السيطرة على الغذاء   
الخميس 1435/7/3 هـ - الموافق 1/5/2014 م (آخر تحديث) الساعة 16:45 (مكة المكرمة)، 13:45 (غرينتش)

عرض/محمود الفطافطة
يعالج كتاب "السيطرة على الغذاء، السيطرة على الشعب.. الكفاح من أجل الأمن الغذائي في غزة" العلاقة بين الإستراتيجيات الإسرائيلية للسيطرة على الفلسطينيين وتعزيز انعدام الأمن الغذائي في قطاع غزة.

ولتحقيق هذه الغاية يذهب المؤلفان بعيدا في تحليل الوضع الراهن للغذاء والإنتاج الغذائي في القطاع، ليضعا إطارا نظريا تكامليا لتحديد عوامل الأمن الغذائي التي يتم التغاضي عنها في التعريف التقليدي.

وبالاستناد إلى هذا الإطار، وانطلاقا من بيانات أولية وثانوية، قام المؤلفان بتحليل الاحتلال الإسرائيلي للأرض والثقافة الفلسطينيتين ليؤكدا أن انعدام الأمن الغذائي ليس أثرا جانبيا من آثار الاحتلال، بل هو هدف إستراتيجي تسعى لتحقيقه الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة للوصول إلى تجسيد فكرة ديمومة الاحتلال الجغرافي والابتزاز السياسي والاخضاع الاقتصادي.

-العنوان: السيطرة على الغذاء
-المؤلفان: رامي زريق وآن غوف
عدد الصفحات:110
-الناشر: مؤسسة الدراسات الفلسطينية ـ بيروت
-الطبعة: الأولى، 2014

يتكون الكتاب من أربعة فصول، المقدمة إحداها، إلى جانب الخاتمة وقائمتي الملاحق والمراجع.

في المقدمة يضع المؤلفان فرضية، منطلقين بها نحو استعراض وتحليل استخدام إسرائيل لمسألة انعدام الأمن الغذائي الشديد الذي يسود القطاع.

هذه الفرضية مؤداها: أن انعدام الأمن الغذائي في قطاع غزة ليس مجرد نتيجة من نتائج الحصار عسكريا واقتصاديا فحسب، بل يشكل أيضا في حد ذاته سلاحا للإخضاع والسيطرة، وأن السلطات الاسرائيلية عمدت بصورة منهجية ومنظمة إلى تقويض كل عنصر من عناصر الأمن الغذائي منذ احتلال فلسطين التاريخية سنة 1948، وأدت هذه الإستراتيجية في القطاع إلى تآكل النسيج الاجتماعي والثقافة الغذائية.

العيش بـ"تصريح مرخص"
العنوان الأول من الفصل الأول جاء موسوما بـ"الغذاء سلاحا"، حيث يذكر المؤلفان "أن الناس في قطاع غزة يعيشون بـ"تصريح مرخص" من إسرائيل، ذلك بأنهم يحتاجون إلى إذن للخروج من "سجن غزة" تلبية لحاجاتهم الطبية أو التعليمية، وللوصول إلى الأراضي الزراعية، وللصيد في المراكب على طول الخط الساحلي، وحتى لحفر الآبار. إذن، هم لا يتمتعون بأي حقوق، ولا سيما الحق في الغذاء".

ويرى الكتاب أن إسرائيل لجأت إلى استخدام الغذاء إستراتيجيا من أجل السيطرة على الفلسطينيين منذ سنة 1948، وأصبحت ديناميات القوة التي تؤدي دورا في العلاقات الغذائية أكثر وضوحا منذ فرض الحصار على القطاع في 2006.

هنا يستشهد زريق وغوف بتصريح لمستشار رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق أيهود أولمرت الذي قال عقب الحصار "علينا أن نفرض حمية على الفلسطينيين لجعلهم يموتون جوعا".
ومثل هذه الفكرة تدلل على أن إسرائيل لا تتعمد تغيير البيئة السياسية لجغرافية فلسطين الطبيعية فحسب، بل تفرض أيضا نظاما غذائيا قد يؤدي في نهاية المطاف إلى نزوح مزيد من المزارعين الفلسطينيين عن مزارعهم.

لجأت إسرائيل إلى استخدام الغذاء إستراتيجيا من أجل السيطرة على الفلسطينيين منذ سنة 1948، وأصبحت ديناميات القوة التي تؤدي دورا أكثر وضوحا في العلاقات الغذائية منذ فرض الحصار على القطاع في 2006

أما بخصوص المساعدات الغذائية للقطاع فيشير الكتاب إلى أن هذه المساعدات محدودة بفعل إحكام الحصار وعدم قدرة وكالة "الأونروا" على تغطية كل الاحتياجات لسكان القطاع لأن مطالبها السنوية لتمويل القطاع الغذائي تتجاوز مخصصاتها الفعلية.

وفي عنوان "انعدام الأمن الغذائي: أبعد من الحصار" نجد أن المؤلفين يشيران إلى أن الاحتلال الاسرائيلي للمنظومتين الغذائية والزراعية في القطاع يمتد أبعد كثيرا من الحصار، فإذا رفع الحصار غدا ستبقى غزة محتلة، ذلك أن الهيمنة الإسرائيلية لا تزال متجذرة في السيطرة على كل حركة من غزة وإليها وفي داخلها.

ويضيفان "ومع أن رفع الحصار قد يؤدي إلى تحسين هامشي في مؤشرات محددة في الأمن الغذائي، من غير المرجح أن يساهم في تحسين المنظومة الزراعية في غزة، أو في مستويات انعدام الأمن الغذائي المزمن. وبالتالي لن تبقى غزة محتلة فحسب، بل أيضا محاطة بدول ومانحين ووكالات يهتمون بإبقاء وجودهم في فلسطين أكثر منه بإنهاء الاحتلال".

هيمنة واقتلاع
الفصل الثاني من الكتاب خُصص لمناقشة الإطار التحليلي للدراسة، ففي العنوان الأول "السيطرة عن طريق الغذاء" نجد أن الكاتبين يذكران أن التاريخ يشهد على أن سلطة الغذاء هي محرك أساسي للشعوب، "فمن العبارة التهكمية التي كان القيصر الروماني يرددها "الخبز والسيرك"، إلى الجملة التي تُنسب إلى هنري كيسنجر "سيطر على النفط فتسيطر على الدول، سيطر على الغذاء فتسيطر على الشعوب"، يُعرف أن الغذاء هو أداة للسيطرة السياسية.

في هذا الإطار ينتقد المؤلفان تجاهل المراكز البحثية ووسائل الإعلام العوامل السياسية والاقتصادية الكامنة خلف النقص في المواد الغذائية.

هذا التجاهل هو الذي جعل البعض ينظر إلى انعدام الأمن الغذائي السائد في قطاع غزة على أنه نتيجة البطالة والفقر لا السياسة الأوسع نطاقا للاحتلال الإسرائيلي.

في السياق نفسه يرى المؤلفان أن النظام الغذائي العالمي يؤدي إلى السيطرة على الغذاء، وهذا بدوره يُسبب النزوح عن الأرياف إلى المدن.

هذا النظام القائم على الشركات أدى إلى اجتثاث المنظومات الغذائية من مواضعها المعهودة، وبالتالي إلى تهميش السكان الذين يعتمدون على الزراعة في معيشتهم. تسويق هذا النظام لبرامج التكييف الهيكلي التي فُرضت على الدول الفقيرة لم تفشل في ترويج التنمية الاقتصادية فحسب، بل أيضا تسببت بنزوح جماعي للمزارعين الصغار عن الأراضي الزراعية إلى المدن، في عملية أطلق عليها اسم "اقتلاع المزارعين". كل ذلك -وفق الكتاب- أحدث تآكلا في قدرة المجتمعات على الفعل، وتسبب في زيادة أعداد الجياع.

وفي الفصل الثالث يتحدث الكتاب عن السيطرة على الأمن الغذائي في غزة مستهلا الحديث عن ربط النظام الغذائي العالمي بالاحتلال.

في هذا الشأن يرى المؤلفان أن منطق الإلغاء هو المتبع لدى الكولونيالية الاستيطانية والتي تسعى لإلغاء السكان الأصليين وتجيز الاستحواذ على نتاج عملهم مثلما هو الحال مع مفهوم الاستلاب التنموي المعبر عن الطبيعة المغرضة للاحتلال في انتزاع عوامل الإنتاج -الأرض والعمل ورأس المال- من السكان الأصليين بهدف ترسيخ سلطته على الأراضي، وعزل السكان الأصليين عن أي تنمية أو استقلال ذاتي على الصعيد الاقتصادي.

وتحت عنوان "تقويض الأمن الغذائي في الممارسة" يذكر الكتاب أن فشل الوصول إلى الاستحقاقات، مثل الأرض والماء، شكل عنصرا حاسما في غياب الحصول على منظومات زراعية سليمة، وبالتالي عدم التمتع بالأمن الغذائي في القطاع.

احتلال ناعم
وفي عنوان "تقييد قدرة المجتمع الفلسطيني على الفعل" يؤكد الكتاب أن النظام الغذائي الذي تفرضه إسرائيل في غزة هو مثال جيد لنظرية سمير أمين فيما يتعلق بدمج الأطراف في منظومة من الرأسمالية العالمية.

ففي رأي أمين تغيرت الأنظمة الغذائية العالمية إلى درجة أنه بات في إمكان القوى الاستعمارية إبقاء سيطرتها الاقتصادية على الموارد دون الاضطرار إلى إنفاق الأموال على احتلالات استيطانية باهظة التكلفة، مما يتيح لها التركيز بدلا من ذلك على توسيع أسواق السلع الأساسية التي تلبي حاجاتها في الأطراف.

إلى ذلك، يتطرق المؤلفان إلى واقع الإنفاق في القطاع، حيث يذكران أن منظومة الإنفاق تمثل إعادة تأكيد قدرة المجتمع في غزة على الفعل في وجه الاحتلال المسبب للشلل، ورفضا من هذا المجتمع لتوصيفه بأنه أطراف إسرائيل الاقتصادية. وفي حال استمرت مصر في توسيع القيود على التجارة عبر الأنفاق أو إغلاقها سيبقى سكان غزة تحت الرحمة الكاملة للسياسات التي تفرضها إسرائيل على الواردات الغذائية.

رغم الأهمية النوعية للكتاب من حيث الموضوع والمضمون شابته نواقص لا تؤثر سلبا على كليته العامة، مثل محدودية استعراض وتحليل واستشراف بعض القضايا لا سيما المتعلقة بالسيادة الغذائية والمفهوم الجديد للأمن الغذائي

وفي الفصل الرابع الأخير يتطرق الكتاب إلى جملة عناوين، أولها السياسات الزراعية الفلسطينية، حيث إن حكومات السلطة المتعاقبة ركزت على السياسات الاقتصادية النيوليبرالية للسير نحو التنمية، متجاهلة أن هذه البرامج ساهمت في انهيار القدرة على الفعل بشأن كل عوامل الأمن الغذائي.

ولذلك، يطالب الكتاب صانعي السياسة الفلسطينية العمل من أجل إبقاء المزارعين في أرضهم، بدلا من اعتماد سياسات تقود إلى العكس تماما والعمل على إعادة تفعيل قيمة اقتصاد الإنتاج الغذائي الهش في غزة، لا من أجل توفير الأمن الغذائي فحسب، بل أيضا باعتباره إستراتيجية للمقاومة.

وفي عنوان المساعدات الدولية يبين الكتاب أن مشاريع المساعدات الدولية لغزة فقدت شرعيتها بسبب خضوعها للإستراتيجيات الإسرائيلية، كما أن المانحين الدوليين لم يتخذوا إجراءات لإرغام إسرائيل على تحمل مسؤولية أفعالها قط.

ويختم المؤلفان كتابهما بالقول: ثمة عطش إلى السيادة الغذائية، وإلى قدرة المجتمع في غزة على الفعل، وعلى "اقتصاد المقاومة" الذي يضع النضال من أجل السيادة والأرض فوق تصورات النمو الاقتصادي الزائفة.

فالإذعان لإملاءات إسرائيل، أو وكالات المساعدات الدولية، لم يؤد إلى تعزيز الاستقرار الاقتصادي الفلسطيني، أو إلى وضع حد للاستعمار، إذ يجب أن يُبنى كل من النشاط الاقتصادي والاجتماعي والثقافي على مقاومة الاحتلال.

وبهذا، فإنه رغم الأهمية النوعية للكتاب من حيث الموضوع والمضمون فإنه شابه بعض النواقص التي لا تؤثر سلبا على كليته العامة، مثل هذه النواقص تمثلت أساسا في محدودية استعراض وتحليل واستشراف لبعض القضايا سيما المتعلقة بالسيادة الغذائية والمفهوم الجديد للأمن الغذائي.

هذا عدا عدم تطرقه لعناوين ذات علاقة بموضوع الكتاب كتأثير بروتوكول باريس الاقتصادي على واقع الأمن الغذائي في القطاع، وقضية الانقسام الداخلي ودور القطاع الخاص الفلسطيني في التخفيف من قسوة انعدام الأمن الغذائي وسواها من قضايا أخرى.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة