المعركة على التجنيد في الجيش الإسرائيلي   
الاثنين 1436/12/8 هـ - الموافق 21/9/2015 م (آخر تحديث) الساعة 14:50 (مكة المكرمة)، 11:50 (غرينتش)

عرض/عدنان أبو عامر
يتناول الكتاب الظاهرة المتزايدة في إسرائيل في السنوات الأخيرة من عدم التحاق المتدينين في صفوف الجيش، وأثرها على تراجع انتمائهم للدولة، ولا سيما أنهم يمثلون نسبة متزايدة في أوساط اليهود، فيما يطرح انتقادات حادة على ألسنة الضباط الإسرائيليين، الذين لا يمتلكون القدرة على فرض قراراتهم على الجنود المتدينين في الجيش، لأنهم يعترفون فقط بسلطة حاخامات الجيش، وليس الضباط، وهو ما يشكل ظاهرة مقلقة في أوساط الإسرائيليين على الصعيدين السياسي والعسكري.

رفض الخدمة

العنوان: المعركة على التجنيد في الجيش الإسرائيلي
المؤلف: إيتاي بن حورين
دارالنشر: زمورا بيتان، تل أبيب
عدد الصفحات:240

يورد الكتاب أن تنظم عملية التجنيد في الجيش الإسرائيلي وفق قانون الخدمة العسكرية، الذي يعتبرها إلزامية لكل يهودي/ يهودية يبلغ 18 عاماً، وتصل مدتها ثلاث سنوات للرجال، وسنتين للنساء، بحيث يتمّ عمل تصنيف عسكري لكل ملتحق بالخدمة، ويتمّ استثناء أصحاب الاحتياجات الخاصة من الخدمة، وبالنسبة لأبناء الأقليات -باستثناء الدروز والشركس- فإن التجنيد تطوعي، كما يؤجل التجنيد الإلزامي لطلاب المدارس الدينية الذين يعلنون أنهم "متفرغون للدين"، طالما أنهم يواصلون التعليم، وعملياً فإن بعضهم لا يتجند نهائياً.

حتى وقت قريب كان خيار عدم الالتحاق بالجيش الإسرائيلي من المحظورات في دولة "ولدت" في خضم الحرب، وتخوض صراعاً دائماً مع جيرانها الفلسطينيين والعرب، كما أن رؤية مجموعات من الجنود الشبان يمسكون ببنادقهم من المشاهد المعتادة في شوارعها، ويرى كثيرون أن الخدمة العسكرية هي جوهر الهوية الوطنية، وهو ما دفع "إيتان هابر"، الكاتب اليومي في الصحافة الإسرائيلية، لاعتبار "التهرب من التجنيد سرطان يلتهم أسس إسرائيل كمجتمع".

يتحدث الكتاب عن مصادقة الحكومة الإسرائيلية على تمديد سريان مفعول قانون "طال"، بشأن إعفاء المتدينين "الحريديم" من التجند للجيش مدة خمس سنوات أخرى، ورغم أن التجنيد إلزامي من الناحية الرسمية، لكن نسبة غير بسيطة لا تتجند من المجتمع الإسرائيلي لأسباب مختلفة، سياسية، وضميرية، وأيديولوجية.

يقدر المؤلف حجم الجيش الإسرائيلي النظامي بـ172 ألف جندي، 107 آلاف منهم في الخدمة الإلزامية، بمن فيهم الضباط في سنوات الخدمة الأولى، فيما تبلغ قوات الاحتياط 425 ألف جندي، ووفق تقديرات أخرى فإن عديد الجيش يقدر بـ450 ألفاً، أما جيش الاحتياط فيقدر بستمئة ألف.

ومن التقديرات الإحصائية المتعلقة بالجيش الإسرائيلي الواردة في الكتاب: وصل 88 ألف يهودي لسنّ التجنيد العسكري، 77% من الشبان و61% من الشابات، جندوا بالفعل في صفوف الجيش، نصف الفتيان الذين لم يجندوا، حرروا لانتمائهم للمدارس الدينية، الباقون حرروا لأسباب طبية، أو نفسية، أو عدم الملاءمة، ونسبة الشبان غير المجندين آخذة في الازدياد، ارتفعت تقريباً إلى النصف، وقد تصل إلى الربع في صفوف الشباب، و42% في صفوف الشابات.

34% من الشباب الإسرائيليين ممن هم في سنّ الخدمة العسكرية لا يلتحقون بها، أو يتهربون منها لأسباب مختلفة

كما أن 34% من الشباب الإسرائيليين ممن هم في سنّ الخدمة العسكرية لا يلتحقون بها، أو يتهربون منها لأسباب مختلفة: 11.5% لا يلتحقون أو يتهربون لأسباب نفسية، 9.5% كونهم طلاب معاهد دينية، 2.6% لأسباب صحية/ جسدية، 1.4% كونهم من ذوي ماضٍ إجرامي خطير، 9% لأسباب غير نفسية، 5% لا يخدمون كونهم أيتام.

يقول المؤلف: مرت الحافزية للخدمة العسكرية في صفوف الجيش الإسرائيلي بمراحل عديدة أهمها بعد بداية انتفاضة الحجارة نهاية 1987، وحتى اليوم، حيث باتت الحافزية الأساسية لأبناء الشبيبة الإسرائيلية في التجنيد فردية، فالتجنيد بالنسبة للجزء الأعظم منهم تحقيق للذات، وهم معنيون بالخدمة التي تساعدهم وتدفعهم من ناحية شخصية، وهو ما قابله ارتفاع في ظاهرة رفض الخدمة العسكرية، التي نشأت لأسباب مختلفة ومتباينة، رغم أن التهرّب من التجنيد جنحة جنائية، وطالما أن إسرائيل تعيش "في حالة حرب دائمة"، فإن الظاهرة تصنف عملاً سلبياً في الذهنية الإسرائيلية العامة.

تأثير الحروب
التجربة الإسرائيلية أفادت بأن الدافع وراء ظاهرة رفض الخدمة العسكرية الإسرائيلية ليس عنصراً واحداً، بل هو مركب من عدة أسباب، أهمها تصاعد معدلات العلمنة والأمركة والتوجه نحو اللذة، وفي نفس الوقت تزايد مستوى التدين لدى بعض القطاعات الشبابية اليهودية، حيث يلجأ الإسرائيليون للعديد من الطرق التي يتهربون بواسطتها من أداء الخدمة العسكرية، مع مراعاة أن بعضها تناسب الذكور فقط، وبعضها الآخر يناسب الإناث فقط، وثمة طرق تناسب الجنسين معاً، ومن أهمها: الإعفاء لأسباب دينية، والدراسة في المدارس الدينية اليهودية.

يتناول الكتاب أبرز أسباب انتشار ظاهرة رفض الخدمة العسكرية في الجيش الإسرائيلي، لدى المتدينين وسواهم، ومن أهمها: تراجع هيبة الجيش، حيث بدأ توالي الضربات على مؤسسة الجيش منذ حرب الاستنزاف وحرب 1973، مروراً بحرب لبنان 1982، وانتفاضة 1987، وانتهاء بالانسحاب من جنوب لبنان 2000، ووصل هذا المنحنى قمته في انتفاضة الأقصى، وحرب لبنان الثانية 2006، وحروب غزة الأخيرة: 2008، 2012، 2014.

أدى كل ذلك لاهتزاز صورة الجيش، وتراجع مكانته، وتزايد الانتقادات الموجهة ضدّه، وأصبحت الخدمة في صفوف الجيش بالنسبة للكثير من الإسرائيليين عبئاً اقتصادياً كبيراً، إذ يُفصل كثير من المجندين من أعمالهم بعد أدائهم خدمة الاحتياط، في الوقت الذي يُعفى فيه طلبة المدارس الدينية، وتغدق عليهم المعونات ليستأنفوا دراستهم، لكن أهم العوامل، بطبيعة الحال، هو إحساس المجندين بأنه لا جدوى من الاستمرار في الحرب.

وهناك سبب متعلق بالخشية من المواجهات المتواصلة مع الفلسطينيين، بعبارة أكثر وضوحاً، الخوف من الموت، فالجنود الإسرائيليون معظمهم علمانيون لا يؤمنون بالآخرة، متوجهون نحو اللذة ولا يؤمنون بأي مثاليات قومية، والجندي على الرغم من معداته القتالية الفائقة، والتدريب المكثف الذي يتلقاه، أصبح صيداً سهلاً، وهذا يتضح في نسبة من سقطوا صرعى العمليات الفدائية، التي صرح الجيش بعدم وجود ردّ عسكري عليها.

يستعرض المؤلف مواقف الإسرائيليين من ظاهرة رفض الخدمة العسكرية، فالجيش حرص على مواجهتها بشكل فردي، وفي مراحل لاحقة من اتساع نطاقها جرت محاولات لكسر إرادة الرافضين، رغم التأكيد أن التهرّب من الخدمة ظاهرة مرضية، وتنتشر كالنار في الهشيم، وتجرّ وراءها سلسلة من الأمراض، والأسوأ أنها توجد حالة من اللامساواة والتمييز بين دم ودم، والطريق لاجتثاث الظاهرة يكمن في إنزال عقوبات قاسية ورادعة ومناسبة على المتهربين من الخدمة.

ورغم أن الظاهرة لم تؤثر بصورة مباشرة على قدرات إسرائيل العسكرية، ولا تعبر عن انهيار في الجيش، فلا يمكن الاستهتار بقدرتها على التأثير في سياساته، خاصة ما يتعلق بحدود القوة والبطش التي يستخدمها ضد الفلسطينيين، ومهما تكن دوافع الرفض، فإنها تصب في تيار مقاومة الاحتلال، ويجب أخذها بعين الاعتبار في تقييم الأوضاع وتحديد السياسات، لأن الظاهرة تتسع وتقوى، وقد يشهد المستقبل القريب المزيد من الحراك الرافض للمشاركة في خدمة الجيش.

باراك: ينبغي العودة إلى الأيام التي كان فيها التهرب من الجيش بمثابة وصمة عار على جبين المتهربين، لأن الجيش بدأ يتحوّل من جيش الشعب إلى جيش نصف الشعب فقط

الجنود المتدينون
الموقف الأكثر جرأة في الرد على ظاهرة رفض الخدمة العسكرية، تمثل في حديث وزير الدفاع الأسبق "إيهود باراك" بقوله "ينبغي العودة إلى الأيام التي كان فيها التهرب من الجيش بمثابة وصمة عار على جبين المتهربين، لأن الجيش بدأ يتحوّل من جيش الشعب إلى جيش نصف الشعب فقط".

يتناول المؤلف الكثير من المعطيات الميدانية في الجيش الإسرائيلي التي تؤكد شيوع ظاهرة واضحة تتزايد يوماً بعد يوم، لخصها بقوله: في إحدى قواعد الجيش تعقد اجتماعات دورية للقيادة العليا مرة كل بضعة أشهر، كل الضباط من رتبة عقيد فما فوق يجتمعون في قاعة واحدة، ومن موقع التقاط المصور لصورة الاجتماع يمكن ملاحظة انتشار القبعات الدينية المحبوكة في القاعة، المعروفة باسم "الكيبا"، ولو عدنا عقدا أو اثنين من الزمن لتطلب الأمر البحث "بالشمعة" عن لابسي القبعة في حدث كهذا، إلا أن ما هو حاصل اليوم يشير إلى أن القبعات تنير قاعة الاجتماعات من أقصاها لأقصاها.

بلغة الأرقام، بلغت نسبة معتمري القبعة الدينية في القيادة العسكرية الإسرائيلية 40%، أي أن نصف الضباط القتاليين أبناء الصهيونية الدينية، وخطورة هذه النسبة ستجعلهم بعد سنوات قليلة العمود الفقري للجيش، مع أن حضورهم في المؤسسة العسكرية أعلى بعدة أضعاف مما بين السكان، مما يعني أن إسرائيل ستصل لمرحلة لا يسمى فيه الجيش "جيش الدفاع لإسرائيل"، بل جيش الدفاع لـ"إسرائيل الدينية".

أخيراً.. تسجل الإحصائيات الواردة في الكتاب حضوراً عالياً لـ"معتمري" القبعات في أوساط القيادة العسكرية العليا في إسرائيل، وبالوتيرة الحالية، سيتزايد عددهم في السنوات القادمة، ولا ينسى أحد أن ضباط هيئة الأركان سيصبحون لاحقاً جنرالات في الاحتياط، مما يجعلهم في واقع الأمر احتياطياً تقليدياً لمواقع قيادة الدولة في الساحات السياسية والعسكرية.

أهمية الكتاب تكمن في أن مؤلفه "بن حورين" خدم في صفوف الجيش الإسرائيلي، وفور انتهاء خدمته العسكرية انخرط في عمل الاستشارات الإستراتيجية والإعلامية، حصل على شهادته الجامعية الأولى في القانون من جامعة تل أبيب، ثم الماجستير في تخصص السياسة الجماهيرية، ثم التحق بجامعة "هارفارد"، وفي عام 2000 أسس حركة جماهيرية لمكافحة ظاهرة رفض المتدينين الالتحاق بالخدمة العسكرية، وتحسين ظروف جنود وضباط الاحتياط، ثم أسس حركة جديدة باسم "إسرائيل جديدة" لتسويق صورة إسرائيل المتراجعة على مستوى العالم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة