لائحة اتهام   
الخميس 1431/11/21 هـ - الموافق 28/10/2010 م (آخر تحديث) الساعة 16:42 (مكة المكرمة)، 13:42 (غرينتش)

عرض /حسين عبد العزيز

موضوع هذا الكتاب هو الحلم الكبير الذي حمله المؤلف طوال نحو ربع قرن، وهو جلب المعتدين الإسرائيليين إلى منصة العدالة الدولية. لذا فهو يناقش خلال فصوله الأربعة لائحة اتهامات ضد إسرائيل خلال مراحل متعددة والإمكانية القانونية والسياسية لمحاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين.

ولا شك أن مقاضاة إسرائيل على جرائمها بحق الفلسطينيين والعرب أصبحت حلم كل عربي ومسلم.

المحاكمة.. الحلم واليوتوبيا
في بداية الكتاب يطرح المؤلف مجموعة من الأسئلة: هل هناك أمل في مقاضاة إسرائيل في ظل تزايد التضامن العالمي بشأن معاقبتها؟ وكيف يمكن وضع المتهمين في قفص الاتهام؟ وهل اقترب الحلم من الواقع أم ثمة عقبات جدية تحول دون ذلك؟

-الكتاب: لائحة اتهام.. حلم العدالة الدولية في مقاضاة إسرائيل
-المؤلف: د. عبد الحسين شعبان
-عدد الصفحات: 135
-الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت
-الطبعة: الأولى/ 2010

ورغم هذه الأسئلة يظل سؤال كبير يطرح نفسه: كيف ومتى وأين سيمثل الجناة أمام القضاء؟ ومن سيقدم على ذلك عربيا، الدول أم مؤسسات المجتمع المدني الأكثر الحرية، والأقدر على اتخاذ المبادرات، ومنها مبادرة ملاحقة أرييل شارون أمام المحاكم البلجيكية؟ غير أن سؤالا يطرح هنا: كيف لمؤسسات المجتمع المدني أن تغطي النفقات وتعبئ الطاقات وتواجه إمبراطورية مالية وإعلامية وأمنية لأعظم دولة في العالم وتؤكد دعمها الإستراتيجي لإسرائيل؟

وإذا كان الملف الأكبر اليوم هو الدعوى حول الجرائم بحق سكان غزة، حيث تم اتهام 100 شخصية سياسية وعسكرية إسرائيلية وأميركية وبريطانية بارتكاب جرائم حرب مباشرة، فإن الأمر يتطلب جهودا مضنية للوصول إلى تقديم لائحة اتهام بحق المتهمين.

يتساءل المؤلف: ما الذي يمكن أن تتضمنه لائحة الدعوى؟ يجيب بأن لائحة الاتهام يمكن أن تتضمن شهادات للعديد من الضحايا، لا سيما الجرحى، كما تشمل تفاصيل الدمار وأنواع الأسلحة المحرمة دوليا مثل الفسفور الأبيض، والقنابل الإبرية المخترقة للملاجئ التي يقول عنها الخبراء إنها تحتوي على اليورانيوم المنضب لزيادة الاختراق، إضافة إلى قنابل الدايم التي تحتوي على مادة التانغستين التي تسبب شظاياها المجهرية تقطيع الضحايا إلى أشلاء.

ويؤكد المؤلف أن قيام إسرائيل بالانتقام الجماعي والقتل العشوائي لا يقود آليا إلى تقديم الجناة إلى العدالة أو إلى توجيه لائحة اتهام ضدها، على الرغم من اتفاقيات جنيف وملحقيها في العام 1977، بل إن المسألة تحتاج إلى جهود حثيثة وتوازنات وظروف دولية مناسبة، ويتعلق الأمر أيضا بطريقة تحريك الدعوى والسير بالقضية حتى نهايتها، وهذا يتطلب سلسلة من الإجراءات المعقدة وتوفير المستلزمات والإمكانات الضرورية.

مقاضاة مرتكبي الجرائم
بحسب النظام الأساسي للمحكمة العسكرية الدولية التي أنشأها الحلفاء لمحاكمة مجرمي الحرب الألمان عام 1945، فإن جرائم الحرب هي:

الأفعال التي ترتكب خرقا لقوانين وأعراف الحرب، والتي يندرج فيها القتل العمد والمعاملة السيئة وإقصاء السكان المدنيين وقتل الأسرى وإعدام الرهائن ونهب الأموال العامة والخاصة وتهديم المدن والقرى واجتياحها دون ضرورات عسكرية.

"
إسرائيل قامت بطريقة منهجية منظمة وعلى نطاق واسع بارتكاب أعمال من شأنها أن تصنف باعتبارها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية
"
ويوضح المؤلف أن جرائم الحرب وفق ذلك تصنف إلى نوعين:

1- الجرائم التي تتعلق بقواعد الحرب التي تنظم سير العمليات الحربية، وهي تشمل مجموعة من القيود على الممارسة الحربية التي وردت معظمها في اتفاقيات لاهاي، سواء ما يتعلق منها باستخدام الأسلحة، وحظر قصف الأهداف المدنية.

2- الجرائم التي تتعلق بضحايا الحرب، سواء كانوا مقاتلين أو غير مقاتلين، وتتمثل هذه في قواعد قانونية تستهدف حماية ضحايا الحروب ومعاملتهم معاملة إنسانية، وهو ما شملته اتفاقيات جنيف وملحقاها لعام 1977.

يسعى مؤلف الكتاب إلى تطبيق كل ذلك على عدوان إسرائيل على غزة في العام 2008-2009 ليؤكد أن إسرائيل قامت بطريقة منهجية منظمة وعلى نطاق واسع بارتكاب أعمال من شأنها أن تصنف باعتبارها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وأهم هذه الانتهاكات:

ـ الاستخدام غير المناسب والمفرط للقوة خلافا لاتفاقية الأمم المتحدة حول حظر وتقييد استخدام الأسلحة المفرطة الضرر لعام 1981، وكذلك للمادة رقم 35 من البروتوكول الإضافي الأول الملحق باتفاقيات جنيف التي تقضي بحظر استخدام الأسلحة والقذائف التي من شأنها إحداث إصابات لا مبرر لها.

ـ استخدام أسلحة محرمة دوليا، وهو ما يتعارض مع بروتوكول جنيف لعام 1925 الخاص بحظر استخدام الغازات الخانقة أو السامة أو ما شابهها.

ـ استهداف الأماكن المدنية وحرمة الأماكن المقدسة، والذي يعتبر استهدافا لاتفاقية لاهاي لعام 1945 بشأن حماية الأعيان الثقافية وقت الحرب.

ـ استهداف الجرحى والطواقم الطبية وعمل المنظمات الإنسانية، ولا سيما التابعة للأمم المتحدة، وهو ما يعتبر خرقا سافرا لاتفاقية جنيف الرابعة.

ـ الحصار والتجويع، وهو أمر يتناقض مع ما ذهب إليه البروتوكول الإضافي الأول، الذي تحدث عن خطر تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب.

ـ الاعتداء على الصحفيين، وهو ما ذهب إليه بروتوكول جنيف الأول الإضافي.

جميع هذه الجرائم ارتكبتها إسرائيل بحق الفلسطينيين خلال العدوان على غزة، وهذا يعني أن المجتمع الدولي مطالب بالتحرك لملاحقة قادة إسرائيل الذين شاركوا في ارتكاب هذه الجرائم.

"
ذهبت جميع الاتفاقيات الدولية تقريبا إلى تحميل المسؤولية الفردية عن ارتكاب الجرائم، واستبعدت مسؤولية الدولة، حيث لم يرد أي نص يتعلق بالمسؤولية الجنائية للدولة
"
هنا يوضح المؤلف الفرق بين ملاحقة قادة إسرائيليين وملاحقة إسرائيل كدولة، فالفرق بينهما كبير في القانون الدولي، ذلك أن مساءلة الدولة ما زالت تلقى معارضة شديدة على مستوى الفقه القانوني الدولي وعلى مستوى الواقع العملي والتشريعي، وإذا كانت قد جرت الإشارة إليها فهي في إطار المسؤولية المدنية، أي التعويض وليس المسؤولية الجنائية، أي التجريم.

وقد ذهبت جميع الاتفاقيات الدولية تقريبا إلى تحميل المسؤولية الفردية عن ارتكاب الجرائم، واستبعدت مسؤولية الدولة، حيث لم يرد أي نص يتعلق بالمسؤولية الجنائية للدولة.

الآليات القانونية المتاحة لمقاضاة إسرائيل
يعرض المؤلف في هذا الفصل الخيارات القانونية المتاحة لملاحقة الإسرائيليين المتهمين بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب، وهذه الخيارات هي:

ـ الخيار الأول: الطلب من مجلس الأمن الدولي إنشاء محكمة خاصة مؤقتة لمحاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين، على غرار محاكم يوغسلافيا ورواندا وسيراليون وكمبوديا، والمحكمة ذات الطابع الدولي لملاحقة قتلة الحريري.

ويكمن الأساس القانوني في مطالبة مجلس الأمن في وظيفته الأساسية المتعلقة بحفظ السلم والأمن الدوليين، وبموجب صلاحياته واختصاصاته فإن بمقدوره وطبقا للفصل السابع إنشاء محكمة دولية خاصة لمحاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين، لكن العقبة الأساسية التي قد تحول دون تحقيق ذلك هي استخدام واشنطن حق الفيتو.

ـ الخيار الثاني: إحالة الأمر إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة لاستصدار قرار بإنشاء محكمة خاصة من قبلها، تساوقا مع سابقة اتخذتها الجمعية العامة بإصدار قرار خاص عند فشل مجلس الأمن في التوصل إلى إصدار قرار، والسابقة المقصودة هنا هي القرار "الاتحاد من أجل السلام" الصادر بقرار الجمعية العامة الذي يحمل رقم 377 عام 1950 بشأن كوريا، والذي كان بمثابة التفاف على اختصاصات مجلس الأمن.

لكن هذا الخيار قد لا ينجح في الحصول على أغلبية في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وإن نجح فقد تمتنع الأمم المتحدة عن تمويل المحكمة.

ـ الخيار الثالث: العمل على إحالة إسرائيل إلى المحكمة الجنائية الدولية، وهي محكمة دائمة، لكن هذا يتطلب من الدول العربية الانضمام إليها والتصديق على ميثاقها.

ـ الخيار الرابع: الاختصاص العالمي، إذ إن بعض الدول الغربية تأخذ بمبدأ الاختصاص القضائي العالمي، بحيث يمكن ملاحقة أي شخص ارتكب جريمة دولية حتى وإن كان خارج إقليمها.

وطبقا لاتفاقية جنيف يحق لأي دولة محاكمة المتهمين بارتكاب الجرائم ضد الإنسانية، بصرف النظر عن مكان وقوع هذه الجرائم، وقد قامت إسرائيل مؤخرا بتكليف محامين دفعت لهم 3 ملايين دولار لمعرفة القوانين التي تنطبق على مسؤولين يمكن اتهامهم بارتكاب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية.

كما قامت من خلال الضغط الأميركي بتعديل القانون البلجيكي، وهي تعمل اليوم على تغيير القوانين في إسبانيا بعد قبولها دعاوى ضد مسؤولين إسرائيليين.

"
بمقدور مجلس الأمن وطبقا للفصل السابع إنشاء محكمة دولية خاصة لمحاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين، لكن العقبة الأساسية التي قد تحول دون تحقيق ذلك هي استخدام واشنطن حق الفيتو
"
وعلى الرغم من أن الإمكانية لا تزال متوفرة بسبب سماح قوانين بعض الدول بمحاكمة المتهمين بارتكاب جرائم حرب، ككندا وإسبانيا وهولندا وبلجيكا وفرنسا وبريطانيا ونيوزلندا وسويسرا وبعض الدول الإسكندنافية, فإن
كل ذلك يتطلب أولا تعديل قوانين الجزاء والعقوبات العربية لكي تقبل دعاوى ضد مسؤولين إسرائيليين متهمين بارتكاب جرائم.

ـ الخيار الخامس: اللجوء إلى محكمة العدل الدولية، رغم أن اختصاص المحكمة هو الفصل في النزاعات الدولية، وتفسير المعاهدات والاتفاقيات الدولية والنصوص القانونية.

وبهذا المعنى فإن اختصاص المحكمة هو إصدار أحكام مدنية وليست جزائية، وهي محكمة حقوقية تقضي بالمسؤولية المدنية والتعويض، وهناك سابقة البوسنة التي أقامت دعوى لطلب التعويض من صربيا على المجازر المرتكبة.

القانون الدولي والشرعية الدولية
يرى المؤلف أن العدوان الإسرائيلي على غزة أثار إشكالية تناقض الشرعية الدولية مع قواعد القانون الدولي أحيانا، ولا سيما فيما يتعلق باختصاصات وسلوك مجلس الأمن الدولي.

ويقول إن الشرعية الدولية كمصطلح ما زالت غير محددة، فهل تعني توافق أعضاء مجلس الأمن مع قواعد القانون الدولي؟ أم توافق إجراءات مجلس الأمن الدولي مع قواعد القانون الدولي؟ وماذا لو حصل الافتراق؟ وهو أمر بحاجة إلى معالجة جدية.

إذا كان مبدأ السيادة هو أحد أهم مبادئ القانون الدولي، فإن الإخلال به يعتبر المؤشر الأول لسوء استخدام ما تسمى بالشرعية الدولية لأغراض تتعارض مع أهداف ومبادئ المنظمة الدولية.

ولعل هذا ما يفسر وقوف بعض قرارات مجلس الأمن في مخالفة صريحة للقانون الدولي، حتى وإن حملت اسم الشرعية الدولية، وهو أمر يثير قلقا لدى الدول الصغيرة التي لا تشعر بالمساواة والاطمئنان إزاء سلوك الدول المتسيدة في العلاقات الدولية.

يميز المؤلف بين الشرعية الدولية وبين قواعد القانون الدولي ومبادئ الأمم المتحدة، فالأولى قرارات وتوافقات صدرت عن مجلس الأمن في ظل توازنات سياسية للقوى الدولية محكومة بزمانها، أما الثانية فهي مبادئ تعاقدية وعرفية استقر عليها المجتمع الدولي باعتبارها قواعد ملزمة.

وإذا كانت وظيفة مجلس الأمن هي حفظ السلم والأمن الدوليين، فإن المصدر الأساسي لشرعية قرارات المجلس هو توافقها مع مبادئ القانون الدولي، وليس مخالفتها، وعندما يحصل مثل هذا الافتراق فلن تكتسب قرارات مجلس الأمن شرعية طالما تعارضت مع قواعد القانون الدولي.

وقدم المؤلف لمحة عن القانون الدولي التقليدي الذي كان يجيز باسم الشرعية الدولية السائد آنذاك الحق للدول في الحرب طبقا لمصالحها القومية أو مآربها السياسية، لكن القانون الدولي المعاصر تطور كثيرا منذ انتهاء الحرب العالمية الأولى، فلم يعد اللجوء إلى الحرب مشروعا ومباحا، والمجتمع الدولي حرم الحرب العدوانية في ميثاق بريان كيلوك (ميثاق باريس للعام 1928).

"
إذا كان مبدأ السيادة هو أحد أهم مبادئ القانون الدولي، فإن الإخلال به يعتبر المؤشر الأول لسوء استخدام ما تسمى بالشرعية الدولية لأغراض تتعارض مع أهداف ومبادئ المنظمة الدولية
"
وكان ميثاق الأمم المتحدة الأكثر جذرية حين حرم استخدام القوة أو اللجوء إليها في العلاقات الدولية، باستثناء الدفاع عن النفس، كما لم يجز الميثاق الحصول على مكاسب سياسية جراء الحرب أو الاحتفاظ بالأراضي، داعيا إلى وحدة الأراضي والحفاظ على الاستقلال السياسي في إطار حق تقرير المصير، واحترام السيادة والمساواة في الحقوق، فضلا عن هدف حماية السلم والأمن الدوليين.

إن هذه القواعد تعتبر أساسا في قانونية وشرعية أي إجراء يتخذه مجلس الأمن الدولي، بمعنى أن قرارات مجلس الأمن، إن انسجمت مع هذه القواعد، فيمكن أن نطلق عليها اسم الشرعية الدولية، أما إذا تعارضت فإنها ستكون بعيدة عن الشرعية الدولية القانونية، حتى وإن صدرت بتوافق القوى الكبرى في مجلس الأمن.

بعبارة أخرى إن اكتساب الشرعية لا يتم من خلال التوافق، بل من خلال توافقه مع القواعد الشرعية القانونية الدولية باعتبارها قواعد آمرة واجبة الأداء في الحال وفي المستقبل، أي أنها قواعد ملزمة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة