جمهورية فؤاد شهاب   
الثلاثاء 1430/5/18 هـ - الموافق 12/5/2009 م (آخر تحديث) الساعة 16:42 (مكة المكرمة)، 13:42 (غرينتش)

عرض/ نقولا طعمة
كتاب "جمهورية فؤاد شهاب" للكاتب الصحفي نقولا ناصيف يستعرض تجربة فؤاد شهاب، رئيس جمهورية لبنان الذي تبوأ سدة الرئاسة بين أعوام 1958 و1964، ومن خلالها تاريخ لبنان الحديث الذي بدأ حوالي العشرينيات من القرن العشرين.

وتكمن أهمية الكتاب أنه يعرض فيما يعرض، فترة حكم استثنائية في تاريخ البلاد على أساس أنها تجربة إصلاحيّة في ظرف يتخبّط لبنان فيه في اضطرابات مختلفة، من أبرزها تحدي بناء السلطة ومؤسسات الدولة، ويعاني من انهيارها وتفككها، والعجز عن إعادة بنائها.

-الكتاب: جمهورية فؤاد شهاب
-المؤلف: نقولا ناصيف
-عدد الصفحات: 610
-الناشر: دار النهار للنشر, بيروت, لبنان
-الطبعة: الأولى/نوفمبر 2008
ونظرا لتوق اللبنانيين لبريق أمل في مكان ما من تاريخهم، أقبلوا على شراء الكتاب بطريقة لفتت انتباه المكتبات.

وفترة ولاية فؤاد شهاب استثنائيّة أيضا لأنها مرّت في فترة من الاستقرار السياسي والأمني شهدتهما المنطقة، وانعكسا على لبنان هدوءا أتاح للراغب في بناء دولة حديثة بإصلاح محكوم بفترة ولاية ست سنوات، أن يحقق بعضا من طموحه.

ولا يزال الكثير مما أرسته مرحلة شهاب موجودا لكن بصور مشوّهة تحت وطأة اضطرابات وتحوّلات قضت على الشهابيّة، وشوّهت الكثير مما أسسه العهد.

ولا يقتصر الكتاب على الجانب الإصلاحي من فترة حكم شهاب، فهو  يقدّم قراءة لتاريخ لبنان المعاصر، وتكرار أحداث بصورة متشابهة رغم اختلاف الحقب التاريخية التي مرّ لبنان بها.

ويمكن تقسيم الكتاب إلى ثلاث مراحل، وفقا لتاريخ الرجل الذي يتناوله الكتاب. الأولى ما قبل تولّي فؤاد شهاب الحكم، والثانية فترة الولاية، والثالثة ما بعده. والثلاث مترابطة بصورة تظهر مدى تأثر أحدثها بأقدمها، وكيف يتكرر القديم بشكل متجدّد ومتشابه، دون تطابق.

ولا تتسلسل المراحل الثلاث بطريقة كرونولوجية تاريخية سرديّة، بقدر ما يعتمد الكاتب الأسلوب الروائي الأشبه بالأوتوبيوغرافيا، بطريقة موضوعيّة استعراضيّة مع القليل من التحليل، فالكاتب ابن مدرسة صحفية تلتزم مبدأ الحياد والموضوعية، دون التدخل الذاتي تحليلا وإسقاطا للذات، وينجح إلى حدّ بعيد في هذا الأسلوب شكلا، رغم أنه شديد التعاطف مع شهاب ومدرسته التي عرفت بالشهابية.

ورغم استخدامه للموضوعية والحياد، فإن ناصيف ينجح في تقديم شهاب بطلا تألّب عليه الكثيرون، لكنه خرج شبه منتصر، يستدرج بتعاطفه الكامن تعاطف القارئ مع البطل دون تعمّد مباشر.

المرحلة الأولى: ما قبل فؤاد شهاب
المرحلة الأولى يمكن اعتبارها مرحلة ما قبل ولاية شهاب رئاسة الجمهورية. وتمتد من عام 1919 لدى تطوع شهاب جنديا في الجيش الفرنسي، وتنتهي بتبوئه سدة الحكم عام 1958. يتواكب عرض الأحداث التاريخية والسياسية في هذه المرحلة مع تطورات حياة شهاب.

بداية هذه المرحلة يستعرض فيها المؤلف لجذور الشهابية التي انحدر منها شهاب، وهي سلالة أمراء حكموا لبنان عندما كان لا يزال ولاية صغيرة من ولايات الخلافة العثمانية. وقد تأثر شهاب بجدوده، خصوصا بشير الثاني الذي يقدمه الكتاب جامعا لهيبة السلطة والعدل في آن واحد.

ويعرض كيف بدأ لبنان الحديث دولة منفصلة عن عالمها العربي، ضمن تقسيمات اتفاقية سايكس بيكو، وتأسس جمهورية أواسط العشرينيات.

تدرّج شهاب في الجيش الفرنسي، ثم في الجيش اللبناني عند تأسيس الكيان، وواكب تطوّرات مراحل تشكيل السلطة، وعثراتها. ويركّز الكتاب في هذه المرحلة على فترة انتقال الحكم بين ولاية الجمهورية الأولى من 1943 إلى 1949 التي قادها أول رئيس لجمهورية لبنان بعد الاستقلال، وهو بشارة الخوري، وخلافة كميل شمعون له بين 1952 و1958 تاريخ تولي شهاب الرئاسة.

"
انقسم الزعماء اللبنانيون بين مؤيد لتجديد ولاية بشارة الخوري ومعارض له، ودخل البلد في ثلاث سنوات من الاضطراب، عرف شهاب خلالها أن الضمانة الوحيدة لاستمرارية التجربة هي الجيش فسعى إلى تحييده عن الصراعات الداخلية
"
ويتّخذ الكتاب من المرحلة الفاصلة بين 1949 و1952، نقطة ارتكاز توضح مراحل تاريخ لبنان المختلفة. فهي نقطة انتقال رئاسة الجمهورية وهو انتقال لم يجر إلاّ بعملية أشبه بالقيصرية في كل حالة انتقال لرئاسة الجمهورية، ما خلا ولاية فؤاد شهاب.

في كل انتقال للرئاسة يطرح تمديد الرئيس على بساط البحث. واللاقطون لزمام الرئاسة ذات الصلاحيات الواسعة فيما قبل اتفاق الطائف (1989)، يرغبون في استمرارها تحت سيطرتهم، في وقت تتهيأ قوى أخرى للانقضاض. والفارق في هذا المجال بين لبنان وبقية الدول قيامه على توازنات طائفية تقوى فيها كل طائفة وفئة بعوامل داخلية قليلة، وخارجيّة أكثر فاعلية وتأثيرا.

ويستعرض الكتاب كيف بلورت محاولات تمديد ولاية بشارة الخوري لدى شهاب تداخل الدولي مع المحلي الطائفي في اللعبة السياسية، وكانت الدولتان المؤثرتان هما فرنسا وبريطانيا. وقد عايش شهاب في لعبة انتقال ولاية بشارة الخوري خطورة الانقسام الداخلي على بلد لم يزل في طور النشوء.

فقد انقسم الزعماء اللبنانيون بين مؤيد لتجديد ولاية بشارة الخوري وبين معارض له، ودخل البلد في ثلاث سنوات من الاضطراب، عرف شهاب خلالها أن الضمانة الوحيدة لاستمرارية التجربة هي الجيش الذي تدرّج فيه وأصبح قائدا له في 1949، فسعى إلى تحييده عن الصراعات الداخلية.

وبذلك شكّل شهاب نقطة التقاء الأطراف اللبنانيين ليتولى رئاسة حكومة من أجل انتخابات مبكرة بعد اضطرار الخوري للاستقالة تحت ضغط القوى المعارضة، فانتخب كميل شمعون رئيسا بتدخّل إنجليزي.

وفي مدة ولاية شمعون ظل شهاب محيّدا للجيش، معتمدا الحياد بين كافة الأطراف.

اتسمت فترة شمعون بحماوة إقليمية دولية. صعود الناصرية من جهة، وهجوم أجنبي على المنطقة عبر تشكيل الأحلاف. وشهدت المنطقة صراعات انتهت إلى تراجع الدولي لصالح الإقليمي بانتصار الناصرية في حرب قناة السويس، وانقلاب عبد الكريم قاسم في العراق الذي قضى على حلف بغداد المدعوم بريطانياً.

انعكست الصراعات الإقليمية الدولية على لبنان عام 1958 بحركة شعبية متعاطفة مع عبد الناصر عرفت بـ"الثورة"، ومناوِئة لشمعون الذي رغب في ضم لبنان إلى حلف بغداد، سعى شهاب خلالها إلى تحييد الجيش عن الصراع عملا بالمبدأ الذي اعتمده منذ البداية.

استمرت التوترات بين مايو/أيار وسبتمبر/أيلول، حتى انتهاء ولاية شمعون، وكان لابد من إجماع على رئيس جديد ينقذ البلاد من الأزمة الحادة المندلعة فيها.

المرحلة الثانية: حكم فؤاد شهاب رئيسا
يعرض المؤلف في هذه المرحلة للأسلوب الأميركي الذي اتبع في كل مرة عاشت المنطقة توازنات بين الإقليمي والدولي، لإخراج انتخابات الرئاسة اللبنانية ترجمة لهذا التوازن وذلك باستعراض الوساطات التي خاضها المبعوث الأميركي روبرت مورفي بين الأطراف اللبنانية وجمال عبد الناصر لإنجاز انتخابات رئاسة الجمهورية فكان إجماع الأطراف المعنية المحليّة والدولية على قائد الجيش فؤاد شهاب الذي حرص على إبقاء الجيش خارج الصراعات وعلى عدم الانحياز لطرف دون آخر.

ويعرض الكتاب لأداء شهاب والتحديات التي كان عليه مواجهتها، وأبرزها:

*الانتقال بالبلد من مرحلة حرب أهلية إلى استقرار يتجاوز الماضي.

"
من التحديات التي واجهت شهاب الانتقال بالبلد من مرحلة حرب أهلية إلى استقرار يتجاوز الماضي, والحفاظ على وحدة المجتمع اللبناني المشّكل من تركيبة طائفية إسلامية مسيحية, وتجديد مؤسسات الدولة على نمط حديث هو النمط الفرنسي الديغولي
"
*الحفاظ على وحدة المجتمع اللبناني المشّكل من تركيبة طائفية إسلامية مسيحية. فاتبع سياسة تبعد لبنان عن الغرب، وتنسّق مع جمال عبد الناصر الذي حظي بتعاطف داخلي كبير، محاولا تطبيق معادلة ملاءمة الاستقرار الداخلي مع التطورات الخارجية، بغية إبقاء البلد بمنأى عن الصراعات العربية والدولية التي تؤدي بالبلد إلى الهلاك.

*تجديد مؤسسات الدولة على نمط حديث هو النمط الفرنسي الديغولي الذي تأثر شهاب به، واعتماد آلية الخروج بالبلاد من أزماتها استنادا إلى اقتناع شهاب بأن إطلاق عملية تنموية تطور الأوضاع الاجتماعية، وتحدث انصهارا وطنيا يقي البلاد من الوقوع مجددا في أتون الحروب الداخلية على غرار 1952 و 1958. ومن جراء هذه النظرة استدعى بعثة "إيرفد" لوضع دراسات عن حاجات كافة المناطق اللبنانية للتنمية، واستمر عملها أربع سنوات.

*ردّ التحديات التي واجهت حكمه خصوصا انقلاب الحزب السوري القومي الاجتماعي عام 1960، أي بعد سنتين من حكمه. وأدرك شهاب أنه يواجه تحديا كبيرا هو مواجهة الخارج عبر قوى الداخل. وقد دعم الانقلاب الرئيس السابق كميل شمعون، وانكشف لشهاب تدخّل دول عربية كالأردن.

سعى في بداية حكمه إلى تشكيل طاقم سياسي من غير السياسيين، وبنى تحالفات مع قوى جيدة التمثيل الشعبي مثل رئيس حزب الكتائب بيار الجميل، ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي كمال جنبلاط، وذلك لأن فؤاد شهاب رغم محبة الناس له، لم يؤسس له حركة شعبية داعمة.

وطوال فترة حكمه بعد الانقلاب عاش هاجس احتمال التألب عليه، فكان انقلاب 1960 مبررا لإطلاق يد المخابرات العسكرية في البلاد، التي مارست التشدد، وحاربت الخصوم، ووجهت البلاد باتجاه تكريس رؤية شهاب وبرنامجه.

ويصل الكتاب إلى اقتناع بأنّ جهود شهاب الإصلاحية اقتصرت على الإداري التنموي، ولم تكتمل دورتها لحاجة البلاد إلى فترة أطول للوصول بالإصلاح إلى المرحلة التي توخاها شهاب، دون الدخول في متاهة الإصلاح السياسي لظنّ شهاب أن استكمال الأول من شأنه تسهيل الثاني متلافيا الدخول في متاهات السياسة الداخلية، ومخاطر انقساماتها الطائفية. ورغم ذلك لم تنج خططه من عراقيل السياسة التقليدية.

ومع ذلك، فقد استطاع بناء العديد من مؤسسات الدولة بطريقة حديثة، مثل مجلس الخدمة المدنية الذي تولى رقابة أجهزة الدولة الإدارية، وعمليات التوظيف، والتأهيل الإداري، والتفتيش المركزي، كما أوصل المدارس والطرق والتيار الكهربائي إلى كل المناطق.

ويعرض الكتاب كيف أصيبت محاولات شهاب بإرباكات البنى التقليدية فشعر بالخيبة، وأسرّ إلى مستشاره فؤاد بطرس أنّ لبنان لم يستطع أن يكون دولة بمعنى الأمة، علّه يصل إلى ذلك إذا أوجدنا دولة بالمعنى السليم لبناء مؤسسات".

المرحلة الثالثة: ما بعد شهاب رئيسا للجمهورية
تتسم هذه المرحلة بمحاولات من أنصار شهاب التجديد له لفترة رئاسية ثانية بهدف استكمال برنامجه الإصلاحي. لكنّه رفض ذلك لمعارضة قسم كبير من القوى المسيحيّة، مدعومة بموقف البطريرك الماروني بولس المعوشي، ولأنه رأى أن التجديد يستدعي تعديل الدستور، وبالتالي يفتح المجال لمشاركة أوسع للطوائف الأخرى في السلطة على حساب الطائفة المسيحية التي كانت تستحوذ على الحيّز الأكبر من السلطة عبر مواقع في المراكز الرئيسية وصلاحيات واسعة لرئيس الجمهورية.

ويفرد الكتاب حيّزا مهما لصراع الرئاسة الأولى السياسية –رئاسة الجمهورية- التي اعتبرت موقعا مارونيا في التركيبة الطائفية للسلطة، مع الرئاسة الروحية الأولى المارونيّة البطريركية، وقد تمثّل ذلك في خلاف شهاب مع المعوشي طوال فترة حكمه.

كما يعرض جهود شهاب وطاقمه لخلافة رئيس يتابع ما بدأه، فوقع الاختيار على مستشاره شارل الحلو الذي استمر تأثير الشهابيّة في ولايته عبر مراكز القوى في السلطة والإدارة، وعبر الأجهزة الأمنية.

"
بمرور الوقت تفكك تيار شهاب السياسي، لكنه ظل تاركا أثرا كبيرا في ذاكرة اللبنانيين بسبب الإنجازات الإنمائية التي حدثت في عهده على صعيد المجتمع، وإدارة الدولة
"
ويتحدّث الكتاب عن تجربة الحلو وكيف انعطف عن الشهابية التي أوصلته إلى الحكم، بسبب تطورات دراماتيكية شهدتها المنطقة كحرب 1967، ووفود المقاومة الفلسطينية إلى لبنان بقوة، وانتصار فريق كبير من اللبنانيين لها خصوصا في وسط المسلمين، فتقرب الحلو من الحلف الثلاثي الذي تشكّل من كميل شمعون -الرئيس الذي قامت ثورة 1958 ضده، وريمون إدّه، وبيار الجميل الذي كان مقرّبا من شهاب دون انقطاع عن القوى الأخرى المناوئة لشهاب.

دخلت البلاد في انقسام حاد، وشهدت صدامات بين الجيش والمقاومة الفلسطينية، وتسلّح داخلي انتصارا لها، كما شهدت توقيع اتفاق القاهرة الذي أجاز للمقاومة الفلسطينية استخدام أرض الجنوب لمقاومة إسرائيل.

بنهاية ولاية الحلو، أعيد طرح اسم شهاب للحكم، لكنّه رفض نظرا لمعادلة: "انتخبت لأول مرة بإجماع اللبنانيين، فليس من المعقول أن أفكّر في الترشح وقسم من القوى السياسية لا يوافق على ذلك".

طرح طاقم فؤاد شهاب إلياس سركيس، وهو من المستشارين المخلصين للشهابية، لكنّه لم ينجح، وربح سليمان فرنجية الذي فكك الجهاز الأمني، الحارس الأول للمرحلة الشهابية.

وبمرور الوقت تفكك تيار شهاب السياسي، لكنه ظل تاركا أثرا كبيرا في ذاكرة اللبنانيين بسبب الإنجازات الإنمائية التي حدثت في عهده على صعيد المجتمع، وإدارة الدولة.

يبدأ الكتاب بنهاية فؤاد شهاب عام 1973، عندما استشعر خطرا محدقا بلبنان فأحرق كلّ مستنداته، ولم يلبث لبنان أن بدأ في الاحتراق بعد عامين من وفاته.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة