اليد المتجمدة   
الثلاثاء 1433/3/1 هـ - الموافق 24/1/2012 م (آخر تحديث) الساعة 14:15 (مكة المكرمة)، 11:15 (غرينتش)
عرض/ وديع عواودة

أجرت سوريا وإسرائيل في العقود الثلاثة الأخيرة سلسلة مفاوضات سرّية وعلنية حول السلام والجولان دون أن يتمّخض عنها شيء، وسط اتهامات متبادلة بين الطرفين حول جدية كل منهما.
 
رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية الأسبق الجنرال بالاحتياط أوري ساجيه شارك في الجولة التفاوضية التي أوشكت أن تنتهي باتفاقية سلام بين الدولتين.
 
-الكتاب: اليد المتجمدة
-المؤلف: أوري ساجيه
-اللغة: العبرية
-عدد الصفحات: 200
-الناشر: "يديعوت سفاريم"، تل أبيب
-الطبعة: الأولى/2011
في كتابه ذي العنوان المشحون "اليد المتجمدة" يقر ساجيه أن سوريا رغبت بسلام حقيقي وكامل مع إسرائيل، لكن رئيس وزراء الأخيرة إيهود باراك تراجع في اللحظة الأخيرة من المفاوضات التي تمت في 2000 برعاية أميركية، "تجمدت يده الممدودة" خوفا من رد فعل الإسرائيليين. وهذا ما أكده رئيس الموساد الأسبق داني يتوم، (كتابه "شريك سر" حول المسار الفلسطيني في قمة كامب ديفد عام 2000).
 
يتمحور كتاب ساجيه الذي شغل رئاسة الاستخبارات العسكرية (1995-1991) حول تفويت "فرصة تاريخية" للسلام مع سوريا ويكشف خبايا المفاوضات والتفاهمات والمعضلات وبالأساس الإخفاقات خلال لقاءات البعثتين الإسرائيلية والسورية في لقاءات شيفردستاون الأميركية عام 2000.
 
جاء لقاء القمة بعد لقاءات تمهيدية سرية وبرعاية أميركية جرت في جنيف وواشنطن بين ساجيه وبين المستشار القضائي السابق لوزارة الخارجية السورية رياض داودي. ساجيه الذي عينه رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق، وزير الدفاع الحالي، إيهود براك، رئيسا لطاقم المفاوضات مع البعثة السورية برئاسة وزير الخارجية وقتئذ فاروق الشرع، يعتبر عدم صنع السلام مع سوريا فشلا إستراتيجيا يستحق تشكيل لجنة تحقيق رسمية على غرار لجنة التحقيق بحرب لبنان الثانية.
 
وللتعبير عن خيبة أمله من إضاعة تلك الفرصة، يستعير مجازا من عالم كرة القدم ويشبّهها بانفراد مهاجم بمرمى الخصم وهو فارغ لكنه يخفق في تسديد هدف.
 
سوريا اليوم
وما زال ساجيه  يرى أن سلاما مع سوريا -مع بقاء بشار الأسد أو رحيله- مفيد حتى للمفاوضات مع الفلسطينيين، وستترتب عليه تبعات إقليمية مهمة، منوها بأهمية تسوية الخلافات مع الدول العربية المجاورة قبل الدخول في قضايا حساسة كالقدس وحق العودة والمستوطنات والخط الأخضر.
 
ويشير ساجيه -الذي يعمل اليوم في إدارة معاصر زيتون في الجليل- إلى أنه تلقى دعوته لترؤس الطاقم الإسرائيلي السرّي للتفاوض مع الجانب السوري قبل شهور من انعقاد مؤتمر شيفردستاون، باعتباره خبيرا بالشأن السوري ومؤمنا بحيوية السلام معها، ويتابع" التقيت الطاقم السوري في عدة لقاءات سريّة تيقنت خلالها من أن السلام ممكن".
 
وبحسب الكتاب سبقت قمة شيفردستاون لقاءات ومحادثات علنية وسرية كثيرة بين إسرائيل وسوريا، بدأت في واشنطن عام 1992 وآخرها في تركيا في ولاية إيهود أولمرت (2005-2009). ويؤكد ساجيه أنها فشلت لعدة أسباب أبرزها عدم رغبة إسرائيل في التنازل عن الجولان مقابل السلام.
 
وقبل ذلك يشير أن البداية كانت بعد أسابيع من انتخاب باراك رئيسا لحكومة إسرائيل في مايو/أيار 1999، موضحا أن وزيرة الخارجية مادلين أولبرايت أبلغت الأخير فور عودتها من دمشق أن الرئيس حافظ الأسد جاهز  لمفاوضات بلا شروط مع إسرائيل تنطلق من "وديعة رابين" التي وضعت -قبل اغتيال رابين في 1995- بين يدي واشنطن موافقتها غير الرسمية على الانسحاب للرابع من حزيران مقابل سلام كامل مع سوريا.
 
"
اتفقت كل من سوريا وإسرائيل في المفاوضات السرية على التطبيع الكامل وتبادل السفارات والتعاون السياحي في ظل "سلام بارد" على غرار السلام مع مصر لأن الإسرائيليين كان لديهم قلق كبير على استقرار النظام في سوريا وخشية الإسلاميين
"
الرواية السورية
بخلاف الرواية السورية الرسمية حول تشبثها بآخر دونم في الجولان، فإن سوريا -بحسب الكتاب- وافقت على أن خط الرابع من حزيران ضبابي وغير دقيق، وأنه مختلف عن الحدود الدولية التي اتفق عليها الانتدابان البريطاني والفرنسي عام 1923.
 
وبلغت المساحة المختلف عليها 14 ألف دونم في ثلاث محاور (الحمّة، شمال شرق البحيرة، وهضبة بانياس) لكون الخط الرابع من حزيران حدا غير واضح.
 
في المداولات السّرية مع داودي استنتج ساجيه ومعاونوه أن سوريا تقبل بسيادة إسرائيلية على كل بحيرة طبريا وعلى نهر الأردن في المناطق الجبلية مقابل منحها حق استخدام المياه فيهما، كما وافقت في المفاوضات التمهيدية على نزع سلاح متبادل للمناطق الحدودية بشكل غير متكافئ لأسباب "طبوغرافية".
 
ويقول إنه في هذه المداولات في جنيف وواشنطن قبل السوريون بسيادة إسرائيلية على مناطق منزوعة السلاح في الهضبة. ويلفت إلى أن التوافق تعدى الجغرافيا، كالاتفاق على التطبيع الكامل وتبادل السفارات والتعاون السياحي، في ظل "سلام بارد" على غرار السلام مع مصر "لأن لديهم قلقا كبيرا على استقرار النظام في سوريا، ويخشون من احتجاج جهات إسلامية على مجرد فكرة السلام".
 
تبادل هدايا
ويوضح أن المحادثات السرية قادت للقاء سري متفائل بشكل خاص تم في البيت الأبيض، ويقول إن الوفد الإسرائيلي عاد منه للبلاد وهو على ثقة أنهم ذاهبون نحو لحظة تاريخية، لكنه يؤكد أن التفاؤل بدأ يتبدد بالاقتراب من مؤتمر شيفردستاون في يناير/كانون الثاني 2000.
 
ويكشف أن الأسد ورابين وباراك تبادلوا الرسائل من خلال عدة وسطاء، منهم الصحفي البريطاني باتريك سيل كاتب سيرة الرئيس السوري الراحل، وينوه أنه بعث للأسد بزجاجة زيت زيتون عبر سيل، وبالمقابل تلقى حلويات سورية الصنع وطبق مشمش بالعسل.
 
وينقل ساجيه عن الجانب الأميركي أن الرئيس حافظ الأسد ما كان يدخل المفاوضات ويهدد مستقبل نظامه لولا تلقيه وعودا من واشنطن بأن "هدايا" تنتظره في حال تكللت المفاوضات مع إسرائيل باتفاقية سلام.
 
كما ينوه الكاتب بأن سوريا التي اتهمت الرئيس المصري الراحل أنور السادات بالخيانة لتوقيعه اتفاقية سلام منفرد في كامب ديفد، ألمحت بوضوح خلال المفاوضات أنها مستعدة للانفصال عن الفلسطينيين والتوصل لسلام انفرادي مع إسرائيل.
 
ويتابع "في المداولات أبلغني داودي أنه علاوة على سلام مع سوريا مقابل الجولان ستحظى إسرائيل بتسوية المشاكل مع لبنان وتسوية مشكلة الإرهاب، كما أن دمشق ستشجع دولا عربية أخرى على تحسين العلاقات مع إسرائيل".
 
"
تؤكد رسالة الكتاب المركزية أن إسرائيل اقتربت من السلام مع سوريا أكثر من أي مرة سابقة، لكنها أخفقت في إنجازه وتهربت، وهذا يفسر عنونة الكتاب
بـ(اليد المتجمدة)
"
مرض الأسد
ويشير الكاتب إلى أنه حثّ إسرائيل على توقيع اتفاق مع سوريا بسبب مرض الأسد المصاب -وفق معلومات الموساد- بسرطان الدم والسكري ومشكلات بالكبد أدت به لبدء يوم عمله متأخرا، ولتوقفه عن استقبال الضيوف.
 
ويستذكر الكاتب وصوله برفقة وفد إسرائيلي رسمي إلى بلدة شيفردستاون في ولاية فرجينيا، حيث تم لقاء القمة في يناير/كانون الثاني 2000، ويقول إنها تفجرت بعد أربعة أيام من بدئها بسبب مناورات باراك، لافتا إلى أن الأخير اعترف بذلك للسفير الأميركي الأسبق في تل أبيب مارتن إينديك، ويتابع "أعد لنا باراك مقلبا وسخر منّا، فتركنا نكمل اللعبة فيما كان يضمر في قرارة نفسه المماطلة والتهرب طيلة أيام المؤتمر، رغم حماسة الجانب السوري للتوصل لتسوية".
 
تؤكد رسالة الكتاب المركزية أن إسرائيل اقتربت من السلام مع سوريا أكثر من أي مرة سابقة، لكنها أخفقت في إنجازه وتهربت، وهذا يفسر اختياره عنوان كتابه (اليد المتجمدة)، منوها بأن باراك أراد التفاوض في شيفردستاون أولا حول قضايا الأمن والتطبيع بدلا من الحدود والمياه بخلاف تفاهمات سابقة، مما أغاظ الوفد السوري. ويرجح ساجيه أن باراك تراجع وبدأ بالتهرب بعد سماعه ردودا واسعة في إسرائيل مناهضة للانسحاب من الجولان، رغم أنه سبق أن وافقني الرأي بأن سوريا تشهد تغييرا إستراتيجيا.
 
فاروق الشرع
ويتابع استعادة تفاصيل اللقاءات مع السوريين بدقة متناهية: "بعد ذلك صار باراك يقول إنه يحتاج للتشاور، وعندها توجه له فاروق الشرع بسؤال استنكاري: برفقتك هنا وزير الخارجية ومجموعة خبراء عسكريين منهم أوري ساجيه، وأمنون ليبكين شاحك وإيهود يتوم، فمع من ستتشاور في البلاد".
 
وفي اليوم الرابع والأخير في القمة وقف الشرع متوترا وهو يخاطب الرئيس كلنتون وطاقمي المفاوضات: "سيدي الرئيس، أنت تعلم أنه عندما قدمنا للولايات المتحدة فقد تبنينا خيارا إستراتيجيا. أنت تعلم أن الرئيس حافظ الأسد قد أبلغ وزيرة الخارجية مادلين أولبرايت بأن سوريا معنية وراغبة باستئناف المفاوضات، وقد تشجعنا لتصريحات إيهود باراك وخلنا أنه رجل سلام، وقد سبق لنا أن التقينا بلقاءات سرية علاوة على لقاء علني في " البلير هاوس"، وخلالها فهمنا أن هناك ما يمكن التفاهم عليه، واليوم فهمنا أنهم غرّروا بنا وأن باراك لم يحترم كلمته". سمع كلنتون ذلك وعض على النواجذ بصمت ولم ينف، ولاحقا في كلمته اعترف بالتوصل لتفاهمات قائلا: "كلمة الرئيس الأسد كلمة محترمة".
 
مجاز المظليين
ويبدي الكاتب خيبة أمل كبيرة من نهاية القمة لأن باعتقاده أن سوريا كانت جاهزة للصفقة وأن السلام معها كان سيفضي بالضرورة لتسوية مع لبنان ومع بقية البلدان العربية، ويتابع "عندها تصبح التسوية مع الفلسطينيين ثمرة ناضجة بين أيدينا وبسهولة، وقبل أن تشتد تهديدات إيران والحركات الإسلامية".
 
"
باراك أنجز أفعالا تمهيدية شاملة قبيل بدء المفاوضات مع السوريين، لكنه في ساعة اتخاذ القرار فرّ هاربا
"
ويرى ساجيه أن باراك شجاع في الحرب جبان في السلام، ويعبر مجددا عن مقصده بواسطة الاستعارة لتوصيف نفسية باراك فيقول: "مثله مثل الجندي المظليّ الذي يستعد للقفز من المروحية ليلا أسوة بزملائه الذين يغلّبون المنطق على الخوف لكنه يتشبث في اللحظة الأخيرة بجوانب باب المروحية ولا يقفز، وهذا ما حصل لباراك، فقد فشل في اللحظة الحاسمة، لحظة الحقيقة".
 
ويفسر ساجيه ذلك بالتأكيد أن الأمر مرتبط بضعف القيادة، ولا يتردد بالقول إن باراك أنجز أفعالا تمهيدية شاملة قبيل بدء المفاوضات مع السوريين لكنه في ساعة اتخاذ القرار فرّ هاربا، ويتابع بدبلوماسية: "تحمل المسؤولية لم يكن أبدا الجانب الأقوى بشخصية براك".
وحول انتهاء المفاوضات بالفشل يوضح أن الرئيس الأميركي بيل كلنتون أخفق لاحقا في إقناع حافظ الأسد رغم توصل الطرفين لصيغة معادلة حول حدود الرابع من حزيران تشمل تبادل أراض يمكنهما التعايش معها بسلام.
 
مصداقية الوسيط
وينتقد المؤلف الأداء الأميركي في المفاوضات، ويقول إن واشنطن فقدت مصداقيتها ومكانتها كوسيط نزيه مقبول عند الطرفين، بسبب انقيادها الأعمى خلف إيهود باراك وبدلا من دفع المفاوضات تورطوا بها.
 
ويستعرض لقاء القمة في جنيف في 26 مارس/آذار 2000 بين الرئيس حافظ الأسد وبين بيل كلنتون، ويقول إنها انتهت بعد خمس دقائق بعدما طلب الرئيس الأميركي أن تتنازل سوريا عن شمال شرقي بحيرة طبريا، متهما الطاقم الأميركي بالجهل وعدم اللباقة في إدارة التفاوض.
 
كباحثين إسرائيليين آخرين، أبرزهم بروفسور موشيه معوز كاتب السيرة الذاتية بالعبرية للرئيس السوري الراحل، يرجح ساجيه أن حافظ الأسد رغب بالسلام الحقيقي مع إسرائيل لكن هذه أضاعته بعدما تراجعت عن تفاهماتها ووعودها.
 
ويعتبر أن ما حدث ليس صدفة، مشددا على أن إسرائيل تخشى السلام والتسوية السياسية أكثر من النزاع المسلح أو الحرب، وينوه بأن بعض القادة الإسرائيليين أمثال ديفد بن غوريون ومناحيم بيغن وإسحق رابين قد صنعوا السلام رغم أن الثمن كونهم حالة شاذة. في المقابل يشير أن يد باراك قد جمدت أما يد نتنياهو فهي لم تمتد أصلا. "إسرائيل اليوم تعدم القدرة على اتخاذ القرارات ولا رؤية للمدى البعيد".
 
"
ينتقد الكاتب الأداء الأميركي في المفاوضات ويعتبر أن واشنطن فقدت مصداقيتها ومكانتها كوسيط نزيه مقبول عند الطرفين، بسبب انقيادها الأعمى خلف إيهود باراك
"
ردا على مزاعم إسرائيلية تقليدية بأن الانسحاب من الجولان حتى بحيرة طبريا يهدد أمن إسرائيل، يقول ساجيه إن التفاهم مع السوريين وقتها قضى بعدم الانسحاب حتى ضفاف البحيرة وأبقى على معظم المستوطنات، على أن تصبح هضبة الجولان سلسلة محميات طبيعية منزوعة السلاح.
 
ويعتبر ساجيه أن هناك خطا موصلا بين فقدان السلام وبين الاحتجاجات الاجتماعية الشعبية في إسرائيل التي تقاد اليوم من قبل قيادة "فارغة" تخون واجبها وتتحاشى قرارات حيوية لمستقبل المجتمع الإسرائيلي، ويتابع "منذ سنوات أعتقد أن الجودة متوفرة لدى الناس لا لدى القيادة التي حان الوقت أن تنظر للشعب بمستوى العيون".
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة