إسرائيل والمشروع النووي الإيراني   
الأحد 1427/7/25 هـ - الموافق 20/8/2006 م (آخر تحديث) الساعة 12:51 (مكة المكرمة)، 9:51 (غرينتش)

عرض/إبراهيم غرايبة
يقدم هذا الكتاب مجموعة تقديرات إستراتيجية إسرائيلية متوسطة وبعيدة المدى أعدها مجموعة من الباحثين الإسرائيليين الأكثر قربا من صناع القرارات الإستراتيجية في إسرائيل إزاء الملف النووي الإيراني.

وحسب تقديرات هؤلاء فإن أية عملية عسكرية ضد المنشآت النووية الإيرانية لا يمكن ضمان نجاحها إلا من خلال تنفيذها بمساعدة طرف دولي قوي يملك حضورا عسكريا مباشرا في المحيط الإيراني لأسباب عملية ولوجستية، ولأسباب تتعلق بانتشار المنشآت النووية المترامية الأطراف.

وبحكم استفادة إيران من التجربة العراقية، ترى أن نجاح مثل هذه العملية يحتاج إلى استخدام شامل ومكثف للقوة النارية الجوية وعوامل مساعدة مثل قواعد بحرية ووسائل وقود جوية قريبة من المحيط العراقي.

كما ترى أنها تحتاج إلى استخدام أسلحة غير تقليدية ذات قوة تدميرية هائلة، وأسلحة غير تقليدية ذات تأثير محدد، وهو أمر منوط بالدرجة الأولى بخيارات الإدارة الأميركية التي لا تزال تعتقد بجدوى الخيار الدبلوماسي وإن لم تستبعد الخيار العسكري بين الحين والآخر.

- كتاب: إسرائيل والمشروع النووي الإيراني
- المؤلف: مجموعة كتاب وباحثين إسرائيليين
- المترجم: أحمد أبو هدبة
- عدد الصفحات: 199
- الناشر: مركز الدراسات الفلسطينية، توزيع الدار العربية للعلوم، بيروت
- الطبعة: الأولى/2006

إسرائيل والملف النووي الإيراني

تدفع إسرائيل الملف النووي الإيراني إلى رأس اهتماماتها، وتشن حملة مركزة على إيران، وتقول إنها على استعداد لمواجهة السيناريو الأسوأ، ولكن يدور جدل داخلي إسرائيلي فيما يتصل بإيران عنوانه: أيهما يشكل تهديدا إستراتيجيا على الآخر إيران أم إسرائيل؟.

وفي الوقت الذي ظل فيه الملف النووي العراقي مفتوحا ورغم هدم بنية النظام العراقي بعد غزوه، بقيت إيران محورا للتجاذب السياسي على المستوى الإستراتيجي بالنسبة للسياسات الأميركية في محاولة لتطويع النظام الإيراني وتحييده والتخفيف من نفوذه الإقليمي على الأقل على اعتبار أن العراق لا يزال يشكل أولوية في السياسات الأميركية.

وتتميز السياسات الإيرانية بقدرتها الفعالة والذكية على التعاطي مع الملف النووي بإجادتها لعبة المصالح في سياق إدارتها للصراع على نحو مكنها من منع نجاح الإدارة الأميركية في حشد تحالف دولي ضدها كما حصل في الحالة العراقية.

فقد أدارت إيران المفاوضات مع وكالة الطاقة الدولية للأبحاث النووية بعد أن انضمت إلى معاهدة عدم انتشار أسلحة الدمار الشامل، ووافقت بعد ذلك على اتفاقية البروتوكول الإضافي بينها وبين الوكالة، على قاعدة حقها في تطوير وامتلاك تقنيات نووية لأغراض سلمية.

وقد تحدث عدد من قادة المؤسسة الأمنية الإسرائيلية علنا عن الخيار العسكري الإسرائيلي فيما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، فدعا إفرايم هاليفي المسؤول السابق في الموساد الإسرائيلي الولايات المتحدة وإسرائيل إلى المسارعة في مهاجمة المنشآت النووية الإيرانية.

ولكن السؤال الكبير الذي يشغل بال المؤسسة العسكرية هو في حال الشروع في تحقيق هذا الخيار، كيف ستكون ردة الفعل الإيرانية؟ أو بمعنى أدق، هو الضربة الثانية بالمفهوم العسكري.

فالولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل لا تعرفان بالضبط حجم وشمولية وشكل ردة الفعل الإيرانية، حتى إن بعض المختصين الإسرائيليين باتوا يؤكدون بأن إيران وصلت إلى نقطة اللاعودة في برنامجها النووي.

ولكن المؤكد بالنسبة لهم هو أن التعامل عسكريا مع هذا الملف غير مضمون النتائج لا على المدى البعيد ولا على المدى القريب، وذهب بعضهم إلى الدعوة إلى البحث عن حلول سياسية والتعامل مع إيران كدولة إقليمية وكقوة نووية.

فعندما تقدر إيران على تخصيب اليورانيوم فهذا يعني أنها على مسافة أشهر قليلة من إنتاج السلاح النووي، كما يقول محمد البرادعي رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية في مقابلة مع صحيفة إندبندنت.

"
للمرة الأولى يعترف جميع المحللين العسكريين والسياسيين الإستراتيجيين الإسرائيليين بالعجز المطلق عن التعامل ميدانيا مع البرنامج النووي الإيراني باعتباره أصبح خارج القدرات التقليدية وغير التقليدية العسكرية الإسرائيلية
"
ويذكر تقرير خاص أعده الجيش الأميركي عن المشروع النووي الإيراني وسبل مواجهته، أنه ليس لدى إسرائيل القدرة العسكرية على تدمير المنشىت النووية الإيرانية.

وأضاف أن سلاح الجو الإسرائيلي رغم أنه يتمتع بقدرات كبيرة قياسا على دول أخرى في الشرق الأوسط لن يكون قادرا على تنفيذ عملية معقدة لبعد المواقع المستهدفة في إيران عن قواعده العسكرية فضلا عن أنه لا توجد لديه حاملة طائرات وليس في استطاعته استخدام قواعد عسكرية جوية في دول أخرى في المنطقة، مما يجعل قدراته محدودة.

تقوم نظرية الردع الإسرائيلية على أساس إطلاق صواريخ "حيتس" مقابل إطلاق كل صاروخ إيراني باتجاهها.

وتوجد لدى إسرائيل الآن ثلاث بطاريات من هذه الصواريخ، تحتوي كل بطارية منها على ستة أجهزة إطلاق وفي كل جهاز إطلاق ستة صواريخ.

وبذلك فلدى إسرائيل من الصواريخ ما يكفي لتشويش أي هجوم إيراني على قواعدها الجوية.

إنها المرة الأولى في تاريخ إسرائيل التي يعترف فيها جميع المحللين العسكريين والسياسيين الإستراتيجيين الإسرائيليين بالعجز المطلق عن التعامل ميدانيا مع البرنامج النووي الإيراني باعتباره أصبح خارج القدرات التقليدية وغير التقليدية العسكرية الإسرائيلية، وأن مهمة معالجته تقع فقط ضمن مسؤوليات الغرب وأميركا.

ولكن إسرائيل في مساعيها لإفشال القدرة الذرية الإيرانية يمكن أن تعرقل أو توقف المساعي الإيرانية لامتلاك الطاقة النووية وتطوير ما لديها.

ولذلك فإن إفرايم كام يشير إلى أن وجود الخيار العسكري يمكن في الوقت نفسه أن يكون مهما من أجل تشديد وطأة الضغط السياسي على إيران.

ويقترح العمل على تلبية مجموعة من الشروط من أجل إحراز غايات العملية العسكرية، وهذه الشروط هي:
- بلورة تقييم استخباري بشأن وضعية البرنامج النووي الإيراني.
- تركيز معلومات استخبارية.
- تقييم عال لاحتمالات نجاح العملية العسكرية.
- القيام بتنسيق مسبق مع الولايات المتحدة.
- نشوء ظروف دولية تساعد في تبرير العملية العسكرية.

ويقترح كام أن تكون إسرائيل مستعدة لسيناريو يفيد بأن إيران تملك منذ الآن سلاحا نوويا رغم الجهود المتواترة لكبح جماح برنامجها.

ولكنه يشير إلى ثلاثة أسباب جوهرية ترجح الشك في احتمال لجوء إيران إلى استعمال قدرتها النووية ضد إسرائيل رغم نزعتها الرافضة لوجود هذا الكيان أساسا.

وهذه الأسباب هي أن دوافع إيران الكامنة خلف سعيها المحموم لامتلاك سلاح نووي دفاعية ردعية أكثر من كونها دوافع هجومية، ومنها قوة الردع الأميركي وفاعليته، والتطورات الداخلية التي مرت بها إيران خلال الفترة الماضية.

يضاف إلى ذلك ازدياد المطالبة بالإصلاح والحريات، مما يعزز التقدير بأنه سيتطور في إيران خلال فترة زمنية يصعب توقعها نظام أكثر اعتدالا يكون جاهزا أيضا لمباحثات مهمة مع الولايات المتحدة وربما مع إسرائيل.

وتضيف صحيفة هآرتس أن المخاوف في إسرائيل تزداد من احتمال امتلاك دول أخرى في الشرق الأوسط مثل مصر وسوريا والسعودية معلومات تكنولوجية نووية من كوريا الشمالية أو بمساعدة من العالم الباكستاني عبد القدير خان.

غير أنها أوضحت أنه باستثناء المخاوف والشكوك لا توجد لدى إسرائيل قرائن قوية على نشاط نووي سري في تلك الدول المذكورة.

"
فرص موافقة إيران على الاستمرار في العمل وفق البرتوكول الإضافي لا تزال معرضة لأن تصطدم بمسألة التأكد من حقيقة المنشآت، وفيما إذا كانت الاستعدادات الإيرانية السرية مستمرة في إنتاج أسلحة نووية محتملة
"
إيران والوكالة الدولية
تواجه الوكالة الدولية للطاقة الذرية مشاكل جدية اعتمادا على النهج الذي قررت إيران سلوكه، لأن فرص موافقة إيران على الاستمرار في العمل وفق البرتوكول الإضافي لا تزال معرضة لأن تصطدم بمسألة التأكد من حقيقة المنشآت، وفيما إذا كانت الاستعدادات الإيرانية السرية مستمرة في إنتاج أسلحة نووية محتملة، إذ أنه لا توجد هناك معاهدة إزاء آلية للتحقق من هذه المنشآت، وبالتالي اكتشاف أي من المنشآت السرية.

إن الطريقة الوحيدة للخروج من هذه المعضلة بالنسبة للوكالة الدولية للطاقة الذرية تكمن في اكتشاف الحقائق الملموسة، وبعدها الإعلان بصراحة عن دوافع إساءة استخدام الوكالة.

وهذا قد يعرض الوكالة إلى مزيد من الخصومة، ولكن رغم ذلك فإنه بإمكانها أن تطرح تقييماتها المرتكزة على الحقائق الملموسة بغض النظر على الخلافات التي ستواجهها مع البعض، ودون الحاجة إلى رضاهم، وستقود النشاطات في مجالات التحقق من المنشآت بعد ذلك إلى مزيد من الحذر، لكن الاعتماد على هذا التحقق فقط، سيكون خطأ كبيرا.

ونشير إلى أن المنشآت والنشاطات التي لم تكشف عنها إيران للوكالة الدولية أميط اللثام عنها من قبل جماعة إيرانية منشقة، وأكدتها صور الأقمار الصناعية والزيارات التي قامت بها الوكالة إلى إيران.

لقد دعا مدير الوكالة الدولية للطاقة إيران في تقريره إلى الالتزام بالبروتوكول الإضافي الذي أبرم بينهما وتمكين الوكالة من إجراء عمليات تفتيش دقيقة للحيلولة دون استمرار إيران في تطوير برنامجها النووي.

ماذا سيحدث لو أعلنت الوكالة الدولية أن إيران غير ملتزمة أو أنها في حل من الالتزامات؟

طريقة التعامل مع مثل هذه القضية ربما لن تأتي من خلال الأمم المتحدة، وإنما عن طريق إقامة تحالف سياسي قوي يضغط على إيران ويقنعها بالتخلي عن طموحاتها النووية.

ومن أجل أن يكون هذا التحالف فعالا، ينبغي أن يضم العديد إن لم نقل جميع الدول الحليفة للولايات المتحدة وحلفائها الأقوياء كالاتحاد الأوروبي واليابان وروسيا إضافة إلى دول عدم الانحياز.

إن الترويكا الأوروبية نجحت في إبرام صفقة مع إيران في شهر أكتوبر/تشرين الأول 2003 لتعليق أنشطة تخصيب اليورانيوم، غير أن إيران نقضت الصفقة في يونيو/حزيران 2004 وعاودت تحويل اليورانيوم وربما تخصيبه.

وبعد أن تبين لاحقا أن هناك إمكانية لطرح القضية أمام مجلس الأمن، تمكنت الترويكا ثانية في نوفمبر/تشرين الثاني 2004 من إبرام عقد تطوعت إيران بموجبه بتعليق برنامجها الخاص بالتخصيب مقابل تجديد محادثات الاتفاقات التجارية والتعاون بين أوروبا وإيران، وهذا الاتفاق غير كامل، إذ لا يشمل مثلا بناء مفاعل الأبحاث في أراك.

إيران وأوروبا: من يحتاج إلى الآخر؟
يذكر الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد مرارا وتكرارا أن الغرب هو الذي يحتاج إلى إيران، لذلك فإن رفضه التهديد بفرض عقوبات دولية ضد إيران يعني أن هناك تحليلا دقيقا لوضع إيران الدبلوماسي والاقتصادي، لأن أميركا إذا فرضت مقاطعة على واردات النفط الإيراني ستدفع ثمنا اقتصاديا كبيرا.

وكانت إيران قد وصلت إلى اتفاق مع الاتحاد الأوروبي في نوفمبر/تشرين الثاني 2003 إزاء تعليق نشاطاتها النووية، وحسب هذه الاتفاقية فإن إيران سوف تعلق نشاطاتها الغازية المركبة ومكوناتها أو تجميعها وتركيبها أو عمليات اختيار لأنابيب الطرد الغازية المركزية قد تستخدم لفصل مادة البلوتونيوم وكل وسائل إنتاج اليورانيوم وتحويله.

وأعلنت إيران أنها باشرت عمليات التعليق، وأيدت دول الاتحاد هذا الإعلان، ولكن إيران خرقت هذه الاتفاقية -كما يقول الكتاب- مدعية أن الأوروبيين لم يلتزموا بتعهداتهم بإزالة المسألة من جدول أعمال الوكالة الدولية.

وهكذا فإن ثمة سببا جديدا لتوقع أن تكون إيران قد اتخذت قرارا إستراتيجيا بامتلاك السلاح النووي، ويفترض تبعا لذلك أن يكون لإيران مواقع سرية تواصل نشاطها فيها.

"
إيران أكثر أمنا اليوم، فقد كسبت دعما هاما لبرنامجها، وهي أبعد عن العقوبات من ذي قبل حتى لو أحيلت القضية إلى مجلس الأمن
"
ولذلك فإن إدارة بوش أبدت ريبة في الاتفاقية الإيرانية الأوروبية، وأعلن وزير الخارجية الأميركي السابق كولن باول أن وكالة الاستخبارات الأميركية تعتقد بأن إيران تواصل مساعيها لتعديل صواريخ قادرة على حمل رؤوس نووية.

وفيما بعد أعلن الرئيس الإيراني الجديد أحمدي نجاد بأن إيران لن تتخلى أبدا عن برنامجها النووي الخاص بتخصيب اليورانيوم، وانتقد أوروبا والولايات المتحدة لمحاولتهما التدخل في الموضوع.

وقد بدأ الأوروبيون الذين عبروا عن خيبة أملهم من خطاب الرئيس الإيراني العمل على إعداد مسودة قرار لاجتماع مجلس حكام الوكالة الدولية للطاقة الذرية ينص على أن تتم فورا إحالة قضية إيران إلى مجلس الأمن الدولي لفرض عقوبات محتملة.

غير أن الترويكا الأوروبية اضطرت بسبب معارضة بعض الأعضاء الرئيسيين في مجلس الحكام إلى الاكتفاء بصيغة مخففة للقرار، ولم يحدد متى ستحال القضية إلى مجلس الأمن ولا وفق أي شروط سيتم ذلك.

ويبدو إن إيران بحاجة إلى المفاوضات مع الأوروبيين لتحسين وضعها الدولي وتحقيق القبول دون الإخلال ببرنامجها النووي الذي تسعى ببطء وثبات إلى إكماله، وهي في ذلك أيضا تكسب الوقت لتحقق تقدم تكنولوجي يجعل قدراتها النووية أمرا واقعا مقبولا ومعترفا به.

ويبدو أنها حققت بعض التقدم حتى خلال المفاوضات مع الأوروبيين، واستفادت بالفعل من الزمن الذي أتيح لها في أثناء المفاوضات.

والآن تدرك أوروبا أن الأمل في نجاح المفاوضات غير واضح، ويبدو أن إيران أكثر أمنا اليوم، فقد كسبت دعما هاما لبرنامجها، وهي أبعد عن العقوبات من ذي قبل حتى لو أحيلت القضية إلى مجلس الأمن.

وفي المقابل فإن إيران بحاجة إلى العالم المتقدم، ولن تساعدها كوريا الشمالية والصين في الحصول على التقنية المتقدمة في الطاقة والبرمجيات وسائر المجالات العسكرية والاقتصادية، وإن كانت قادرة على تحقيق اكتفاء ذاتي يساعدها على مواجهة حصار دولي محتمل مثل الحصار الذي فرض على العراق.

ويمكن أن تكون الكلفة الاقتصادية للبرنامج النووي الإيراني كارثية، وبالطبع فإن الاقتصاد العالمي سيتأثر أيضا ويتضرر في هذه المرحلة التي تتضاعف فيها أسعار النفط.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة