أخبار سيئة من إسرائيل   
الاثنين 1425/11/15 هـ - الموافق 27/12/2004 م (آخر تحديث) الساعة 14:30 (مكة المكرمة)، 11:30 (غرينتش)
عرض/ كامبردج بوك ريفيوز
حقائق مذهلة: 43% من الأميركيين يظنون أن الفلسطينيين هم الذين يحتلون "الأراضي المحتلة"، و27% من الألمان و16% من البريطانيين يظنون الشيء نفسه. 22% من الأميركيين يظنون أن المستوطنين هم فلسطينيون، و27% من الألمان و38% من البريطانيين يظنون نفس الشيء.
 

- اسم الكتاب: الحكومة الإلكترونية





- اسم الكتاب: أخبار سيئة من إسرائيل
-
المؤلفان:
غريغ فيلو ومايك بيري
-عدد الصفحات:
315
- الطبعة: الأولى 2004م

-الناشر:
بلوتو برس, لندن

هذا نزر يسير من نتائج دراسة مهمة بحثت تغطية وسائل الإعلام البريطانية -وتحديداً التلفزيون- للصراع الفلسطيني الإسرائيلي وأشرف عليها ونشرها البروفيسور غريغ فايلو من جامعة غلاسكو في أسكتلندا.
 
شملت الدراسة أكثر من 800 شخص، وتناولت بالتحليل أكثر من 200 برنامج إخباري ذي علاقة. النتائج والأرقام والخلاصات تصدم بالفعل، خاصة وهي تتناول شرائح من مجتمعات متقدمة يفترض المرء فيها قدراً أعلى من المتوسط العالمي العام من الوعي والمتابعة والمعرفة.
 
كما يفترض المرء أن هذه المجتمعات تتمتع بوسائل إعلام متعددة الخدمات وكثيفة التغطية، بحيث تتيح للجمهور معرفة أعمق وأدق بالقضايا العالمية.
 
مركزية الصورة المرئية
ابتداءً تشير الدراسة إلى أن التلفزيون هو الوسيلة الأهم في التأثير في الرأي العام بشأن قضية فلسطين، إذ إن حوالي 80% من الشرائح التي شاركت في الدراسة أفادت أن معرفتها عن فلسطين وإسرائيل والصراع وأوجهه اعتمدت وتعتمد على التلفزيون.
 
لكن التغطيات التلفزيونية سريعة ومبتسرة حيث لا تقدم الإطار العام للصراع بقدر ما تغرق في المتابعة اليومية للأحداث بشكل يعزلها عن جذورها وأسبابها. وهذا العزل والقطع عن الإطار العام، إطار احتلال عسكري لأراضي الغير، وإخضاع شعب تحت الاحتلال، يخلق غموضاً كبيراً في ذهنية المشاهدين بحيث يصبحون على قناعة بأن ما يحدث هو حرب أو صراع بين جيشين أو معسكرين متكافئين، أو نزاع حدود بين دولتين يسقط منهما ضحايا وتضرب كل منهما الأخرى، بحيث تختفي الحدود بين الجلاد والضحية. وهكذا تغيب الصورة الحقيقية: احتلال عسكري وشعب تحت الاحتلال.
 
غياب الشرح والتوضيح إذن -وبرأي الدراسة والبروفيسور غريغ- هو الخلل الكبير الذي يؤدي إلى الفضيحة المعرفية التي تكشفها النتائج. لكن هذا الاستنتاج -وهنا الغرابة في الموضوع- ليس محل خلاف من قبل محطات التلفزة، بل إنها تؤكد عليه، أي على توصياتها للمراسلين "بحذف الشروح والتفاصيل" والتركيز على الحدث الحي واللحظي.
 
وبقدر ما يكون ذلك الحدث دموياً فإنه يجد طريقه إلى الشاشة ولو لم يكن ذا معنى في السياق العام للصراع. وهكذا وعبر الضخ الكثيف للأحداث اليومية وتقديس السرعة والإيقاع المتلاحق على حساب العمق وتقديم بعض التحليل التاريخي، فإن الوجبات الإعلامية الخاصة بالشأن الفلسطيني تغدو مسطحة ولا معنى لها، وفاقدة حتى للمنطق من وجهة نظر المشاهد الغربي.
"
يبدو الفلسطيني في عين الغربي فرداً كارهاً للحياة وغير مفهوم الهدف، يستهويه الدم وسفكه، ولا يهم إن سفك دم نفسه في سياق إسالة دم الآخرين
"
أمثلة وإستشهادات

فمما يذكره البروفيسور غريغ أنه سأل بعض الأمهات عن رأيهن عندما يرين الأولاد الفلسطينيين في الشوارع يرشقون العربات العسكرية الإسرائيلية بالحجارة، فكان جواب البعض أنهن يلقين بالمسؤولية على عاتق "الآباء والأمهات الفلسطينيين" لأنهم لا يعطون أولادهم الوقت المناسب للتربية، فلو لم يخرج أولئك الأولاد إلى الشوارع و"يشاغبوا" على الإسرائيليين لما كانت هناك مشكلة بين الطرفين.
 
وتبدو المسألة وبكل بساطة وكأنها مسألة تربية أطفال، لكن ما هو مفيد ويدعو للتفاؤل في ذات الوقت في قلب هذه الصورة السوداوية هو أن أجوبة نفس الأمهات اختلفت كلياً عندما تم شرح بعض أسس الصراع الفلسطيني الإسرائيلي حيث بتن أكثر تفهماً. وهذا يعني أن قليلاً من الجهد والتفسير بإمكانه أن يحدث تغيراً مهماً في الرأي العام.
 
أما إذا تم الحديث والسؤال حول العمليات الفدائية وفكرة تفجير الفلسطيني لنفسه فإن ذلك يقع خارج إطار المعقولية تماماً، إذ لا يمكن استيعابه بسبب الاجتزاء التافِِه الذي تتعرض له قضية فلسطين وحقوق الفلسطينيين.
 
فهنا يبدو الفلسطيني في عين الغربي فرداً كارهاً للحياة وغير مفهوم الهدف، يستهويه الدم وسفكه، ولا يهم إن سفك دم نفسه في سياق إسالة دم الآخرين.
 
ليست هناك شروح لخلفيات احتلال عسكري يرافقه إذلال يومي مستمر وقمع متواصل, أو غطرسة وحشية تجعل من فعل تفجير الذات المستهجن إنسانياً رد الفعل شبه الوحيد المتوفر والمعبر عن عن رفض صارم لكل الاحتلال والإذلال والغطرسة وبحثاً عن كرامة مفقودة.
 
الأمر المذهل الآخر هو كيفية فقدان المصطلحات لمعناها جراء تكرارها بطريقة آلية ومن دون إعادة شرح لها وموضعتها في سياقاتها التاريخية. والمثل الأهم هنا والأكثر إدهاشاً هو سؤال: مَن يحتل مَن؟ فأن يعتبر ربع البريطانيين تقريباً ونصف الأميركيين أن الفلسطينيين هم الذين "يحتلون" الأراضي المحتلة، فإن في ذلك لغزاً حقيقياً ربما يذهب إلى ما هو أبعد من الإعلام. لكن كيف يمكن أن يحدث هذا؟
 
في محاولة فهم هذا "اللغز" يبدو أن اللفظة الإنجليزية المقابلة للأراضي المحتلة Occupied territories لم تعد تعني شيئاً مهماً. بل صارت لها استخدامات أخرى قريبة مثلاً مما يستخدم لوصف غرفة مشغولة أو حمام مشغول (أي ليست خالية أو خالياً)، فأحياناً يُقال في الإنجليزية ما يمكن ترجمته حرفياً بأن "الغرفة محتلة" the room is occupied، وهو استخدام محايد ليست له علاقة بالاستعمار والاحتلال العسكري, لكن معناه أن الغرفة مشغولة.
 
وهكذا فإن الأراضي الفلسطينية المحتلة صارت تعني أنها أراض ليست خالية وإنما مشغولة من قبل سكان معينين، وبالتعريف فإن هؤلاء السكان سيكونون فلسطينيين. إذ لو أضفنا نسب من أجابوا "لا أدري" عند سؤالهم من يحتل الأراضي المحتلة لاتضحت لنا أبعاد الفضيحة المعرفية والإعلامية بشكل أكثر اتساعا وغرابة.

نقد الأداء الإعلامي الفلسطيني
"
تسيطر الفوضى على التعامل الفلسطيني مع الصحافة الغربية والصحفيين, حيث لا توفر لهم برامج توعية ولا ملفات أو وثائق مساعدة
"
يتعرض الكتاب في أكثر من إشارة إلى أداء الإعلام الفلسطيني وخاصة الرسمي, في تعامله مع  الإعلام الخارجي ومحاولة نقل حقيقة ما يحدث إلى العالم.
 
وهنا فإن المحرر لا يتردد في توجيه النقد لهذا الإعلام من أكثر من زاوية. فهو يقول إن الصحفي الغربي الذي يذهب إلى فلسطين يُستقبل من ناحية مهنية استقبالين: الأول إسرائيلي والثاني فلسطيني.
 
الإسرائيليون يعاملونه بكل الاهتمام الممكن ويرحبون به, ويوفرون له كل ما قد يخطر على باله من معلومات وملفات تاريخية واستطرادات بحيث يشعر أنه محاصر بالمعلومات التي تنقل وجهة النظر الإسرائيلية، ويضطر في أكثر الأحيان إلى الاعتماد على تلك الملفات تحت ضغط العمل والسرعة المطلوب بها تنفيذ المهمات المناطة به.
 
في المقابل تسيطر الفوضى على التعامل الفلسطيني مع الصحافة الغربية والصحفيين, حيث لا برامج توعية ولا ملفات أو وثائق مساعدة ومهمة توفر لهم, كما أنهم يتركون فريسة لصيادي الصحفيين من مترجمين ومرافقين وسواهم.
 
لكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد, بل إن الأسوأ منه هو غياب ناطقين فلسطينيين رسميين يتصفون بالقدرة والبراعة على مخاطبة العقل الغربي وامتلاك اللغة المختزلة والنافذة التي تترك أثراً عند المستمع أو المشاهد.
 
فما يقوله الكتاب أن غالبية المتحدثين الرسميين الفلسطينيين يغلب على خطابهم العاطفة والتسرع والتشكي, ولا يركزون على فكرة محددة أثناء المقابلات الصحفية والتلفزيونية التي يشاركون فيها.
 
ومن المعروف أن تلك المقابلات تكون قصيرة جداً ولا تحتمل الشروحات الطويلة والإطناب وهي السمة التي تغلب على حديث أولئك المتحدثين.
 
إدانة للإعلام الغربي أيضاً
بشكل عام ربما أمكن القول إن هذه الدراسة تشكل إدانة قاسية ومحقة لمحطات التلفزة البريطانية وخاصة شبكة "بي.بي.سي" الفخورة بموضوعيتها وبتوازنها في تغطية الأحداث.
 
فهنا نحن أمام دراسة أكاديمية ليست منطلقة من أي انحيازات أولية أو مواقف مسبقة، بقدر ما هي تحليل لإدراكات الجمهور العام لما يراه على الشاشة.
 
وهي أيضاً توفر مادة أساسية لأي تحرك عربي سياسي أو إعلامي تجاه تحسين صورة العرب في الغرب وتحسين صورة قضاياهم المشوهة.
 
"
جهل الفرد البريطاني والأوروبي بالأحداث السياسية ليس مقصورا على منطقة الشرق الأوسط، بل يمتد أيضاً إلى التاريخ الخاص به, وهذه من أمراض عولمة الصورة والإعلام
"
وهي إضافة إلى ذلك تقدم استخلاصات ودروساً غير مباشرة أهمها على مستوى التنظير للإعلام العالمي والسياسة والقضايا العالمية، هو أن العولمة الإعلامية الراهنة تمتاز بالكثافة البالغة على حساب العمق.
 
فالسطحية والتفاهة والسرعة والركض وراء الصورة المثيرة تتم كلها على حساب المضمون بما ينتج أفراداً يظنون أنهم يعرفون الكثير لكنهم في الحقيقة جاهلون للكثير.
 
ولابد من الإشارة هنا إلى أن نمط الإعلام السريع المأسور والمهجوس بفكرة الصورة الخاطفة والإيقاع المتلاحق هي واحدة من الخطايا الكثيرة للإعلام الأميركي المتضمن لأداء سينمائي حتى في كيفية إدارة الأخبار وتقديمها.
 
"فالنظرية" التلفزيونية تقول إن المشاهد لا يركز كثيراً وسينتقل إلى محطة أخرى إن تورطت الأخبار أو البرامج المعنية في نقاش عميق "ممل"، ولهذا ومن أجل كسبه والظفر به علينا أن نتابع قصفه إعلامياً بصورة دائمة وحركة لا تهدأ، ولو كان ذلك على حساب المضمون.
 
والنتيجة الفورية لهذه النظرية وتطبيقاتها هي تسويق معارف سطحية هامشية لا تغوص في جذور الأشياء ومعانيها.

ختاماً لابد من الإشارة إلى ملاحظتين هامتين: الأولى أن الكتاب يتضمن في جزئه المطول تلخيصاً بارعاً للصراع العربي الإسرائيلي من قبل إنشاء دولة إسرائيل وحتى انتفاضة الأقصى، وهو تلخيص موضوعي ومنصف ويمثل بحد ذاته إضافة في غاية الأهمية تقدم خلفية معمقة لكل من يريد معرفة ما يحدث من صراع في المنطقة بين العرب وإسرائيل.
 
وبالتأكيد فإن المادة التي يحتويها ذلك التلخيص مفيدة غاية الإفادة لأي قارئ غربي.
 
أما الملاحظة الثانية فهي احتواء الكتاب على مجموعة من الاستبيانات والأمثلة التي تضمنت أسئلة حول محطات رئيسية في التاريخ البريطاني والأوروبي وبعضها متعلق بأحداث هامة مثل الحرب العالمية الأولى والثانية، وأن الإجابات التي قدمتها الشرائح المستجوبة كانت في غاية الإدهاش لجهة ضحالة المعلومات والمتابعة.
 
وهذا يشير إلى أن جهل الفرد البريطاني والأوروبي بالأحداث السياسية ليس مقصورا على منطقة الشرق الأوسط بل يمتد أيضاً إلى التاريخ الخاص به. وهذه مرة أخرى من أمراض عولمة الصورة والإعلام التي يعيشها عالم اليوم.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة