شرفات للرؤية   
الثلاثاء 1427/1/22 هـ - الموافق 21/2/2006 م (آخر تحديث) الساعة 12:49 (مكة المكرمة)، 9:49 (غرينتش)

عرض/ سكينة بوشلوح
كثيرا ما تكتسب الأشياء أهميتها عندما تكون مفقودة أو مهددة بالفقد، فتحتدم في مشاعرنا الرغبة في استبقائها باستعادتها من وجودها الساكن المهدد، لنتأملها وقد أحكمنا عليها القبضة خوفا مما يتهددها بالزوال.

والهوية -هذا المفهوم الطارئ على الثقافة الإنسانية- تبدو في وضع قريب من الاحتمالات المثارة هنا، منذ قفزت إلى موقع المفهومية أولا ثم إلى أولى مراتب الأهمية إبان العقود الأخيرة من القرن الماضي، وعلى نحو ينبئ بغياب محتمل أو خطر مقبل في ظل ما يشار إليه الآن بالعولمة.

والهوية ليس أمرا جديدا كل الجدة، بل هي -كما لاحظ العديد من الباحثين- امتداد لتلك الظاهرة المألوفة.. ظاهرة الاستعمار الغربي الذي عرفه العالم منذ قرون.


- الكتاب: شرفات للرؤية.. العولمة والهوية والتفاعل الثقافي
- المؤلف: د. سعد البازعي
- عدد الصفحات: 250
- الناشر: المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء, المغرب
- الطبعة: الأولى 2005

وهي تطور طبيعي لاختلال موازين القوى السياسية والاقتصادية وحتى القوى الأعمق وهي القوى الحضارية. إنها ببساطة هيمنة الغالب، وليس أمام المغلوب إلا أن يعي موقعه ويسعى للتعامل بواقعية وذكاء مع الواقع المحيط.

من هذا المنطلق ومن خلال عدة مطارحات رئيسية في كتاب "شرفات للرؤية.. العولمة والهوية والتفاعل الثقافي" لمؤلفه الدكتور سعد البازعي أستاذ الأدب الإنجليزي والدراسات المقارنة في جامعة الملك سعود بالرياض، تناول الكاتب فكرة حتمية التفاعل الثقافي مع الآخر وضرورة السير فيه عبر رؤية نقدية واعية واستعداد فكري ناضج، انطلاقا من القناعة الأساسية بأهمية السعي نحو "مثاقفة مثمرة تحفظ الهوية الثقافية وتحقق الاستقلال الفكري".

كل ذلك بأسلوب جمع فيه المؤلف ما بدا له متصلا بعضه ببعض على شكل قضايا متشابهة وبالقدر الذي يبرر التأليف بينها وتقديمها للقارئ بهدف استخلاص الرؤية الجادة لما يحيط بنا من هموم وقضايا متنوعة.

الهوية وتحديات العولمة
بات موضوع الهوية شاغلا أساسيا في الفكر المعاصر وفي كثير من مناحي البحث، لاسيما الاجتماعية والنفسية والأدبية. هذا الانشغال يراه المؤلف امتدادا لهمّ إنساني قديم قدم الإنسان وقدم انشغاله الاجتماعي والثقافي.

والذي حدث هو أن السؤال تعالى إلى مرتبة الاحتدام نتيجة ظروف كثيرة متداخلة، فسؤال الهوية مطروح عالميا وفي كل ثقافة على حدة، لكنه يكتسب حدة أكبر في بيئات ثقافية معينة.

"
إذا كانت الهوية سؤالا عما يميز الفرد أو الثقافة أو الأمة عما عدا ذلك، فإنها قد تصير سؤالا محيرا حين تكثر المتشابهات وتختصر الكثير من المميزات في عدد قليل من الخطوط العامة المشتركة، كاللغات ووسائل الاتصال وأشكال اللباس والطعام والتعامل
"
ذلك أن المتأمل لخارطة الفكر المعاصر على المستوى العالمي يجد أن السؤال -حتى في وجود الأقليات وتحول كثير من الشعوب إلى أقليات- لم يطرح بشكل متواتر وناضج إلا في البيئات الحضارية الضخمة في الغرب، لأن سؤال الهوية سؤال فلسفي علمي مركب، والطرح المركب بحاجة إلى سياق فكري من المعرفة المتراكمة، وحوافز التفكير لا تتأتى عادة في البيئة البسيطة.

وهنا يؤكد المؤلف أن من أكثر الأقليات التي أبدت اهتماما بمسألة الهوية في العصر الحديث وعلى المستوى الفكري الأقلية اليهودية في أوروبا، إذ كان تنامي السؤال وتبلوره لديهم على نحو ينبع من انشغالهم الاجتماعي والثقافي بوضعيتهم في المجتمعات الأوروبية التي غالبا ما اكتنفها العداء والاضطهاد. فالاختلاف بالنسبة لليهود لا يعني التباين عن غيرهم فحسب، وإنما يعني التفوق والتميز الإيجابي.

لذلك نجد أن المحلل النفساني النمساوي "اليهودي" فرويد يقول "لأنني يهودي وجدت نفسي متحررا من الكثير من التحيزات التي ضيقت على الآخرين وحدت من قدرتهم على استعمال عقولهم"، وهي في الحقيقة مقولة يرى فيها الدكتور البازعي ميزة قد تتوفر للأقليات بشكل عام، إذ تعيش شكلا من أشكال الاضطهاد فتشحذ قدراتها من ناحية وتمكنها من النظر إلى الأمور من زوايا مختلفة عن رؤية الأكثرية المحيطة.

وإذا كانت الهوية سؤالا عما يميز الفرد أو الثقافة أو الأمة عما عدا ذلك، فإنها قد تصير سؤالا محيرا حين تكثر المتشابهات وتختصر الكثير من المميزات في عدد قليل من الخطوط العامة المشتركة، كاللغات المهيمنة ووسائل الاتصال وأشكال اللباس والطعام والتعامل.. إلى غير ذلك مما يحيط بالكرة الأرضية ويكاد يوحدها في قالب واحد أو هوية واحدة هي تلك القادمة من النصف الغربي للعالم، فأين يكون التميز إذا؟ وأين هي الهوية العربية في ظل هذه المواصفات؟

إن الهوية التي تأكل الطعام الأميركي وتقيم في الفندق الأميركي وتحمل الشهادة الأميركية أو الأوروبية وتتحدث الإنجليزية أو الفرنسية وتشاهد "بي.بي.سي" وتتواصل بالإنترنت ثم تتبع منهجا غربيا في البحث وتؤمن بالماركسية أو الليبرالية لتكتب بعد ذلك الرواية أو المسرحية، هي في نظر الكاتب هوية فقدت الكثير من اختلافها.. هوية تعولمت إلى حد ما وتشابهت مع غيرها.

وما حدث –في نظر المؤلف- لا يعبر عن تخل عن المرتكزات والمقومات المعروفة، كالدين واللغة والتراث الحضاري وما ينطوي عليه ذلك من عمق تاريخي، وإنما هو تغيرها بأقدار متفاوتة فيما بينها وتبعا للمؤثرات المحلية ضمن العالم العربي نفسه، كما أن دور كل منها في تثبيت الهوية يتباين من مكان إلى آخر في أنحاء العالم العربي.

لأجل ذلك يتساءل البازعي عن دور الجامعة العربية والمنظمات الإقليمية في الحفاظ على الهوية المشتركة، ذلك أن عوامل كثيرة مثل العولمة لا يبدو أنها تخدم مثل ذلك الهدف، بل قد تجعله مشروعا للاستعادة والاسترجاع.

الهوية والصراع العربي الإسرائيلي
كان الاستعمار عاملا رئيسيا في استثارة مفهوم الهوية من خلال نزوعه إلى خلق صدامات ثقافية حيثما حل، وذلك بفرضه قيما غريبة على البيئات الاجتماعية والثقافية التي يحل بها والتي تضطر بدورها للمقاومة قدر استطاعتها.

وإذا أخذنا البعد المقاوم هذا تبين لنا أن ما نسميه العولمة ليس فعلا أحادي الاتجاه وإنما عملية فعل ورد فعل: غرب يفرض نفسه وثقافات تقاوم، وكلتا العمليتين ذات أبعاد عالمية. ومن هنا تناول الكتاب قضية الصراع العربي الإسرائيلي بوصفه جزءا من تلك العملية الجدلية.

بدأ المؤلف طرحه للموضوع بالإشارة إلى أن الهوية قضية مركزية في هذا المعترك ليس في الجانب العربي فحسب وإنما يتعداه إلى الجانب الإسرائيلي كما تؤكده العديد من الكتابات اليهودية والدراسات الإسرائيلية عموما.

"
الهوية قضية مركزية في معترك العولمة ليس في الجانب العربي فحسب وإنما يتعداه إلى الجانب الإسرائيلي كما تؤكده العديد من الكتابات اليهودية والدراسات الإسرائيلية
"
فمنذ نهاية القرن التاسع عشر كان المهاجرون اليهود يأتون مسلحين بالثقة الذاتية لاستعادة الهوية القديمة لبني إسرائيل، وهم في ذلك يعتقدون بأن المجتمع الفلسطيني جاء ليعرفهم أرضهم المقدسة، فهم شخوص في تاريخ الأرض وليسوا شعبا سلبت منه الأرض. وهذا معناه أن مهمة اليهود هي إعادة تسمية الأرض ليستعيدوا هويتها ويستعيدوا هم هويتهم من خلالها.

هذه القناعة استقرأها الكاتب من خلال عدة أعمال لمؤلفين يهود أبرزهم الشاعر حاييم بياليك الذي عاصر المشروع الصهيوني، والكاتب يهودا أميخاي الذي تنامى شعريا على نحو مواز مع نمو دولة إسرائيل.

وهي ذات القناعة التي يختلط فيها موقف الحماسة لتأسيس الوطن والحفاظ عليه بشكوك واسعة في جدوى ذلك وإمكانية التأقلم معه على المدى الطويل، فالفلسطينيون رغم كونهم الأضعف ووجودهم تحت حصار جسدي ونفسي، يشكلون بمواصلتهم العيش في إسرائيل ومطالبتهم الشرعية بالأرض، حصارا ملموسا على النفسية الإسرائيلية والتركيبة الأخلاقية لسكانها من اليهود.

ومن ثم لم تعد استعادة الهوية هدفا مقتصرا على المساعي القومية للإسرائيليين أو اليهود عموما، كما لم يعد استخدام "العنف" لتحقيق ذلك حكرا عليهم وحدهم، فالمقاومة الفلسطينية تسير نحو هدف مماثل وإن تغيرت الزاوية واختلف المهاد، والوسيلة هي ذاتها على ما بين مستوى "العنف" وأسلوبه في الحالتين من اختلاف كبير.

أما عن الجانب العربي فيرى المؤلف أن من نتاج الصراع بروز خطابين مختلفين متداخلين في كثير من أعمال الكتاب العرب وفي غالب الأحيان: خطاب يفصح عن الغضب وعن القناعة الأساسية لدى الفلسطيني العادي بأن ظلما فادحا قد ارتكب عليه ولا يزال في فلسطين ضد السكان العرب، وخطاب مثقل بغير قليل من التردد والنظرة الإنسانية التي تنظر إلى الإسرائيلي العادي بوصفه ضحية لظلم يظلل الجميع. وواقع الأمر أن الخطاب ذا النزعة الهجومية الدفاعية هو الأقوى من ذلك الذي يبحث عن منطقة وسطى.

والخطابان موجودان أحيانا في العمل الواحد كما في قصيدة "حالة حصار" للشاعر محمود درويش، أو كما في قصة "العائد إلى حيفا" للمؤلف الراحل غسان كنفاني. ومع كل ذلك يصر المؤلف على بقاء الصراع والتنافس حول الهوية بين الجانبين من غير أي تردد، فمن يمتلك الأرض واللغة؟ ومن يحبهما أكثر؟ ومن يكتب عنهما أفضل؟

الاستقبال وسوء الفهم
في إشارة منه إلى ضرورة التفاعل مع الثقافة الغربية، يركز المؤلف في ختام المطارحات التي تناولها الكتاب على كيفية الاستقبال وأسبابه، إذ إن نقل العمل أو الفكرة من حيز إلى آخر تدعو إليه حاجة تاريخية وثقافية محددة.

هذه الحاجة عادة ما تكون مزدوجة الدلالة، بمعنى أنها تدلنا على وضع الثقافة المستقبِلة بقدر ما تتصل بطبيعة العمل (موضوع الاستقبال) التي جعلت من الممكن لذلك العمل أن يكون مهما لكتاب أو ثقافات أخرى.

"
مع أننا جميعا معرضون لسوء الفهم على المستوى الثقافي، فإننا نتفاوت في تعرضنا لسوء فهم ينتج عن عدم تقصي الفرد منا لما يبحث فيه، أو حين نختار المصطلحات لنوظفها كما نريد، وهذه هي الأزمة الحقيقية
"
ومن ثم يتضح ما حدث لأرسطو في الثقافة العربية مثلا، وما حدث للفيلسوف الفرنسي ديكارت حين وظفه طه حسين، وللماركسية لدى الكثيرين ولليبرالية في أعمال غيرهم.

وحجته في ذلك أن سوء الفهم ليس من السهل تبريره دائما، وتاريخ الفكر هو إلى حد كبير تاريخ من الطرح والطرح المقابل، ومن الفهم وسوء الفهم. والمفكر أو الناقد يظل دائما محكوما إلى حد قد يكبر أو يصغر بسياقه الثقافي الذي يؤثر في تناوله لما في الثقافات الأخرى مما يعرضها لتحوير المفاهيم والأفكار.

ومع أننا جميعا معرضون لسوء الفهم على هذا المستوى الثقافي، فإننا نتفاوت في تعرضنا لسوء فهم ينتج عن عدم تقصي الفرد منا لما يبحث فيه، أي لم يقم بما كان ينبغي القيام به من جهد بحثي وقرائي، أو حين نختار المصطلحات لنوظفها كما نريد، وهو الأمر الذي يعده الدكتور البازعي أزمة حقيقية لا يدري إن كان هناك مشتغل جاد في حقل الثقافة قادر على القول بأنه خال من قلقها وتأثيرها على أعماله.

ففعل "المثاقفة" بما هو ذهاب إلى الآخر وتفاعل مع معطياته يؤدي في النتيجة النهائية إلى ما سماه "تعولما"، وليس مما يغير طبيعة ذلك أن تكون العولمة فعلا واعيا وإراديا مقصودا أم لا، فهي في النهاية تلبس فكري وتمازج بمعطيات الآخر.

ولعل المأزق الحقيقي يتمثل في عدم حدوث التفاعل على الوجه الصحيح، ما يؤدي إلى إحدى نتيجتين: تعولم بناء وضروري، أو تعولم مشوه متعجل المثقافة.

وفي كل الأحوال يجب أن تبقى المقاومة قائمة كمقاومة الجسد للجسم الغريب، تضمن له توازنه وتبعده عما يؤدي إلى التشوه والاضمحلال.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة