الجمهورية والديانات والأمل   
الخميس 1425/12/3 هـ - الموافق 13/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 16:16 (مكة المكرمة)، 13:16 (غرينتش)

عرض/الحسن سرات

تضافرت أسباب مترادفة لتجعل من نيكولا ساركوزي سياسيا لا يمكن تجاوزه في فرنسا سواء من قبل حزب الأغلبية الحاكمة الذي ينتمي إليه، أو بالنسبة للأحزاب المعارضة.

 

ومن لا يتابع مسار هذا الرجل فلن يمسك بمفاتيح السياسة الفرنسية ولن يتخيل مستقبلها القريب وربما البعيد، المستقبل القريب الذي يرتبط بالانتخابات القادمة، والمستقبل البعيد الذي يرتبط بعلاقة الديني بالسياسي في نظام علماني.

 

نيكولا ساركوزي داهية جمع بين معرفة السياسة ومعرفة الدين، أما معرفة العمل السياسي فقد شهد له بها الرئيس الفرنسي الحالي جاك شيراك منذ أكثر من 20 عاما.

 

- العنوان: الجمهورية والديانات والأمل

- المؤلف: نيكولا ساركوزي

- عدد الصفحات: 175

- الطبعة: الأولى 2004

- الناشر: دار سيرف/ فرنسا

كان الشاب ساركوزي قد ألقى خطابا مدهشا استحوذ به على القاعة في مهرجان خطابي حضره شيراك نفسه وهو في الثانية
والأربعين من العمر، وخاطبه الوزير الأول وهو  يومذاك جاك شيراك واستقبله في مكتبه بكلمة بقيت محفورة في ذهنه إلى هذا اليوم، إذ قال له "لقد خلقت للسياسة".

 

ومنذ ذلك التاريخ والشاب نيكولا ساركوزي يؤكد حضوره في كل مهرجان خطابي وينتزع الاعتراف تلو الاعتراف ويبرهن على أنه رقم ضروري في فريق شيراك.

 

أما معرفته بالدين فقد ظهرت أول ما ظهرت عندما أصبح ساركوزي وزيرا للداخلية مسؤولا عن ملف التنظيم القانوني لمسلمي فرنسا بعد أن فشل فيه الوزراء السابقون فشلا يرجعه ساركوزي في كتابه الأخير المثير "الجمهورية والديانات والأمل" إلى المكانة التي أعطاها أسلافه لهذا الملف، حين جعلوه في مرتبة ثانية أو ثالثة وربما متأخرة، لكنه جعله أولى أولوياته وأهم انشغالاته، ليكون أحسن إنجازاته.

 

"
الرياح مواتية تدفع بالديانات إلى استعادة المبادرة والنشاط للدخول على السياسة والسياسيين والعلمانية والعلمانيين من أبواب متفرقة
"
توقيت محسوب

على غرار رجال السياسة الذين يحسبون حسابات دقيقة وأحيانا معقدة اختار نيكولا ساركوزي الوقت المناسب لإصدار كتابه الأخير.

 

ففرنسا تستعد للاحتفال بمرور قرن على صدور قانون العام 1905 المنظم لعلاقة الدولة بالدين، وهي تستعد أيضا للانتخابات المقبلة عام 2007، والرجل أصبح رئيسا لحزب الأغلبية الحاكمة بعد أن نجح في مهمتين وزاريتين هما وزارة الداخلية ووزارة الاقتصاد.

 

ضمن كل هذه الأجواء المشحونة ألقى ساركوزي بكتابه لتلقي ردود الفعل من مختلف الأطراف وتسجيل المواقف ليوم الانتخابات الرئاسية التي لا يخفي ساركوزي سعيه نحوها.

 

فكل الأصوات مهمة للغاية، خاصة أصوات المتدينين مسلمين أم نصارى، كاثوليكيين أم بروتستانتيين، يهودا شرقيين أم غربيين، حتى العلمانيون مرجوون من رجل يعرف كيف يخاطب الجميع ويدخل على كل طرف من الباب الخاص.

 

ويحدث كل هذا السعي والطلب وسط رياح دينية مواتية تدفع بالديانات إلى استعادة المبادرة والنشاط للدخول على السياسة والسياسيين والعلمانية والعلمانيين من أبواب متفرقة، كيف لا وقد ردد كثير من سياسيي فرنسا مقولة المثقف السياسي الفرنسي الشهير أندريه مالورو عندما قال إن القرن الحادي والعشرين سوف يكون دينيا بلا منازع وإلا فلن يكون.

 

وكيف لا والولايات المتحدة الأميركية الخصم اللدود لفرنسا لا تتردد في استخدام الدين في انتخاباتها وسياساتها الداخلية والخارجية، ومن ليس على دين فيها لا يمكنه أن يكون رئيسا، ولا يمكنه أن يهيمن على العالم.

 

كتاب ساركوزي الأخير صدر في طبعته الأولى عن دار "سيرف"، ولا يتجاوز 175 صفحة من الحجم المتوسط، وهو كله مقابلة مطولة قام بإجرائها ساركوزي نفسه مع "تيبو كولان" أستاذ الفلسفة، والأب "فيليب فيردان" رجل الدين الدومينيكي.

 

وينقسم الكتاب إلى ستة أقسام، الأول بعنوان الفعل الديني والعلمانية، والثاني "الإسلام والجمهورية"، والثالث "قانون 1905 هل هو متروك؟"، والرابع "الطوائف"، والخامس "الكنائس وأوروبا"، والسادس "الدين والتربية"، فضلا عن تصدير وخاتمة.

 

"
في نهاية المطاف يعتبر الأمل في الحياة الآخرة خير عنصر وأحسنه للسكينة في الحياة الدنيا ومواساة أهلها
"
متدين حتى النخاع

بسبب جمهورية علمانية لم تعرف فرنسا رؤساء ووزراء يفصحون علانية عن تدينهم مثل الزعيم التاريخي ديغول والرئيس اليميني فاليري جيسكار ديستان، بل وحتى من الرئيس الاشتراكي فرانسوا متيران، لكنها اليوم أخذت تفصح بتصاعد لافت عن الالتزام الديني لمسؤوليها السياسيين، ويعتبر نيكولا ساركوزي أظهر من أفصح عن تدينه وإيمانه.

 

ويتردد الإيمان في مقاطع وكلمات من الكتاب، أكثرها كلمة "الأمل" التي اختارها لتكون ضمن العنوان الثلاثي للكتاب.

 

والكلمة المأخوذة من المتن المسيحي، جعلها ساركوزي سر الحياة واستمرارها وبهجتها، فلا وجود عنده إلا بالأمل، يقول ساركوزي "في نهاية المطاف يعتبر الأمل في حياة آخرة خير عنصر وأحسنه للسكينة في الحياة الدنيا ومواساة أهلها".

 

ويكشف ساركوزي أيضا عن معرفة دقيقة بأحوال الكنيسة الفرنسية وأقوال رجالها، كما يعرب عن إعجابه وتأثره ببعض منهم، ويذكر منهم الأب "غي جيلبير" والأخت "إيمانويل" اللذين يبرهنان مع آخرين لا يعلمهم كثير من الناس على مدى نفع الدين للمجتمع".

 

وعندما يتحدث ساركوزي عن رجال الدين والإيمان يدافع عنهم بحرارة ممسكا دوما عن التهجم على الكنيسة، مع الاحتفاظ بمساحة للانتقاد وإبداء الرأي.

 

ويتحدث أحيانا بلسانهم فيقول عن تجربة الإيمان مثلا "يتعلق الأمر بلقاء حميمي مع الله، بشعور بالاصطفاء والنداء".

 

ويدافع ساركوزي عن الحاجة إلى الدين ويعتبره ضروريا للحياة والمجتمعات والحضارات حيث يقول إن الديانات تشكل رهانا رئيسا للمجتمع لأنها مرتكز الأمل، وإن الظاهرة الدينية عنصر أساسي يدرج الحياة في مسلسل لا يتوقف بالموت.

 

والدين مهم جدا في توازن المجتمع بالنظر إلى تدفقه الروحي في النفوس ومساهمته في التربية الوطنية والتضامن الاجتماعي وتخفيف الآلام والمآسي.

 

ويبرهن ساركوزي على ذلك بلفت النظر إلى غياب الدين من هوامش المدن وضواحيها والفراغ الذي يتركه للانحرافات والانزلاقات، فهو لا يعتقد أن مجتمعا ما بحاجة إلى التدين لإثبات الوجود، ولكنه يعتقد أن المتدينين رجالا ونساء روحانيون، ورجال الإيمان هم بمثابة عنصر تهدئة وسكينة، بل يجرؤ ساركوزي على القول أكثر من ذلك إنهم عنصر حضارة.

 

وما الإنسان الذي يؤمن إلا إنسان ينبعث منه الأمل، والأمل كفيل ببعث الحيوية الجماعية في مجتمع ما وتعبئة شاملة من أجل الخير العام والمعنى الواسع للحياة.

 

ويقول إنه موقن بأن الروح الدينية والسلوك الديني العملي قادران على المشاركة في تنظيم وتهدئة مجتمع الحرية.

 

ويقدم ساركوزي أدلة أخرى على دور الدين في تغيير المعسكر الاشتراكي الشرقي ودوره في الجزء الجنوبي من الكرة الأرضية اجتماعيا وسياسيا، والإشعاع الروحي للبابا في عدة مناطق من العالم.

 

"
حتى الإسلام يحتاج في نظر ساركوزي إلى تحديث وتجديد لتقديم قراءات جديدة للقرآن تكون أكثر علمية وحداثة وأقل حرفية وظاهرية
"
جبهة دينية

ساركوزي على إدراك تام بأن الديانات لا تشكو من أزمة تتعلق بها هي كديانات، ولكن أزمتها تكمن في تطبيقاتها وفهومها، فقد سيق له هذا السؤال الهام من محاوريه، وهو أنه قد أسيء التعامل مع المسألة الروحية في السنوات الأخيرة، في حين أن الالتزام العملي بالدين يشهد هبوطا حادا في فرنسا، وحتى عند المسلمين لا تتجاوز نسبة التطبيق 15%.

 

وفي الجواب عن هذا السؤال أقر ساركوزي بالنسبة المتدنية للالتزام الديني اليومي، لكنه أكد أنه لا ينظر إلى هذا الأمر على أنه إعراض من المواطنين عن المسألة الروحية، بل على أنه تحول في العلاقة بين الأفراد والالتزامات الدينية التقليدية، إذ لا يقاس الالتزام الديني بالحضور والغياب في مؤسسات العبادة التقليدية.

 

وإذا كان الالتزام اليومي ضعيفا فإن المناسبات السنوية الكبرى محطات تكشف على العكس من ذلك إقبالا متزايدا على التدين والمسألة الروحية مثل الأيام الدولية المسيحية للشباب بين 19 و24 أغسطس/ آب 1997، وكذلك الأمر بالنسبة للتجمعات اليهودية والإسلامية الكبرى، وإذا كان عدد المترددين على الكنائس قليلا فإن ذلك لا يعني إطلاقا أن المسألة الروحية لا تجذب.

 

الروحانية تعاش اليوم على أنها مسار فردي، وبحث شخصي مستمر متأثر بالمنعطفات المؤلمة في الحياة مثل فقدان عزيز ما.

 

ثم يضيف ساركوزي أن أزمة الكنائس لا تعلن بالضرورة عن أزمة في الإيمان، وأن الدين ليس ظاهرة ثقافية، ولكنه أيضا عنصر من عناصر الكينونة الثقافية.

 

ويقدم ساركوزي وصفة لتحديث الدين وتجديده سواء كان كاثوليكية مسيحية أم إسلاما في بيئة علمانية غربية، وكأنما يدعو السياسي المثير إلى تشكيل جبهة دينية واسعة وترك الخلافات الثانوية والجزئية جانبا.

 

قال وهو يجيب عن تساؤل يخص القلق الكاثوليكي من المستقبل إن على أطر الكنيسة في فرنسا أن تترك جانبا القضايا الثانوية كي لا تتصدر الخلافات بين الأديان، وأن تستغل التحولات الآنية لتوسيع النقاش حول العلمانية، حتى تكون الظاهرة الدينية أكثر تعريفا وأخذا بعين الاعتبار، منبها إلى أن الكنيسة الكاثوليكية في فرنسا عرفت كثيرا من المراحل العاثرة.

 

وأكد أن الكنيسة اليوم تمر بصعوبات لكن عليها أن تتكيف، وأن تبحث عن أشكال جديدة للتعبير وتبليغ الأمل، وربما كان لزاما عليها أن تعيد النظر في بعض عاداتها، إنها تفعل ذلك الآن.

 

حتى الإسلام يحتاج في نظر ساركوزي إلى تحديث وتجديد لتقديم قراءات جديدة للقرآن تكون أكثر علمية وحداثة وأقل حرفية وظاهرية.

 

"
العلمانية ينبغي أن تكون إيجابية تضمن حق التدين كحق أساسي للفرد.. فلا الدين عدو للجمهورية ولا الجمهورية عدو له
"
مراجعة العلمانية أيضا

ولا يكتفي ساركوزي بالدعوة إلى مراجعة الديانات وتحديثها، بل يدعو بقوة وجرأة أكثر إلى إعادة النظر في العلمانية الفرنسية وموقفها من الدين.

 

فالعلمانية في تقديره ينبغي أن تكون إيجابية تضمن حق التدين كحق أساسي للفرد، وهي ليست عدوا للديانات كما يريد المحرضون والمغرضون، إذ إنه لا الدين عدو للجمهورية ولا الجمهورية عدو له.

 

ولذلك عندما كان ساركوزي وزيرا للداخلية كان يؤمن جازما أن وزارة الداخلية هي قبل كل شيء وزارة الحريات الكبرى، حرية التجمع وحرية التظاهر والحرية الانتخابية وحرية تأسيس الجمعيات وحرية التنقل والحريات المحلية. وليس من الخلخلة والتفكك أن نجد ضمن هذه الحريات حرية التدين، فأتباع التيارات الدينية الكبرى لا يطلبون سوى العيش وفق إيمانهم.

 

في هذا السياق يقدم المحامي والسياسي ساركوزي مرافعة مطولة تدعو لإعادة النظر وفتح النقاش الموسع حول قانون العام 1905، وتساءل عما إذا كان من الغريب جعل قانون عمره قرن من الزمن ملائما، خاصة أنه اعتمد في زمن لم يكن فيه مسلمون في فرنسا.

 

وأعاد التذكير بدعوته إلى التمييز الإيجابي الذي يفسح المجال أمام المسلمين للاندماج في الحياة العامة والحياة السياسية الفرنسية متبنيا اقتراح رئيس فرنسا الشهير الجنرال شارل ديغول، القاضي بتخصيص نسبة 10% من وظائف الخدمة العمومية لمسلمي فرنسا، ورأى أنه يجب تخليص الإسلام في فرنسا من التأثيرات الأجنبية ومن الأصوليين، ولذلك دعا إلى مشاركة مالية من جانب الدولة أو الإدارات المحلية في بناء مساجد وتأهيل أئمة.

 

الموت أمام عتبات القصر الرئاسي

يشير كثير من المراقبين بتواتر إلى أن ساركوزي صاروخ منطلق لن يتوقف إلا في قصر الإليزيه، ولن يرضى بشيء دون رئاسة الجمهورية، لكنه مسكون بهاجس النموذج الأميركي حيث حسمت الجبهة الدينية الموقف بإعادة انتخاب بوش الابن، وبهاجس أكبر هو رغبة الانتقام من الرئيس الحالي.

 

ففي مايو/ أيار 2007، سيبلغ جاك شيراك الخامسة والسبعين من عمره، وستكون ولايتان رئاسيتان من وراء ظهره، وسيوافق ذلك الموعد بالتمام الذكرى الأربعين لتوليه أول مسؤولية وزارية، وهو الوحيد الذي لم يغادر القصور الرسمية في الجمهورية الفرنسية.

 

وعلى عكس ما يظهر "الملك" شيراك و"المتمرد" ساركوزي من تفاهم وتوافق، المعركة قادمة لا محالة حول القصر الرئاسي بين الرجلين، وهي معركة -حسب بياتريس غوري مؤلفة كتاب "المتمرد والملك"- قد تنتهي بمصرع سياسي لهذا أو ذاك أو لهما معا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة