العلاقات الثقافية الدولية   
الاثنين 8/10/1427 هـ - الموافق 30/10/2006 م (آخر تحديث) الساعة 16:31 (مكة المكرمة)، 13:31 (غرينتش)
عرض/ سكينة بوشلوح
لم تكن العلاقات الثقافية الدولية في العصور القديمة والوسطى بهذا الاتساع والشمول والتعقيد الموجود حاليا، بل امتازت بالبطء في الانتشار والانتقال من منطقة إلى أخرى وبمحدوديتها في الزمان والمكان، إضافة إلى أنها لم تكن موجهة ولا منظمة وإنما عفوية وغير منفصلة عن غيرها من العلاقات الأخرى خاصة التجارية منها.











- الكتاب: العلاقات الثقافية الدولية.. دراسة سياسية قانونية
- المؤلف: العلالي الصادق
-عدد الصفحات: 396
- الطبعة: الأولى/2006

-الناشر: ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر

كان اختلاف البيئات وتنوع الموارد الطبيعية دافعا للتعارف والتعاون لاستكمال النقائص والاستفادة من تجارب الآخرين سواء بطريقة سلمية أو حربية، لذلك ركزت الدراسات الخاصة بالثقافة على التمايزات والاختلافات القائمة بين المجتمعات البشرية والثقافات القديمة والحالية، غير أن الاختلاف لا يعني الخلاف نظرا لوجود ما يجمع بينها من مبادئ ومثل وبالتالي التركيز على ما يجمع لا على ما يفرق.

من هذا المنظور يدرس الأستاذ العلالي الصادق أستاذ الحقوق والعلوم السياسية بجامعة الجزائر في هذا الكتاب العلاقات الثقافية الدولية دراسة سياسية قانونية، فيبرز دورها في تلطيف العلاقات الدولية ودمقرطتها ويعتبرها الوسيلة المثلى للحوار والتفاهم بين الأمم والشعوب، خاصة بعد تقريب التقدم العلمي والتقني بين أجزاء العالم المختلفة والمتباعدة وتسهيل صناعة الثقافة وتبادلها وما أحدثه ذلك من تأثيرات سلبية وإيجابية على التنمية والهوية والسيادة.

تاريخ العلاقات الثقافية الدولية
نظرا لطبيعة الموضوع اعتمد المؤلف في دراسته على المنهج التحليلي التاريخي، ورأى أن الاهتمام الجاد بالثقافة بدأ في مرحلة الحرب العالمية الأولى التي تركزت خلالها العلاقات الدولية في حيز جغرافي متقارب ومناخ حضاري متشابه وتيار ليبرالي سياسي غربي واحد، تجسد من خلال قوانين ومواثيق دولية وهيئات تتكفل بها كالمعهد الدولي للتعاون الفكري.

"
انقطعت العلاقات الثقافية بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية، وتوقفت حتى انتهائها حيث أعيد النظر فيها من جديد، فتم استئنافها برؤية جديدة وتطور كمي ونوعي، مما أدى إلى ظهور منظمة اليونسكو
"
انقطعت العلاقات الثقافية بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية، وتوقفت حتى انتهائها حيث أعيد النظر فيها من جديد، فتم استئنافها برؤية جديدة وتطور كمي ونوعي، مما أدى إلى ظهور منظمة اليونيسكو التي كان من بين أهدافها تطوير وتشجيع وتعزيز التعاون العلمي والمبادلات الثقافية على الصعيد العالمي.

وأرجع المؤلف سبب نشوء منظمة اليونيسكو إلى الويلات الاجتماعية والصدمات النفسية والدمار الاقتصادي التي أحدثتها الحروب، وكذا تنامي موجة التحرر التي ظهرت بموجبها دول لها ثقافات وحضارات مختلفة عن ثقافة الغرب، فكانت دافعا في رغبة البشرية في إقامة سلام دائم يكون أساسه ودعامته الثقافة لما لها من دور أساسي في تحقيق التفاهم والتعايش الدوليين.

وقد ظهرت في ذلك كثير من القوانين الدولية التي تشير إلى أهمية الثقافة كما هو الشأن في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وإعلان الحق في المبادلات الثقافية، الأمر الذي أضفى على العلاقات السياسية والاقتصادية والعسكرية بعدا جديدا سواء كان ذلك على المستوى الدولي أو المستوى الوطني.

والاختلاف الكبير حول مفهوم الثقافة ومن ثم مفهوم العلاقات الثقافية لدى الدول الأطراف أو لدى المنظمات الدولية العامة أو المتخصصة، أنتج ظهور مفاهيم مختلفة مسايرة للانقسامات الموجودة عالميا، كالانقسام العالمي إلى شرق وغرب أو شمال وجنوب، والانقسام العالمي إلى دول متقدمة وأخرى متخلفة، مما أسفر عن عدم الاتفاق عليها أو على دورها في العلاقات الدولية.

وقد ظهرت ثلاث نظريات متباينة لكل منها أسسها وغاياتها، أولاها تتمثل في المركزية الثقافية وأساسها عنصري عرقي يولد التفاضل بين الثقافات، وقد استخدمت من طرف الاستعمار القديم والجديد على حد سواء، وهي اليوم تعود بوجه آخر تحت عبارة العولمة.

أما نظرية النسبية الثقافية فهي تدافع عن فكرة الاختلاف والحق فيه والاعتراف بالآخر المغاير منكرة وجود أي عوامل مشتركة في الثقافة الإنسانية الحالية.

وأخراها نظرية موقف التعارف وأساسها مستمد من النظرة القرآنية للعلاقات بين الناس والثقافات، وطريقة فهم الاختلاف بين الشعوب والقبائل والأمم، فالفطرة الإنسانية واحدة من حيث الأصل ومتعددة من حيث الزمان والمكان، مما يدفع إلى التعاون والتفاعل الإيجابي مع بقية ثقافات الأجناس الأخرى لفائدة الكل.

وانطلاقا من النظريات الثلاث يمكن حسب المؤلف بحث دور الثقافة مع تبيان أهميتها وما تضيفه هي نفسها كعامل مهم في تحقيق وتعميق السلم والأمن الدوليين اللذين هما هدفان من أهداف العلاقات الدولية.

"
تعدد مناحي العلاقات الدولية الثقافية أدى  إلى نشوء مشاكل قانونية من حيث طبيعتها وطبيعة القواعد القانونية التي تحكمها ومن حيث التمييز بينها وبين ما يقاربها من علاقات
"
إلا أن الواقع اليوم يدل على سيادة النظرية المركزية لما تملكه من وسائل وإمكانات مادية ومعنوية واقتصادية وإعلامية، لذا ركز المؤلف على طبيعة الحضارة الغربية المادية التي اعتمدت التنمية الاقتصادية الكمية، مما أدى إلى ظهور مشاكل لدى الدول الغربية نفسها ولدى دول العالم الثالث التي اتبعت نفس النهج لتأثرها بالغرب المستعمر السابق.

مما جعل التنمية تدخل حلبة الصراع الدولي كأداة من أدواته وكوسيلة سيطرة وهيمنة وتبعية مستخدمةً في ذلك أيضا الثقافة خاصة بعد أن تم تصنيعها، الأمر الذي أدى إلى ظهور الصناعات الثقافية وما تدره من فوائد وعوائد مالية تفوق أحيانا عوائد النفط.

ويرى المؤلف أن تعدد مناحي العلاقات الدولية الثقافية أدى هو الآخر إلى نشوء مشاكل قانونية من حيث طبيعتها وطبيعة القواعد القانونية التي تحكمها ومن حيث التمييز بينها وبين ما يقاربها من علاقات، ومن حيث تصنيفها والمعايير الواجبة الاستخدام، سواء كانت معايير مادية أم شكلية والتي لا تتماشى كلها مع طبيعة هذه العلاقات، مما يتطلب استخدام معيار الانتماء أو الانتساب لحضارة ما من الحضارات المعروفة.

حق التنوع والاختلاف
لم يستطع محررو المواثيق لهيئات ومنظمات عالمية متخصصة وعامة التمييز بين المبادئ والأهداف، وهذه المبادئ والأهداف منها ما يخص الثقافة نفسها ومنها ما يخص التعاون الدولي الثقافي، ومنها ما هو موجود في القانون الدولي كمبادئ أساسية عامة.

ويلاحظ عليها المؤلف أنها متفرقة متداخلة مترابطة ومختلفة من حيث قوتها القانونية، وأكثر من ذلك فهي لم تعد تساير التطورات السريعة التي يعيشها العالم اليوم خاصة في ميدان العلاقات الثقافية الدولية لانتقال الصراع إليها بعد أن كان يحجبها الصراع السياسي والاقتصادي.

كما أنها ظهرت بعد أن كان الغرب مسيطرا على بقية العالم، وكان توجهه هو السائد سياسيا واقتصاديا وقانونيا، فكانت قواعد القانون الدولي من ثم غربية لا تعكس مختلف الثقافات والحضارات الموجودة، مما طرح ويطرح مشاكل عديدة معقدة كالازدواجية في المعاملة، الأمر الذي يتطلب إدخال مبدأ التعددية الثقافية وحق الاختلاف ليصبحا أساسين من أسس القانون الدولي.

"
الاعتراف اليوم بحق التنوع والاختلاف يفرض نفسه كحقيقة في مجتمع عالمي يعيش فيه أكثر من عشرة آلاف مجتمع ونحو مائتي دولة وتوجد به ستة آلاف لغة لا يستعمل منها سوى 26 لغة لكل منها نظرتها الخاصة للعالم
"
والاعتراف اليوم بحق التنوع والاختلاف يفرض نفسه كحقيقة في مجتمع عالمي يعيش فيه أكثر من عشرة آلاف مجتمع وما يقارب مائتي دولة وتوجد به ستة آلاف لغة لا يستعمل منها سوى ست وعشرين لغة لكل منها نظرتها الخاصة للعالم ونمط فريد للعيش وطرق مختلفة للباس والتفكير.

ولكون اللغة أحسن رمز ووسيلة لنقل الثقافة واستمرار الأمم والشعوب وتدعيم رصيدها من الممتلكات الثقافية تتضمنها قيم ومبادئ ومعايير وأخلاق وأدوات، فإنها تكون فجة وحساسة من حيث التأثير والتعرض للأخطار كالازدراء والعنصرية والتشويه بكل الطرق والوسائل خاصة التكنولوجية منها.

فالتلفزيون والإذاعة والأقمار الصناعية والإنترنت والفيديو والسينما وما تبثه من أخبار وبرامج تهدف كلها إلى توحيد وتنميط الثقافات العالمية في ثقافة واحدة مهيمنة هي الثقافة الغربية بشقيها اليهودي والمسيحي.

ولخطورة النتائج المترتبة عن هذا الخرق الذي لا تملك دول العالم الثالث القدرة على مواجهته، تصر في جميع اجتماعاتها ومؤتمراتها على الرفض التام لهذا التوحيد، مما دفعها إلى المطالبة بإقامة نظام ثقافي دولي جديد تكملة لمطالبها بإقامة نظام اقتصادي دولي جديد.

كما لا تخلو اتفاقية من الاتفاقيات المبرمة على التأكيد والنص على احترام مبدأ المساواة في السيادة ومبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية.

وقد أكدت على ذلك العديد من القرارات والتوصيات الصادرة من منظمة الأمم المتحدة ومنظمة اليونيسكو ومنظمة الأيسيسكو ومنظمة الأليسكو كمنظمات إقليمية وجهوية.

وعليه فإنه لا معنى لمثل هذه المبادئ ولا للعلاقات الودية بين الدول إذا لم تقم في علاقاتها فيما بينها باحترام ثقافاتها احتراما متبادلا، وعدم استخدام التعاون بغرض تحقيق نفوذ ثقافي وبسط أيدولوجي على حساب ثقافات أخرى.

كل ذلك يتطلب حسب رأي المؤلف إيجاد وسائل وأجهزة لحماية الثقافة باعتبارها تراثا مشتركا للإنسانية، لأن حمايتها هي حماية للإنسان في جميع أبعاده, وعدم استخدامها كوسيلة سيطرة خاصة أن المنظمات والهيئات العالمية تصدر قرارات وتوصيات وإعلانات لا تتمتع بقوة الإلزام مما يجعلها ضعيفة.

فترقية أمن وحياة البشرية واستمرارها يقتضي العمل على غرس الإحساس بالمسؤولية لدى كل الأفراد والشعوب والأمم وليس لدى الدول فقط.

وأشار المؤلف إلى الأثر السلبي لتصنيع الثقافة ومن ثم إخضاعها للتجارة كسلعة من السلع العادية رغم طبيعتها الخاصة القيمية وبطرق مشروعة وغير مشروعة، سرية وعلنية كما هو جار للقطع الأثرية والتحف الفنية التي تنهب وتسرق وتباع بأثمان بخسة، ناهيك عما تسببه من فقدان المعلومات والتاريخ، ليس تاريخ قوم بعينه بل جزء من تاريخ الإنسانية جمعاء.

القانون الدولي الثقافي ضرورة حتمية
"
لابد من إيجاد فرع جديد للقانون الدولي هو القانون الدولي الثقافي، يعترف بالحقوق الثقافية ويجمعها ويقننها، كما يضع نموذجا لقائمة الجرائم المرتكبة ضد السلام والأمن الدوليين
"
لتعقد العلاقات الدولية عامة والثقافية خاصة ضم المؤلف صوته إلى الأصوات المطالبة بضرورة إيجاد فرع جديد للقانون الدولي هو القانون الدولي الثقافي، يعترف بالحقوق الثقافية ويجمعها ويقننها، كما يضع نموذجا لقائمة الجرائم المرتكبة ضد السلام والأمن الدوليين.

على أن يكون التعايش والتسامح والمحافظة على التنوع الثقافي وحفظ التراث المشترك للإنسانية هو المنطلق والأساس، إذ إن عمليات تدمير ونهب الممتلكات الثقافية واللغات واعتبارها من غنائم الحروب كما حدث في أفغانستان والعراق ما هي إلا تصرفات تشكل جرائم ثقافية.

وللحد من تلك الجرائم يقترح المؤلف إنشاء مكتب دولي لإجراء التحقيقات حولها وتبيان علاقته بالآليات القانونية القائمة وإيجاد طريقة تحكيم عن طريق التفاوض وتحديد المسؤوليات والتعويض عن الأضرار.

هذا فضلا عن إنشاء محكمة دولية تكون بمثابة الذراع القضائية للأمم المتحدة لمواجهة الاعتداءات على الثقافة، وتكون قواعد العدل والمساواة وعدم التعسف في استعمال الحق وتحريم استخدام القوة، كلها منطلقات قانونية لها حتى تصير أخلاقا دولية ومبادئ عامة معترفا بها من طرف الأنظمة القانونية الكبرى.

وعند تطبيق الحماية في الميدان الثقافي المراد حمايته ينبغي النظر إليه ليس ككيان مادي، بل ككيان يضم ويحتوي على رموز ثقافية خالدة، هذه الحماية التي غدت من صيغ القانون الدولي وهي كقاعدة عامة مقبولة على صعيد المجتمع الدولي.

كما يقترح جعل مجلس الأمن الدولي يتكون من أعضاء يمثلون مختلف الحضارات ومختلف الثقافات، أي جعلها هي الدائمة وليس الأعضاء هم الدائمين وذلك للتقليل من هيمنة وسيطرة ما يسمى حق النقض (الفيتو) غير العادل.

وفي الأخير يرى المؤلف أن تتشكل جمعية الأمم المتحدة عن طريق الانتخابات المباشرة بواسطة الشعوب كلها، وذلك بالاستفادة من تجربة منظمة العمل الدولية والبرلمان الأوروبي.

على أن تكون مكونة من مجلسين: مجلس تمثل فيه الحكومات ومجلس تمثل فيه الشعوب وهيئات المجتمع الدولي، وذلك لتمكين مختلف الشعوب والحضارات من إسماع أصواتها تماشيا مع حرية التعبير والديمقراطية، وتماشيا مع حق التنوع والاختلاف.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة