جدلية الوطن والمنفى   
الخميس 1428/3/11 هـ - الموافق 29/3/2007 م (آخر تحديث) الساعة 16:05 (مكة المكرمة)، 13:05 (غرينتش)

عرض/أحمد فياض
يتناول هذا الكتاب المتشابك الأفكار المليء بالتفاصيل الفكرية، للمفكر الإسرائيلي إيلان غور زئيف، موضوعا جديرا بالقراءة المتأنية، لكونه يجعل القارئ العربي في صور ة المأزق اليهودي الفكري، بل مأزق الإنسان في القرن الحادي والعشرين أو مرحلة ما بعد الحداثة.

غزارة الجوانب الفكرية التي يسوقها المؤلف بين دفتي الكتاب تجعل متصفحه يصل إلى استنتاج، أن اليهودية لا تكتمل إلا في المنفى، على عكس مقولات الصهيونية وفكرها الذي يرى "الوطن" (أرض إسرائيل) فلسطين القاعدة الأساس لتشكيل اليهودية وبقائها بدلا من المنفى الذي ينتقص من يهودية اليهودي.

وعبر صفحات الكتاب التي نورد منه شذرات في عرضنا هذا، يتضح للقارئ أن المفكر الإسرائيلي لا يطرح مشروعا سياسيا ولا نظرية سوسيولوجية لحل عقدة اليهودي التي رافقته أكثر من 2000 عام وهي مكان الإقامة، في ما يسميه الوطن التاريخي (فلسطين) أو "الدياسبورا"، أي المنافي التي أصبحت وطنه المضخم، بل يطرح فكرا فلسفيا يحلل من خلاله عمق الظاهرة الدياسبورية من جهة ومدى حق اليهودي في الإقامة في "الوطن التاريخي" من جهة أخرى.

فالفكر الذي يطرحه المؤلف له جذوره في الفلسفة الوجودية وكذلك في فلسفة التربية من مدرسة البرازيلي باولو فيريري التي تعتبر التربية التقليدية شكلا من أشكال القمع، ولا تؤدي إلا إلى صياغة إنسان مقموع يخدم القوى الفاعلة اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا في المجتمع الذي يعيش فيه.

- الكتاب: جدلية الوطن والمنفى
- المؤلف: إيلان غور زئيف
- المترجم: سلمان ناطور
- عدد الصفحات: 170
- الناشر: المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية مدار، رام الله
- الطبعة: الأولى/أيلول 2006

 
عينة ونموذج
لذلك نجده يتخذ من المسألة اليهودية عينة ونموذجا -كما يتضح من قراءة كل فصول الكتاب- للانطلاق بها من مواقع ما بعد الحداثة التي تضع الإنسان الفرد في المركز، وتحرره من كل العناصر التي تشده عنوة إلى المكان أو إلى التاريخ أو إلى الانتماءات الجمعية، إلا إذا كانت هي رغبته الخاصة أو إرادته الفردية.

وهو أيضا يعولم المكان بحيث يصبح الكون وطنا للجميع لكي يتمكن الإنسان الفرد من التخلص من الإحساس بالغربة المنفوية، وهذا ما تقدمه التربية المنفوية حسب المؤلف، أي على اعتبار أن التربية المنفوية ستساعد الإنسان في الخلاص من الإحساس بالغربة في هذا العالم.

ويورد زئيف في مقدمة كتابه، كيف صارت الدياسبورا المركب الأهم في الثقافة اليهودية، في حين لم يكن أحد يمنع اليهودي خلال الألفي سنة الماضية من العيش فيما يسميه الوطن، مذكرا بأن هناك يهودا لم يغادروا ذلك الوطن، باعتباره الوطن أو مجرد مكان الإقامة الآمن.

ويظهر لمتصفح الكتاب أن مؤلفه يرنو إلى تحقيق مشروع غريب عن الثقافة الإسرائيلية، يقوم على تحرير اليهودي الإسرائيلي من "عقيدة" التمسك بالوطن والأرض، والتهيؤ للمنفى والاستعداد له بدلا من دفع الثمن الباهظ من أجل البقاء على الأرض وهي تتحول إلى شعار ومحفز لارتكاب الخطايا والقتل والموت.

ويدعو المؤلف في مقدمة كتابه الإسرائيليين خاصة الصهيونيين منهم إلى إعادة التفكير في مفاهيمهم القديمة حول اليهودية والرسالة اليهودية في إسرائيل، وفي الدياسبورا، معتبرا أن البداية الصحيحة لذلك هي إعادة النظر في مفاهيم مركزية مثل "الدياسبورا" و "الوطن الأم" و"العودة إلى الوطن".

التربية المعاكسة
يقع الكتاب في سبعة فصول تتناول الحالة الإسرائيلية والتربية على المنفوية، والتربية المتعددة الثقافات وما بعد الحداثة في إسرائيل، والتعددية الثقافية والتربية في إسرائيل، وأوشفيتس: تحدٍّ تربوي حقيقي في عالم ما بعد الحداثة، وإمكانيات التربية المحررة في مرحلة ما بعد الحداثة، والتربية عنف خلاق، والتربية للسلام في عهد ما بعد الحداثة.

وفي الفصل الأول من الكتاب يلقي المفكر الإسرائيلي نظرة على الحالة الإسرائيلية وما تحتويه من تربية مضادة تظهر إحدى تجلياتها المثيرة للتناقض بين التربية التطبيعية والتربية المضادة البادية في السعي لبناء "بيت"، واستباحة وطن "الآخر"، أو في "العودة" كفلسطيني إلى فلسطين المحررة من آثار ومفاسد الغزو الصهيوني وظلم اقتلاع وتشريد الشعب من أرضه، أو كيهودي إلى إسرائيل التي عادت إلى طبيعتها وغايتها، سواء كدولة يهودية أم كدولة غربية تنأى عن "الاندماج" في الشرق الأوسط.

ويعتبر أن هذه الصلة المتبادلة بين التربية التطبيعية والتربية المعاكسة توازيها الصلة المتبادلة القائمة بين التربية كتعبير عن اندماج في الواقع وتقبله، وبين النفي من هذا "الوطن" وتطوير فلسفة منفوية كنمط حياة عملي ملموس لليهودي الذي تغلب على الاستحواذ والتسويف اللذين فرضتهما الصهيونية طيلة 100 عام على الفكر الغيبي اليهودي.

"
نهاية الصهيونية تظهر تزامنا محتملا مع انعتاق ونهضة اليهودية واستجابتها لرسالتها الأممية على طريق الرفض الذاتي (نفي الذات) والخلق أو الولادة الجديدة
"
نهاية الصهيونية
ويرى الكاتب أن نهاية الصهيونية تظهر كتزامن محتمل مع انعتاق ونهضة اليهودية واستجابتها لرسالتها الأممية على طريق الرفض الذاتي (نفي الذات) والخلق أو الولادة الجديدة.

ولعل هذه الأممية الجديدة ستصبح، في عالم ما بعد الحداثة المتطور بالذات، نقطة الانطلاق للتربية على المنفى في كل مكان، وأولا في المنفى القسري في إسرائيل.

وينتقل المؤلف في الفصل الثاني من الكتاب إلى الحديث عن التربية المتعددة الثقافات في مرحلة ما بعد الحداثة في إسرائيل، ويقول إن التربية في إسرائيل تمثل حالة تعديدية ثقافية غير ليبرالية وغير مكتملة، قولا وعملا.

ويبين أن الوضع الإسرائيلي لا يتيح إمكانيات متساوية للتقوقع والانغلاق والاستقلالية، بما يضمن ممارسة عنف ناجع ضد أفراد متمردين داخل كل مجموعة، وضد مجموعات مناوئة.

كما يرى الكاتب أن الحالة الإسرائيلية تشكل نموذجا غير متكافئ، نموذجا متطرفا في شكل خاص من ناحية الإمكانيات المتاحة أو المفتوحة في صدد التبشيرية الثقافية والكولونيالية السياسة، أمام المجموعات المتناحرة.

التربية التعددية
ويضيف غور زئيف أن المشكلة لا تنحصر في كون الوضع المتعدد الثقافات والتربية التعددية في إسرائيل لا يشجعان على التربية التعددية الثقافية، وإنما أيضا في كون الدعوة لانتهاج النموذج الليبرالي المتعدد الثقافات دعوة واهنة للغاية، ناهيكم عن تجسيدها أو تحقيقها.

وكما هو الحال في أماكن كثيرة أخرى فإن التربية المتعددة الثقافات في إسرائيل لا تسعى لطرح التعددية والتعددية الثقافية كقيم جديرة كنقطة انطلاق لسياسة تربوية للإنسانية وللتعددية الثقافية.

ويخصص المفكر اليهودي الفصل الثالث من كتابه للتركيز على التعددية الثقافية والتربية في إسرائيل، موضحا أنه بعد قرن من الصهيونية، وأكثر من نصف قرن على وجود دولة إسرائيل، بقيت قضية التعدد الثقافي من القضايا المركزية بالنسبة للتربية في إسرائيل وفي نقد التربية التطبيقية الإسرائيلية.

غير أنه يرى أن حيوية التربية الصهيونية تآكلت، بينما تأسس العنف الداخلي والخارجي لإسرائيل على مجموعة من الأساطير الجديدة ما يمثل واقعا جديدا، وأهدافا مختلفة تماما عن أهداف الآباء المؤسسين.

ويشير المؤلف إلى أن الخطاب في إسرائيل اليوم بين الجاليات المختلفة والثقافات المختلفة خطاب عنفي واضح، وتبعا لذلك فإن التوازن بين الاحتمالات ومحدوديتها وطبيعتها يحدد من خلال مظاهر مرئية مباشرة ومتناحرة بين الأيديولوجيات المتنافسة والجمعيات.

ويرى أن التربية في المجال الشعبي مهملة تماما في إسرائيل، مبينا أن أهمية هذه المسألة ظاهرة من خلال الواقع العلماني الإسرائيلي، حيث التقاليد الإنسانية تآكلت بعمق ثمنا للنجاح الصهيوني من ناحية، وعن طريق التعددية التي تسارعت بسبب التكنولوجيا المتطورة والسريعة، والتغييرات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والذهنية من ناحية أخرى.

"
المجتمع الإسرائيلي اليهودي اليوم عرضة لحالة كنتنونات ثقافية وسياسية دينامية، ستزيد من حدة نزوعه نحو المركزية الإثنية والانغلاق الثقافي والسياسي، والتخلي عن الالتزام بأي نوع من الخير العام
"
مركزية إثنيه
ويخلص الكاتب عبر الكثير من الدلائل والمقارنات إلى أن المجتمع الإسرائيلي اليهودي اليوم عرضة لحالة كنتنونات ثقافية وسياسية دينامية، الأمر الذي سيزيد من حدة نزوع المجتمع نحو المركزية الإثنية والانغلاق الثقافي والسياسي والتخلي عن الالتزام بأي نوع من الخير العام أو عن أي مؤشر مشترك مثل الرواية العليا أو الدستور أو أنماط السلوك المدني التي يقبلها الجميع.

ويحاول المؤلف في الفصل الرابع من الكتاب إظهار كيف زادت مرحلة ما بعد الحداثة من إمكانيات المبالغة الإسرائيلية فيما يتعلق بذكرى الكارثة (محرقة اليهود على يد النازيين)، كي يسمح للتركيبة النفسية والوعي الجماعي بأن يدبا الروح في نار الجماهير الآخذة بالانطفاء، وفسح المجال لبعث الروح من جديد في طيبة القلب وصخب الحياة العنيف الخلاق لدى الإسرائيلي.

ويعتبر الكاتب أن هذا الإنعاش الجديد يمثل قوة عمل إبداعي مثير للشهوة التي تصبو إلى ما هو جيد ويخلق فرصا للتفهم والاستقرار الذاتي ورسالة فردية، في الإطار الجماعي الإسرائيلي.

ويصف المفكر الإسرائيلي هذه الحالة بالمراوغة الإبداعية التي تخلق ما يشبه إنتاجا إبداعيا، وفي نفس الوقت تثبت وعيا ذاتيا كاذبا ومسيئا، لا يستحق في رأيه سوى أن يطلق عليه "أسطرة الكارثة".

التربية المحررة
ويتطرق المفكر الإسرائيلي في الفصل الخامس إلى فرص وإمكانيات التربية المحررة في مرحلة ما بعد الحداثة، فيرى أن التربية المحررة ما بعد الحداثة تبدأ قبل كل شيء بالتحرر من مفاهيم التحرر والانعتاق التي تعتمد التبجح بدلا من السعي وراء العدل والمساواة.

"
التربية مسؤولة عن فبركة الإنسان المطبع، لأن البشر لا يولدون مخلوقات مستقلة، أي أشخاصا فاعلين، وإنما يتم تصنيعهم وإنتاجهم
"
ويشير المؤلف إلى أن هذا التبجح أعطى شرعية لأعمال الإجرام الرهيبة سواء في نطاق تطبيقه للتربية الدينية وكذلك في نطاق تربيته لحضارة الغرب، أو لتربية قومية وسط أوروبية حديثة، التي أتاحت قمع "الآخر" الداخلي والخارجي، وإذلال كل حديث غير ملائم للعرف اليهودي المسيحي الأبيض.

ويتعرض المفكر اليهودي في الفصل السادس لماهية التربية في مرحلة ما بعد الحداثة، فيرى أن التربية مسؤولة عن فبركة الإنسان المطبع، لأن البشر- حسب قوله- لا يولدون مخلوقات مستقلة، أي أشخاصا فاعلين، وإنما يتم تصنيعهم وإنتاجهم، رغم كل أبعاد "خصوصيتهم في عملية لا أنسنة مركبة".

واستنادا إلى هذا التوجه يرى المؤلف أن بني البشر ليسوا "أصيلين" ولا يوجد فيهم أي أساس "طبيعي"، وهم نتاج عنف خلاق، معتبرا أنهم ليسوا إلا صدى لديناميكيات الخطاب الذين يكونون وكلاءه وفي الوقت نفسه ضحاياه الأكثر إخلاصا.

وفي الفصل السابع الذي ينهي فيه المؤلف كتابه بالحديث عن التربية للسلام في عهد ما بعد الحداثة، ويطرح وجهة نظر بديلة لمصطلحي التربية والسلام، من خلال النظر إلى الصيغ المختلفة للتربية عن السلام التي تعتبر مداميك مهمة للتربية المطبعة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة