروفة عن تقسيم طفل بين امرأتين كل منهما ادعت أنه وليدها.

الفلسطينيون، مثل الأم الحقيقية، رفضوا التقسيم لأن ذلك يعني موت البلاد، والإسرائيليون وافقوا على ذلك "لأنهم عشقوا البلاد على نحو منحرف، مثل عشق أجساد الموتى، وكانوا على استعداد لقتل الأرض من أجل تملكها".

إسرائيل والإسرائيليون
"
الفلسطينيون، مثل الأم الحقيقية، رفضوا التقسيم لأن ذلك يعني موت البلاد، والإسرائيليون وافقوا على ذلك لأنهم عشقوا البلاد على نحو منحرف، مثل عشق أجساد الموتى، وكانوا على استعداد لقتل الأرض من أجل تملكها
"
ويصف الإسرائيليين فيقول: "مثل الملك ريتشارد الثالث، استولينا على اللقب والعرش.. ومثله.. نشعر بعدم الاستقرار مادام الوارثون الحقيقيون على قيد الحياة. هذا هو التفسير النفسي لمعاملتنا القاسية للسكان المحليين من الفلسطينيين.. يريد الإسرائيليون أن يصبحوا فلسطينيين. تبنينا مطبخهم ونقدم الفلافل والحمص على أنها مأكولاتنا الوطنية، وتبنينا الصبار المحلي الذي ينمو في مواقع قراهم المدمرة، مثلما أخذنا أسماء أبنائنا وبناتنا الذين ولدوا هنا. لغتنا العبرية المعاصرة عادت للحياة بالعديد من المفردات الفلسطينية. لا نحتاج إلى أكثر من طلب العفو منهم ونقبلهم مثل إخوتنا الذين طال غيابهم ونتعلم منهم. ذلك هو شعاع الأمل الوحيد الذي يبرز من الظلمة الراهنة".

ويضيف لذا: "علينا نحن الغزاة التأقلم مع الحضارة الأكثر رقيا التي غزوناها. سبقنا في ذلك آخرون: تأقلم الفايكينغ المنتصرون مع الحياة في بريطانيا وفرنسا وروسيا وصقلية، وصار إغريق الإسكندر المنتصرون مصريين وسوريين، وأصبح المانشو صينيين".

التسوية
مشاعر المؤلف ليست رومانسية أو مجردة، بل تطبيقية لأنه يدعو إلى تحرير فلسطين الذي سيتم "من خلال انتصار الموزاييك على رمادية العولمة، وانتصار الروح على شيطان الجشع"، وهو ما يجعل من كتابه: "قصة حب، حب عميق للأرض المقدسة، وبجداولها وأشجار الزيتون وشعبها".

أسلوبه في الاستعانة بالحكايات الشعبية، ساخر نفّاذ، يوظفه في كتاباته كلها فيقول: "عثر رجلان على شال وقال كل منهما إنه ملكي. جاءا إلى القاضي فسألهما: كيف يمكنني تقسيم الشال؟.

قال الأول: قسمه بالتساوي بيننا، وقال الثاني: كلا، كله لي وحدي!. هنا قال القاضي: ليس ثمة من خلاف على النصف الأول من الشال إذ اتفق الطرفان على أنه يعود للشخص الثاني، سوف أقسم النصف المتبقي بالتساوي.. ويكمل: هذا هو المنطق اليهودي، وربما على الفلسطينيين تعلمه!".

وعن الدولة العتيدة يستعين، كالعادة، بحكاية من التراث الحاخامي فيقول: "شعر رجل بالبؤس في بيته الصغير المزدحم، فنصحه الحاخام بأن يضيف معزة إلى أسرته. عاد الرجل بعد أسبوع باكيا إذ عجز عن الحركة في بيته لشدة الازدحام. هنا نصحه الحاخام بإخراج المعزة، فصار الشاكي مواطنا راضيا وسعيدا".

و"خريطة الطريق".. ستنتج، في أفضل الأحوال، بضع محميات ذوات أسوار لاحتواء السكان المحليين، ويطلق عليها اسم "دولة فلسطينية", لذا: "ليس ثمة أدنى فرصة لأي حل في فلسطين باستثناء حل المساواة والمواطنة الموحدة والاندماج بين سكان فلسطين جميعهم. لا يخدع دعاة الدولتين إلا أنفسهم". 

ويضيف "لا يمكن تجزئة الأرض المقدسة.. فكرة الدولة اليهودية خطأ مثل فكرة الدولة الآرية أو البيض" . وعلى الفلسطينيين: "ألا ينظروا بحنين لأيام السلطة الفلسطينية، بل إلى غد حر وديمقراطي في فلسطين من النهر إلى البحر".

الحل
"
أعداؤنا هم من يدفعوننا للعودة إلى غيتو كراهية غير اليهود، لأن من يكره اليهود ليس إلا صورة مطابقة لمن يكره غير اليهود.. يجب أن تصبح إسرائيل/فلسطين دولة ديمقراطية أساسها مبدأ صوت واحد لشخص واحد
"
لكي نجلب السلام لأرواحكم سأقدم شهادتي الشخصية. ومرة أخرى أقول: لقد سافرت حول العالم، وعشت بين الروس والفلسطينيين، بين الألمان والسويديين، بين الإنغليز واليابانيين، بين الهنود والأفارقة، ويمكنني القول، على أساس تجربتي الخاصة: لم تعد معاداة السامية موجودة. بوصفي يهوديا، إن جئت بصفتك صديقا يمكنك السير بحرية في أي مدينة يسكنها البشر، وستكون بأمان في كل مكان. اختفى التعصب ضد اليهود. قد تعثر على شخص يكره اليهود، لكن هناك أناس كثر يكرهون البولنديين أو الإيرلنديين، أو لديهم مظلمة من البيض الأميركان. الأكثر احتمالاً أن تلاقي أناسًا أكثر يكرهون العرب أو السود أو الآسيويين.

يهود وغير يهود، لدينا الأعداء ذاتهم، والأصدقاء ذاتهم. أعداؤنا هم من يدفعوننا للعودة إلى غيتو كراهية غير اليهود، لأن من يكره اليهود ليس إلا صورة مطابقة لمن يكره غير اليهود.. يجب أن تصبح إسرائيل فلسطين دولة ديمقراطية أساسها مبدأ صوت واحد لشخص واحد.

الصهيونية
يستحضر المؤلف مَثل "جدار شارون" للدلالة عليها فيقول: ولماذا اختار الإسرائيليون بناء جدار؟. يعلق: لقد بنى المصريون والبابليون والمسيحيون صروحا عمودية مثل الأهرام والبروج والكاتدرائيات لربط السماء بالأرض، لكن اليهود يؤلهون ذواتهم لذا لا حاجة لهم إلى سماء أو أرض، وأول ما يبنونه، من لندن إلى منيسوتا هو جدار لفصلهم عن غير اليهود.. جدار شارون، هذه الفاجعة الكاملة، تمنح فرصة نادرة لمن يريد معرفة الطبيعة الحقيقية للدولة اليهودية، والدعوة لتفكيكها.

المحرقة
الحديث عن "المحرقة اليهودية" مرفوض: لأنه يفصل على نحو مصطنع بين موت اليهود والعدد الكبير ممن مات وعانى من الأمم الأخرى. هذا الفصل يعزل عمليا الجندي أبراهام عن زميله في الخندق إيفان، مع أنهما قتلا بالقنبلة ذاتها. هذا المفهوم يفصل جدي العجوز عن غيره من الشيوخ الذين ماتوا من مدينته في الوقت نفسه. يفصل عمتي التي قتلها قصف الطيران الألماني عن صديقها البولوني. هذا هو مفهوم الاقتصار، ويجب رفضه.. لأنه يسمم عقول اليهود ويصيبهم بكراهية غير اليهود ويغذي لديهم مشاعر الإفراط في الخصوصية.

الصهيونية المسيحية
يقول، محذرا: مسيح اليهود ليس هو نفسه السيد المسيح، يسوع الرقيق الذي حمل الرسالة للإنسانية جمعاء. مسيح اليهود ينوي استعباد أمم الأرض جميعها، وجعل "الشعب المختار" سيد الكون إلى الأبد.. ويذكِّر بأن أحد آباء الصهيونية، أحد هاعام، قال: إن كان هذا هو المسيح المنتظر، فلا أحب رؤية عودته.

المسلمون والإسلام
وعن معاداة الغرب للإسلام يقول: إن كنت مقتنعا بأن الإسلام هو السبب وراء "الإرهاب الإسلامي" فربما كانت اليهودية هي سبب الإرهاب اليهودي. نجح المسلمون حتى الآن في اغتيال وزير إسرائيلي واحد فقط، وحين يتصرف اليهود كأفراد (وليس كدولة) فقد اغتال أسلافي المقدسون قيصرين روسيين وعددا كبيرا من الوزراء والموظفين والسفراء في بريطانيا وألمانيا والسويد وروسيا والدول العربية. وفي الوقت الحاضر تثبت قوائم الإرهاب أن ما قام به اليهود لم يتجاوزه أحد، وبوصفي يهوديا فخورا بيهوديتي فأنا أرفض الجهود غير المجدية لتحويل هذه المنجزات إلى المسلمين أو غيرهم.

يجب علينا مواجهة الاتجاه السائد بين اليهود والترويج بروح أخرى مختلفة هي روح التفاهم والأخوة. فمع أن ذلك لا يدرس في المدارس اليهودية، فإن النبي محمد انتصر في معاركه ليس بالسيف وحده، ولكن بجذب عقول اليهود إلى راية الإسلام أيضًا. المهتدون اليهود الجدد لدين الإسلام حاربوا في معارك الفتح، من اليرموك إلى مصر.

اليهود والمستقبل
"
اعترف الألمان واليابانيون بجرائم آبائهم وتقبلوا أخطاءهم الأخلاقية وخرجوا من التجربة وهم أكثر تواضعا, أما نحن اليهود فقد أخفقنا في استئصال الروح المتعالية الشريرة بكوننا الشعب المختار، فوجدنا أنفسنا في ورطة كبيرة
"
في رد، غير مباشر، على اتهامه بمعاداة اليهودية، يقول: لقد آن أوان الاعتراف بفظائع العالم جميعها. لذا يجب الحديث عن مذابح عام (614) التي ارتكبها اليهود بحق مسيحيي القدس. وليس واجبًا على اليهود الشعور بالذنب لما ارتكبه أسلافهم من زمن بعيد. الابن ليس مسؤولاً عن خطايا أبيه.. الاعتراف بالماضي خطوة على طريق العقل. لقد اعترف الألمان واليابانيون بجرائم آبائهم، وتقبلوا أخطاءهم الأخلاقية وخرجوا من التجربة وهم أكثر تواضعا وأقل عجرفة وأكثر قربا من بقية البشر.. أما نحن اليهود فقد أخفقنا في استئصال الروح المتعالية الشريرة بكوننا الشعب المختار، فوجدنا أنفسنا في ورطة كبيرة.

هذا الكتاب
يتميز أسلوب الكاتب بالعمق والجاذبية، ويعكس، في الوقت نفسه سعة اطلاع واسعة وثقافة عميقة. لا توقفه الكلمات ولا تخيفه التهم الجاهزة.

كثيرا ما يعود إلى التراث التوراتي والمسيحي والإغريقي ليقدم للقارئ الأوروبي أمثلة منها بهدف نقل فكرة محددة، وكثيرا ما يلجأ إلى السخرية.

حكاياته المأخوذة من التراث تسهل على المرء تذكرها، وبالتالي ربطها بالصراع على فلسطين، وإدانة المجرم والدفاع عن الضحية.

وربما فعالية هذا الأسلوب وتأثيره في القارئ يقفان وراء تعرض الكاتب وناشري كتبه لهجمات الصهاينة غير المسبوقة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة