العراق تحت الاحتلال   
الاثنين 1429/12/25 هـ - الموافق 22/12/2008 م (آخر تحديث) الساعة 14:28 (مكة المكرمة)، 11:28 (غرينتش)

عرض/حسين عبد العزيز
يضم كتاب "العراق تحت الاحتلال" وهو لمجموعة مؤلفين عراقيين وعرب وغربيين، أربعة أقسام على النحو التالي: 
* العراق بين مطرقة الاحتلال وتداعيات العنف والتدمير.
* تدمير الدولة وتكريس الفوضى. 
* الكيان العراقي في ظل الاحتلال.. دوامة الفساد وتفتيت السلم الأهلي.
* العراق في محيطه الإقليمي والعربي.

بين مطرقة الاحتلال وتداعيات العنف
يذهب المؤلفون في البداية إلى مصطلح الإبادة الجماعية، وهل هو مطابق لما يجري في العراق؟ ويخلصون إلى أن هذا المصطلح يعبر تعبيرا دقيقا لما يجري في العراق، فالإبادة الجماعية بحسب تعريف الأمم المتحدة هي الحرمان من حق الوجود لجماعة من البشر، على حين أن القتل هو الحرمان من الحق في الحياة للأفراد.

-الكتاب: العراق تحت الاحتلال.. تدمير الدولة وتكريس الفوضى
-
المؤلف: مجموعة مؤلفين
-الصفحات: 429
-الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت
-الطبعة: الأولى/2008
وهذا التعريف بحسب المؤلفين يحتاج إلى إعادة قراءة، إذ أن جريمة الإبادة الجماعية لا تعني واقع الإبادة، وإنما الحرمان من الحق في الوجود لجماعة من البشر.

توضح المادة الثانية من اتفاقية منع جرائم الإبادة الجماعية الصادرة عام 1948 وتمثل المرجعية القانونية الحالية، أن أركان جريمة الإبادة الجماعية لا يعود إلى الأرقام التي تمت إبادتها، بل جور المنطق الذي يستهدف تبعات واسعة الدمار.

فالمادة الثانية من اتفاقية منع جرائم الإبادة الجماعية تنص على ما يلي: تعني الإبادة الجماعية في هذه الاتفاقية أيا من الأفعال المرتكبة بقصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية أو عنصرية أو دينية بصفتها هذه: 

- قتل أعضاء من الجماعة. 
- إلحاق أذى جسدي أو روحي خطير بأعضاء الجماعة.
- إخضاع الجماعة عمدا لظروف معيشية يراد بها تدميرها المادي كليا أو جزئيا.
- فرض تدابير تستهدف الحيلولة دون إنجاب الأطفال داخل الجماعة.

وبحسب المؤلفين تثير هذه المادة عدة أسئلة، أهمها ما معنى جزئيا؟ فهي في سياق النص تعني شخصا على الأقل، إلا أن العرف التشريعي يرى أنه من الضروري توضيح أن جزئيا تعني جزءا جوهريا كما ورد على سبيل المثال في القانون الأميركي ذاته، وحيث إن الولايات المتحدة هي التي ارتكبت جريمة الإبادة الجماعية في العراق، فإنه يصبح من المناسب استخدام تعريفات قانون الولايات المتحدة لجريمة الإبادة الجماعية.

تحت البند رقم (18) الفقرة رقم (1093 ) يقول النص إن مصطلح "جزء جوهري" يعني جزءا من الجماعة على درجة من الدلالة العددية، بحيث إن تدمير أو فقدان ذلك الجزء يؤدي إلى تدمير الجماعة ككيان حيوي داخل الأمة التي تمثل تلك الجماعة جزءا منها.

ويؤكد المؤلفون أن استهداف العديد من الجماعات العراقية هو لتدمير جزء جوهري من الشعب العراقي، يكون ذا دلالة عددية بحيث تتوقف دولة وشعب العراق عن الوجود ككيان حيوي.

ويستعرض الكتاب حقيقة الاتفاقية الأمنية الموقعة بين العراق والولايات المتحدة، بالعودة إلى إعلان مبادئ "علاقة تعاون وصداقة" الذي وقع بين البلدين يوم 26/11/ 2007 تمهيدا لإبرام اتفاقية أمنية بينهما.

وطرحت الجهات المؤيدة للاتفاقية أطروحة مفادها أن هذه الاتفاقية ستخرج العراق من الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وتجعله طليقا من سلطة مجلس الأمن، بينما تؤكد الولايات المتحدة أن هذه الاتفاقية تكرار للاتفاقيات الأميركية التي وقعت مع بلدان أخرى كانت موضع احتلال أميركي، تحول إلى وجود شبه دائم بموجب اتفاقيات أصبحت معروفة تحت اسم SOFA .

إن ما يهم القارئ العربي بحسب المؤلفين ليس مضمون الاتفاقية الأمنية الذي نشر بشكل رسمي، بل البنود السرية التي لم تكشف عنها سوى عدة مواقع، وأهمها: 
- ضرورة أن تكون اتفاقية وليس معاهدة.
- لا يحق للحكومة العراقية محاسبة القوات الأميركية وأفرادها.
- يحق للقوات الأميركية بناء القواعد العسكرية.
- يحق للقوات الأميركية اعتقال من يهدد الأمن.
- للقوات الأميركيةالحرية في ضرب أي دولة تهدد الأمن والسلم العالمي.

وفيما يتعلق بالبند الأول، يعتمد النظام الدستوري الأميركي منهجا يخول الرئيس إبرام اتفاقيات التي لا تحتاج إلى موافقة الكونغرس كما هو الحال في المعاهدات.

"
أخطر ما في الاتفاقية البند الذي يسمح للقوات الأميركية بضرب أي دولة تعتقد أنها تهدد الأمن الإقليمي والدولي، ولا يمنع هذا البند القوات الأميركية من الاستفادة من الأراضي العراقية ومياهها وجوها، مع ما يشكله ذلك من انتهاك للسيادة العراقية
"
كما أن توصيف الاتفاق بين البلدين بأنه اتفاقية وليس معاهدة، هو محاولة لعدم إخضاعها إلى اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات.

أما فيما يتعلق بالبند الثاني، فبعد نقاشات طويلة بين الجانب العراقي والأميركي وافقت واشنطن على شطب الحصانة على الشركات الأمنية، لكن الحصانة ظلت مستمرة على القوات الأميركية، وقد عمدت الولايات المتحدة إلى استصدار قرار من مجلس الأمن حمل رقم 1487 عام 2003 يمنح قواتها المشاركة في قوات حفظ السلام الدولية الحصانة من المثول أمام المحكمة الجنائية الدولية.

ويسمح البند الثالث -برأي المؤلفين- للولايات المتحدة بناء ما تريده من معسكرات تدريبية وقواعد عسكرية، كقاعدة الأسد في بغداد وقاعدة بلد شمال بغداد، وقاعدة الحبانية..إلخ.

كما يسمح البند الرابع للقوات الأميركية باعتقال من تعتقد أنه يهدد الأمن والسلم دون إحالته للقضاء خلافا للقواعد القانونية الدولية.

أما أخطر هذه البنود وفق المؤلفين، فهو البند الذي يسمح للقوات الأميركية بالعراق ضرب أي دولة تعتقد أنها تهدد الأمن الإقليمي والدولي، ولا يمنع هذا البند القوات الأميركية من الاستفادة من الأراضي العراقية ومياهها وجوها، مع ما يشكله ذلك من انتهاك للسيادة العراقية.

تدمير الدولة وتكريس الفوضى
يرى المؤلفون أن قرار الحاكم الأميركي للعراق بول بريمر عام 2003 حل الجيش العراقي شكل أعظم المشكلات الأمنية للعراق، حيث تم استبدال الجيش النظامي المحترف بقوى متصارعة تتصف بالهمجية وعدم الكفاءة.

إن طبيعة القوات الأمنية والعسكرية الحالية هي قوات بعيدة عن التوصيف الوطني، فهي غير محترفة وغير منظمة لها مصالح محدودة يساهم بعضها في ممارسة الإرهاب.

ومن طرائق وسياقات التجنيد التي اتبعت في القوات المسلحة العراقية كان ما يلي:

- التحويل المباشر لمنتسبي المليشيات إلى وحدات عسكرية وأمنية أسس بها الجيش الجديد كالبشمركة الكردية وقوات بدر وغيرها، من منح الرتب بطريقة عشوائية خارج كل متطلبات التوصيف المهني.
- التجنيد العام لمنتسبي أحزاب السلطة على المستويين المذهبي والفئوي.
- التجنيد المفتوح للزعامات الدينية.

ويذهب المؤلفون إلى تاريخ العراق زمن الاحتلال البريطاني ليعرضوا ذات المشكلة التي واجهت الاحتلال البريطاني عام 1917 وتواجه الولايات المتحدة الآن، وهي مشكلة التعامل مع تقاطعات الهوية والولاء لأبناء العراق، حيث أخذت القبيلة دورا سياسيا واجتماعيا في الدفاع عن هوية العراق واستقلاله، معبرة بشكل أوسع عن قانونها الداخلي.

ومن أجل بسط السيطرة الكاملة على العراق ومواجهة الانتفاضات الداخلية والمقاومة، أرست الإدارة البريطانية قواعد سياسية مرنة تهدف إلى استرضاء العشائر.

ويرى الكتاب أن تنفيذ هذه القواعد اقتضى العمل على تعزيز دور شيوخ العشائر من خلال إدخال نظام دعاوى العشائر، وهو نظام قانوني استمر سائدا حتى عام 1958، يعطي شيوخ العشائر سلطة قضائية وعقابية في حسم المنازعات بين أفرادها.

"
التساؤل الوطني الراهن يقود إلى معرفة الدور القادم لنشاط مجلس الصحوة بعد طرد القاعدة وتراجع دورها، فهل يدخل في الإستراتيجية الأميركية وضع مجالس الصحوة مقابل فصائل المقاومة؟ أي توجيه سلاح العراقيين ضد بعضهم البعض؟
"
غير أن السلطة البريطانية لم تكن راضية عن موقف العشائر ودورها السياسي والاجتماعي، وقد عملت في بعض الأحيان على ضربها وأحيانا أخرى على الإيقاع بين العشائر من أجل أضعاف سلطتها.

يؤكد المؤلفون أن الوضع تغير بعد الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003 حيث تعاملت واشنطن مع العشائر على أساس الأهداف الأميركية في العراق وليس على أساس خصوصية الشعب العراقي ومكوناته الأساسية، ودور القبيلة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

وبعد إقدام الاحتلال الأميركي على تصفية مقومات الأمن الوطني الداخلي المتمثلة بالقوات المسلحة وقوات الأمن والشرطة، بدأت أشكال من الولاءات تنمو بصيغة مختلفة، وذهب بعضها إلى الاحتماء بالولاء الطائفي، وذهب البعض الآخر إلى الاحتماء بالولاء القبلي أو الاحتماء بالمناطقية.

وفي ظل غياب الأمن وتدهور الأوضاع الاقتصادية، تداعت العشائر العراقية للدفاع عن كرامتها وخصوصيتها في مواجهة سياسة الاحتلال وتدخلاته، وشهدت مناطق العراق وخصوصا التي احتضنت المقاومة جماعات من الضغط لردع حملات الدهم والقتل.

ويرى الكتاب أن نشاط تنظيم القاعدة في بعض المناطق العراقية، أدى إلى بروز دعوة ما يسمى صحوة العشائر من أجل إعادة الأمن إلى تلك المناطق، وهي دعوة وجدت دعما قويا من القوات الأميركية في حين لاقت تحفظا من الحكومة العراقية.

وفي الوقت الذي حققت فيه مجالس الصحوة نتائج على صعيد المواجهة مع نفوذ القاعدة، فقد وجدت من حقها أن تطالب بنفوذ أكبر في الحكومة، وعمليا أحدثت مجالس الصحوة تخلخلا في الوضع السياسي والاجتماعي، وتصاعد الخلاف حول دورها حيث مازال مستقبل نفوذها السياسي والاجتماعي وعلاقتها بالمقاومة الوطنية ضد الاحتلال موضع تساؤل.

ويذهب المؤلفون إلى أن التساؤل الوطني الراهن يقود إلى معرفة الدور القادم لنشاط مجلس الصحوة، بعد طرد القاعدة وتراجع دورها، فهل يدخل في الإستراتيجية الأميركية وضع مجالس الصحوة مقابل فصائل المقاومة؟ أي توجيه سلاح العراقيين ضد بعضهم البعض؟

الكيان العراقي بظل الاحتلال
يعود الكتاب هنا إلى مرحلة ما قبل الاحتلال الأميركي للعراق، لتبيان الكيفية التي تعاطت بها الأمم المتحدة مع العراق، فبعد أن وصلت الأحوال الصحية ومستويات التغذية في العراق إلى درجة خطيرة، اضطرت الحكومة العراقية إلى الموافقة على مذكرة التفاهم المستندة إلى قرار مجلس الأمن رقم 986 الصادر عام 1995، وبموجب هذا القرار سمح للعراق ببيع كميات من النفط مع الإبقاء على الحظر الدولي الذي فرض عليه بعد غزو الكويت عام 1990 مما يمكنه شراء حاجات إنسانية أهمها الغذاء والدواء.

في الحقبة الأولى كان المبلغ المسموح به من عائدات النفط هو مليارا دولار كل ستة أشهر يخصم منه 30% لصندوق التعويضات الذي يذهب أغلبه للكويت و2.2 % لهيئة الأمم المتحدة لإدارة البرنامج، والتأكد أن الغذاء وبقية المواد الإنسانية توزع بالمساواة.

ورغم إنجازات البرنامج استمرت حالة التدهور الصحي وكذلك الوفيات خصوصا بين الأطفال، وهذا يعني أن البرنامج لم يلب حاجات العراق في مجالات عديدة أهمها الدواء والمعدات الصحية، وذلك في المجال الزراعي والصرف الصحي وتنقية مياه الشرب إضافة إلى التعليم.

"
التحولات التي تمت في وكالة وبرامج الأمم المتحدة مؤخرا تساهم بطريقة أو بأخرى في أمركة الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية، حيث لعبت الولايات المتحدة دورا محوريا في حصار الأمم المتحدة وتطويعها لخدمة مصالحها
"
يرى المؤلفون أن هدف الإدارة الأميركية كان منذ البداية تركيع الشعب العراقي، والدليل على ذلك ليس تدمير المنشآت المدنية من مرافق المياه والصرف الصحي والكهرباء، وليس فقط منع وتعطيل استيراد المواد الأساسية، بل إن التقارير الرسمية هي الدامغ على ذلك.

فتقرير مكتب المحاسبة الرسمي التابع للحكومة الأميركية الصادر عام 1995يحدد خمسة أهداف رئيسية للحصار أهمها تحطيم إرادة السكان المدنيين.

إن التحولات التي تمت في وكالة وبرامج الأمم المتحدة مؤخرا تساهم بطريقة أو بأخرى في أمركة الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية، حيث لعبت الولايات المتحدة دورا محوريا في حصار الأمم المتحدة وتطويعها لخدمة مصالحها.

العراق بمحيطه الإقليمي والدولي
يتناول هذا القسم من الكتاب العلاقات العربية مع الدول الآسيوية، إلا أن أهم مبحث فيه هو العلاقات العراقية التركية.

يؤكد المؤلفون أن العلاقة بين العراق وتركيا كانت جيدة حتى مطلع عقد التسعينيات من القرن المنصرم، حيث بدأت العلاقة تسوء بين الجانبين بسبب الدور التركي في مسألة المياه إذ تجاهلت أنقرة مصلحة العراق المائية، وأقامت 22 سدا على نهر الفرات مما أدى إلى تقليل نسبة المياه المتدفقة إلى العراق، والأمر الثاني الذي لعب دورا في تردي العلاقات بحسب المؤلفين فهو دور تركيا في الحرب الأميركية على العراق عام 1991 حيث قدمت تركيا الدعم للولايات المتحدة في هذه الحرب.

وازدادت العلاقات تدهورا إثر دخول القوات التركية شمال العراق وقيامها بعمليتين: عملية الفولاذ عام 1995 وعملية الفولاذ الثانية عام 1997.

لكن سوء العلاقة بين البلدين أدى كما يرى المؤلفون إلى أضرار اقتصادية كبيرة لتركيا، الأمر الذي دفعها حسب المؤلفين إلى اتخاذ موقف مغاير في الحرب الأميركية على العراق عام 2003 ، وقد وجدت تركيا بعد هذه الحرب معطيات جديدة في البيئة العراقية، فالطموحات الكردية كانت مكبوتة في عقد التسعينيات بفضل الوجود التركي المباشر.

في العموم، تركز الاهتمام التركي في المشهد العراقي حول تطور العملية السياسية، فهذه العملية حسب المؤلفين كانت في مصلحة الأكراد والشيعة ذوي الارتباط التاريخي بإيران، ولذلك رفضت أنقرة صيغة مجلس الحكم الانتقالي عام 2003 كونه قائما على أساس عرقي وطائفي.

ومع ذلك، يرى المؤلفون أن ثمة مظاهر لتحسن العلاقة بين البلدين، أهمها:
- اتفاقية زيادة نسبة المياه في نهر الفرات التي عقدت عام 2005.
- الانفتاح الاقتصادي العراقي على تركيا وزيادة التعامل مع الشركات التركية.
- إعادة تشغيل أنبوب نقل النفط العراقي التركي.
- غلق مكاتب حزب العمال الكردستاني.
- إعادة فتح القنصلية التركية في بغداد.
- احتضان تركيا مؤتمر دول جوار العراق.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة