التجربة التركية من أتاتورك إلى أردوغان   
الثلاثاء 5/7/1434 هـ - الموافق 14/5/2013 م (آخر تحديث) الساعة 14:28 (مكة المكرمة)، 11:28 (غرينتش)

عرض/ أحمد محمود

كثر الحديث في الفترة الأخيرة عن تركيا المعاصرة وتجربتها السياسية والاقتصادية، وعن أنه على الدول العربية الخارجة من تجربة الربيع العربي، أن تقتدي بها لتصل إلى ما وصلت إليه الآن من تقدم في مختلف المجالات.

وهناك العديد من الأدبيات التي ظهرت في الفترة الأخيرة، سواء باللغة العربية أو التركية، تمت ترجمتها، تتناول التجربة التركية، من مختلف زواياها وأركانها، ومن بينها كتاب "التجربة التركية من أتاتورك إلى أردوغان" للباحث المصري محمد صادق إسماعيل.

-الكتاب: التجربة التركية من أتاتورك إلى أردوغان
-المؤلف: محمد صادق إسماعيل
-عدد الصفحات: 272
-الناشر: "العربي" للنشر والتوزيع, القاهرة
-الطبعة: الأولى/ 2013

وجاء الكتاب في عشرة فصول تتناول عددًا من القضايا المتعلقة بتركيا وسياساتها، بدءًا من رصد الأهمية الإستراتيجية للدولة التركية، في إطار تاريخها وحالتها الجيوسياسية، وصولاً إلى علاقاتها الإقليمية خصوصًا مع مصر وإسرائيل ودول الخليج العربي، بالإضافة إلى أبرز القضايا والمحددات الخاصة بالسياسة التركية، مثل المسألة الكردية، وقضية المياه، مع تركيز خاص على تركيا في ظل حقبة حزب العدالة والتنمية.

وهذا المؤلف يأتي في إطار مشروع بحثي، تتبناه دار النشر حول التجارب السياسية والتنموية الدولية ذات الدلالة والأهمية في مختلف المجالات، مثل التجربة التشيكية، والتجربة البرازيلية في عهد الرئيس السابق لولا دا سيلفا.

والكتاب بجانب تناوله الأهمية الإستراتيجية لتركيا، والقضايا المحيطة بتجربتها الاقتصادية والسياسية في عصرنا الحديث؛ قام بإجراء تطواف تاريخي مفصل حول تركيا سياسيًّا وأنثروبولوجيًّا، وحجم الدور الذي لعبته في توجيه السياسة الإقليمية والعالمية، منذ ظهور الدولة السلجوقية في القرن الخامس الهجري.

أنثروبولوجيا سياسية
من خلال الرصد التاريخي الذي قام به المؤلف، وتتبع فيه الجذور التاريخية لنشأة الدولة التركية في مكانها هذا، يُلاحظ أن هناك مجموعة من التأثيرات التي لعبتها بعض الحوادث المهمة التي مر بها الشعب التركي، في تشكيل شخصيته الحالية، ومن سياسات الدولة التركية، ومجالها الحيوي في الوقت الراهن.

فالأتراك عبارة عن قبائل رُحَّل نشأت في الأساس في إقليم تركستان، بين الصين وآسيا الوسطى، وتحركت باتجاه الغرب، حتى استقرت في شمال بلاد فارس وفي هضبة الأناضول وآسيا الوسطى، وتطورت سياسيًّا واجتماعيًّا، حتى أقامت دولتها المستقلة مرتَيْن، الأولى الدولة السلجوقية، التي ظهرت في القرن الخامس الهجري، والثانية الدولة العثمانية التي ظهرت في القرن العاشر الهجري.

هذه التطورات الأنثروبولوجية أدت إلى نشأة دولة فريدة من نوعها، حيث شعب يقيم في أرض غير التي نشأ فيها، ولذلك ارتبطت فكرة "التتريك" حتى منذ ما قبل قيام الدولة الأتاتوركية الحديثة، بتوسع تركيا شرقًا، في المناطق التي نشأ فيها الأتراك أصلاً.

فالحركة الطورانية التي نشأت وتطورت أواخر القرن الـ19 ومطلع القرن العشرين، مدت أذرعها لتشمل آسيا الوسطى وتركستان، ونفهم الآن سبب الاهتمام التركي اللصيق، بقضية مسلمي الإيغور في إقليم تركستان الشرقية، حيث إن الإيغور الآن هم التطور الطبيعي للقبائل التي خرج منها الأتراك السلجوقيون والعثمانيون من بعد، ثم الأتاتوركيون في القرن العشرين.

تحولات ما بعد دولة الخلافة
يميل بعض المؤرخين إلى الحديث عن دولة الخلافة العثمانية باعتبارها "الإمبراطورية العثمانية" أو "الدولة العثمانية" ويشيرون إلى أن "دولة الخلافة" تم توظيفها سياسيًّا من جانب الأتراك للسيطرة على العالم العربي والإسلامي.

ولكن هذا الحُكم يجانبه الصواب، حيث إن الدولة العثمانية لعبت دور مظلة الخلافة الإسلامية، حتى ما قبل انهيارها ببضعة عقود، وكانت تحكم بصورة أشبه أو قريبة الشبه من حكم دولة العباسيين الأولى والثانية.

ولكن الإشكالية ظهرت حول هذه المسألة من اتجاهَيْن: الاتجاه الأول سيطرة مدارس تأريخية، أصحابها إما مسيحيون شوام، أو أنهم من الفئات التي تلقت تعليمها في الغرب، بعد قيام محمد علي باشا الكبير وحفيده الخديوِ إسماعيل، بإرسال بعثات تعليمية إلى فرنسا وإنجلترا، ومثَّلت بذرة التيار العلماني الليبرالي في العالم العربي والإسلامي.

الاتجاه الثاني هو أنه بالفعل في العقود الأخيرة من حياة الدولة العثمانية، سيطرت اتجاهات قومية متطرفة على السياسة التركية، فظهر سياسيون مثل مدحت باشا، وحركات سياسية مثل حركة الاتحاد والترقي.

تُعتبر تجربة نجم الدين أربكان، والتي بدأت منذ مطلع السبعينيات، بحزبه "السلامة" الإسلامي من أبرز عوامل التغيير التي بدأت ضد الأتاتوركية بهذا البلد الناهض

من أتاتورك إلى أردوغان
طيلة العقود التي تلت إعلان الجمهورية التركية، حكمت تركيا رؤية سياسية واحدة، رسخها أتاتورك، وتبنتها من بعده الحكومات الجمهورية، والتي تعتمد على أساس العلمنة الكاملة للدولة، ليس سياسيًّا فحسب، بل على مختلف المستويات الفكرية والاجتماعية.

وضمنت المؤسسة العسكرية التركية طيلة العقود الماضية، تنفيذ رؤية أتاتورك في حكم البلاد، وكان النفي كما حدث مع بديع الزمان النورسي، والإعدام كما حدث مع عدنان مندريس، جزاء من يحاول من الرموز الدينية والروحية والقيادات السياسية للمجتمع التركي الخروج على هذه الثوابت.

وبناءً عليه، رتبت تركيا سلسلة من التحالفات الخارجية، كانت وجهتها الرئيسية الغرب، ورسمت سياسات تركيا إزاء قضايا المنطقة والعالم العربي والإسلامي، وخصوصًا القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي، فكان التحالف التركي الإسرائيلي، والتحالف التركي الغربي خلال سنوات الحرب الباردة.

وظلت هذه الثوابت قائمة حتى مطلع الألفية الجديدة، عندما فاز حزب العدالة والتنمية بزعامة رجب طيب أردوغان، بانتخابات عام 2002 العامة؛ حيث بدأت تحولات عميقة تطرأ على السياسة التركية.

ولكن لا يمكن القول إن هذه التحولات التي تشهدها تركيا منذ ما يزيد على عقد من الزمان، قد بدأت مع تولي أردوغان وحزبه الحكم، فوصول العدالة والتنمية للحكم، ليس بداية في حدِّ ذاته، وإنما هو نتيجة أيضًا للكثير من التحولات التي كانت قد بدأت تطرأ على المجتمع التركي خلال العقود الماضية.

وتُعتبر تجربة نجم الدين أربكان، والتي بدأت منذ مطلع السبعينيات الماضية، بحزبه الإسلامي، حزب السلامة الوطني، من أبرز عوامل التغيير التي بدأت ضد الأتاتوركية في هذا البلد، وكانت نتيجة ذلك، حقبة كاملة من التحولات، أفرزت أردوغان وتجربة العدالة والتنمية.

محددات إستراتيجية
بجانب هذا التطواف التاريخي، تناول المؤلف عددًا من المحددات الإستراتيجية التي ترسم السياسة التركية الراهنة، وتمثل صُلب أمنها القومي، ويأتي على رأسها المسألة الكردية، وقضية المياه، وعلاقات تركيا الإقليمية مع كل من مصر ودول الخليج العربي وإسرائيل.

وتُعتبر المشكلة الكردية من أهم هذه المحددات؛ حيث إنها ترتبط أولاً بموضوع وحدة الأراضي التركية، كما أنها ترتبط بشكل مباشر بقضية الاستقرار الداخلي، مع كونها قد أودت بحياة أكثر من أربعين ألف شخص، منذ اندلاعها عام 1984.

كما أن القضية الكردية ترتبط بالكثير من القضايا المتعلقة بوضع تركيا الجيوسياسي في إقليم الشرق الأوسط، فهي مرتبطة بالعلاقات مع العراق، وكذلك بمسار العلاقات التركية الإسرائيلية، ولفهم ذلك، تكفي الإشارة إلى أن جهاز المخابرات الإسرائيلي (موساد) كان وراء إلقاء المخابرات التركية القبض على زعيم حزب العمال الكردستاني المحظور في تركيا عبد الله أوجلان المحبوس حاليًا في سجن جزيرة إيمرالي، منذ التسعينيات الماضية.

أما ملف المياه، فإنه أداة مهمة لتركيا في التأثير بالإقليم، وفي عهد رئيس الوزراء الراحل بولند أجاويد، عندما كانت تركيا أحد أركان التحالف الغربي الإسرائيلي في المنطقة، كان هذا الملف وسيلة مهمة للضغط على كل من سوريا حافظ الأسد، وعراق صدام حسين، حيث تتحكم تركيا في منابع دجلة والفرات، مورد الماء الأساسي لكل من سوريا والعراق.

اتجهت السياسة الخارجية لتركيا نحو علاقات أكثر توازنًا مع دول العالم العربي والإسلامي، مستندة إلى قاعدة تنموية واقتصادية مستقلة وقوية

ولقد شهد كلا الملفَيْن، الأكراد والمياه، تحولات كبيرة في استخدامهما والتعامل معهما في عهد أردوغان، حيث إنه مال إلى معالجة الملف الكردي بطريقة غير إقصائية، خلافًا لأسلافه من حزب الشعب الجمهوري الأتاتوركي، وحقق للأكراد بعضًا من مطالبهم، بشكل أدى إلى إلقاء حزب العمال الكردستاني للسلاح بالفعل.

وفي ملف المياه، تراجع أردوغان عن فكرة استخدام المياه كسلاح إستراتيجي للضغط على جيرانه العرب، في إطار رسمه لسياسات إقليمية مخالفة تمامًا لسياسات القوميين والعلمانيين، ومن بينهم أجاويد، ولم يستمر في مخططات الأخير، لمنح مياه الفرات لإسرائيل في حاويات عملاقة، بعد توفير جزء من حصة سوريا والعراق، من خلال مشروع سد الأناضول.

سياسات خارجية مختلفة
ولقد انعكست هذه التحولات على سياسات تركيا الخارجية، التي استندت في استقلاليتها إلى قاعدة تنموية واقتصادية قوية، فدفعت أردوغان إلى التخلي عن فكرة التحالف الإستراتيجي مع إسرائيل، لصالح علاقات أكثر توازنًا مع دول العالم العربي والقوى السُّنِّية في العالم الإسلامي، خصوصًا مصر والسعودية ودول الخليج العربي الأخرى.

وكان من مظاهر ذلك تبني سياسات قوية في الدفاع عن القضية الفلسطينية، وكان جُل اهتمام تركيا منصبًّا على دعم غزة في معركتها الطويلة مع الحصار الإسرائيلي.

ويبقى في النهاية تساؤل مهم، وهو: ما مصير هذه التحولات في مرحلة ما بعد أردوغان؟ أم أن حكم العدالة والتنمية، بقوة الاقتصاد والنهضة، سوف يستمر طويلاً، في بلد حيوي متحرك مثل تركيا؟!

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة