كوندي   
الخميس 1428/4/23 هـ - الموافق 10/5/2007 م (آخر تحديث) الساعة 16:54 (مكة المكرمة)، 13:54 (غرينتش)

عرض/إبراهيم غرايبة
يعرض هذا الكتاب قصة حياة كوندوليزا رايس المرأة السوداء التي نشأت في أكثر المدن تميزا وفصلا عنصريا، واستطاعت أن تكون في خمسين سنة موسيقية وأكاديمية وكاتبة ومديرة جامعة ومستشارة رئاسية، ثم وزيرة خارجية الولايات المتحدة الأميركية.

وساهمت رايس بشكل رئيس في صياغة السياسات والمواقف الأميركية على مدى رئاسة بوش الابن كما كانت من المفكرين السياسيين في فريق بوش الأب.

- الكتاب: كوندي.. قصة نجاح كوندليزا رايس
- المؤلف: أنطونيا فيليكس
- الصفحات: 256
- الترجمة: سعيد الحسنية
- الناشر: الدار العربية للعلوم، ناشرون، بيروت
- الطبعة: الأولى/2007

كوندي في بلاد العجائب
يعرض الكاتب في القسم الأول من الكتاب قصة نشأة وتعليم رايس، فقد نشأت كوندوليزا رايس في مدينة بيرمنغهام/ألاباما، المدينة التي تميزت في الخمسينيات والستينيات بصفتها أكثر مدينة جنوبية تمارس الفصل العرقي، وبأنها نقطة محورية لحركة الحقوق المدنية.

وتفخر كوندي بأنها ابنة عائلتي رايس وراي، وهما عائلتان يكرس أفرادهما حياتهم للتعليم وتحقيق الإنجازات.

وقد اهتمت كوندي منذ نشأتها بالموسيقى والاتحاد السوفياتي، وكان الرئيس بوش الأب يعتمد عليها كمرجع في تاريخ الاتحاد السوفياتي السياسي والعسكري، وقد كانت في ذلك الوقت تشغل منصب مديرة الشؤون السوفياتية في مجلس الأمن القومي، وبعد عشر سنوات كانت كذلك بالنسبة لبوش الابن.

وفي أواخر عام 1999 عندما بدأ جورج بوش الابن حملته الرئاسية، وضع اسم كوندوليزا رايس على رأس قائمة مرشديه الأساسيين للسياسة الخارجية، بل كانت تظهر معه في مناسبات عدة لا تتعلق بالسياسة الخارجية، ولكن بصفتها امرأة سوداء، لرغبة المرشح بوش في جذب الأقليات إلى إدارته الجديدة.

حملت إنجازات رايس الأكاديمية في الحقل الذي اختارته "اللغة الروسية، الدراسات السوفياتية" سواء قبل التخرج أو بعده، تشابها كبيرا مع تسارفنا لياغوشكا.

ففي أميركا التي تخلت حديثا عن التمييز العنصري مازال نجاح امرأة سوداء في التخرج من الجامعة، والتفوق في اللغات الأجنبية، لتصبح بعد ذلك مثقفة في أي حقل من الحقول، أمرا استثنائيا.

وكانت رايس متفوقة في برنامج الدراسات العليا في الشؤون السوفياتية والأوروبية الشرقية، إلى درجة أن القسم الجامعي في جامعة نوتردام قام بإعداد برنامج خاص بها لتحصل على المعرفة التي تتمناها، فاستطاعت أن تقوم بدراسات مستقلة.

وقد شغفت رايس بمظاهر توازن القوى في العلاقات الدولية، واجتذبتها المنهجية الواقعية التي تؤكد أن أفعال الدول/الأمم ترتكز على طبيعة إنسانية، لأن الأمة مثل الإنسان تبادر إلى حماية مصلحتها الخاصة بها.

واختارت الإستراتيجية العسكرية لتكون محور عملها للتخرج من الجامعة، فكان لها اهتمام قوي بالجيش السوفياتي عندما كانت في نوتردام، وقضايا الحد من التسلح، بالإضافة إلى العلاقات السوفياتية الأميركية، وركزت في رسالتها لنيل درجة الماجستير على الجيش السوفياتي.

وأما برنامج الدكتوراه الذي التحقت به في جامعة دنفر عام 1976 فقد كان يركز على دراسة الأنظمة، مثل إستراتيجيات الحرب الباردة أكثر من العمليات الاجتماعية الاقتصادية والثقافية، ولكن بعد انهيار الاتحاد السوفياتي بدأت هذه الدراسات تتسع لتشمل المظاهر الثقافية والاقتصادية والاجتماعية للمنطقة.

تعتبر سنوات السبعينيات والثمانينيات فترة مثيرة لدراسة العلاقات الدولية والاتحاد السوفياتي، فهي تتضمن الأحداث البارزة الرئيسية في فترة الحرب الباردة التي تتزامن مع السنوات التي قضتها رايس في الجامعة.

"
رايس ساهمت في انتخاب رونالد ريغان الجمهوري ولكنها مازالت حتى اليوم أقرب إلى الديمقراطيين في مواقفها وأفكارها الاجتماعية، فهي جمهورية محافظة في السياسة وديمقراطية في القضايا الاجتماعية
"
وفي الوقت الذي بدأت فيه بدراستها الجامعية كانت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، قد انضمتا إلى تسعة وثلاثين بلدا آخر في مؤتمر حول شؤون الأمن والتعاون في أوروبا، كما وضعت الدولتان توقيعهما على البيان الأخير الذي صدر عن المؤتمر، وهو المعروف باتفاقيات هلسنكي.

وكرس هذا البيان الالتزام بحماية حقوق الإنسان وحدود أوروبا كما كانت عليه عند نهاية الحرب العالمية الثانية، واعترفت الاتفاقيات بسيطرة الاتحاد السوفياتي على دول البلطيق إستونيا ولاتفيا وليتوانيا.

سجلت رايس نفسها عام 1976 في الحزب الديمقراطي، وصوتت لصالح جيمي كارتر، ولكنها غيرت رأيها في كارتر والحزب الديمقراطي بسبب معالجته لمسألة الغزو السوفياتي لأفغانستان، عندما وصف الغزو بأنه "مجهود متعمد قامت به حكومة ملحدة قوية بهدف إخضاع شعب إسلامي مستقل".

وانتقدت رايس السياسة الأميركية تجاه الاتحاد السوفياتي، وبدأت تتخلى عن الحزب الديمقراطي برغم تقديرها لجهوده في دعم الحقوق المدنية، وتحولت إلى الحزب الجمهوري.

انتخبت رايس عام 1980 رونالد ريغان ولكنها مازالت حتى اليوم أقرب إلى الديمقراطيين في مواقفها وأفكارها الاجتماعية، مع أنها جمهورية محافظة في السياسة وديمقراطية في القضايا الاجتماعية.

سيرة مهنية وأكاديمية
يعتبر الكتاب أن التحول العملي الرئيسي في حياة رايس قد بدأ بدخولها سلك التعليم الجامعي، إذ بدأت عملها بعد حصولها على الدكتوراه في جامعة ستانفورد، وواصلت أبحاثها في مركز الجامعة للأمن الدولي والحد من الأسلحة.

وشاركت أيضا في مؤسسات تصميم السياسة بصفتها باحثة في الشؤون السوفياتية مع فريق من رجال الأعمال وخبراء ومستشاري الأمن، كما أشرفت على تدريب وبحوث طلاب الدراسات العليا في هذا المجال (الحد من التسلح).

كان عمرها عندما بدأت بالتدريس الجامعي عام 1981 ستا وعشرين عاما، وكانت هي الشخص الوحيد الأسود في الهيئة التعليمية في ذلك الوقت.

وقامت على مدى عشر سنوات بالتدريس والتدريب في العلوم السياسية التطبيقية والأمن القومي والسياسة الخارجية ودور الجيش في السياسة، وسياسة الأحلاف، والنخب السياسية، ومسؤوليات الإمبراطورية في العصر النووي، ثم أشرفت على حلقة دراسية تبحث في التغيير القائم على الثورة والجيش وقوى الشرطة.

وفي عام 1986 عملت في البنتاغون لمدة سنة في مجال "أميركا والعالم وخدمة السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأميركية"، وفي ذلك العام كان ريغان يخوض مفاوضات مع غورباتشوف وعقدا في آيسلندا قمة الحد من التسلح وحظر الصواريخ البالستية.

وقد أفادها عملها في البنتاغون في تنمية ثقافتها العسكرية، فدرست التخطيط النووي، وفحصت على نحو واقعي الأعمال المعقدة في الجيش.

"
تجربة رايس في البنتاغون أعطتها فكرة عن كيفية تحويل السياسة إلى فعل، فقد استطاعت تكريس حياتها الأكاديمية لدراسة حل الصراعات والإستراتيجية العسكرية
"
ثم انتقلت إلى كاليفورنيا لتباشر عملها في ستانفورد، وبدأت تكتب المقالات في الصحف والمطبوعات، كما قامت أيضا بتأليف ثلاثة كتب أثناء وجودها في جامعة ستانفورد، كان أولها هو "التحالف الغامض: الاتحاد السوفياتي والجيش التشيكوسلوفاكي"، وهو في الأصل أطروحة الدكتوراه التي أعدتها، ثم الكتاب الثاني بعنوان "حقبة غورباتشوف".

وكان كتابها الثالث هو "ألمانيا الموحدة وأوروبا المتغيرة: دراسة في فن الحكم" بالاشتراك مع فيليب زيلكاو، وقد نال الكتاب جائزة "أكيرا إيربيه للكتاب التاريخي الدولي".

وأعطتها السنة التي أمضتها في البنتاغون فكرة عن كيفية تحويل السياسة إلى فعل، فقد استطاعت تكريس حياتها الأكاديمية لدراسة حل الصراعات والإستراتيجية العسكرية، وانشغلت في هذا الوقت بحل مشاكل مجتمعها الخاص في ستانفورد بكاليفورنيا، وانضمت إلى مجلس إدارة اتحاد وسط شبه جزيرة ستانفورد، وهي منظمة تساعد الأقليات في شؤون الصحة والإسكان والتعليم بالإضافة إلى قضايا أخرى.

ثم انتخبت رايس في عام 1988 لتكون رئيسة منظمة أخرى مشجعة للعلم KQED وهي شبكة تلفزيونية وإذاعية عامة في سان فرانسيسكو تهدف إلى تشجيع "التعليم الذي يستمر لمدى الحياة، وقوة الأفكار وأهمية العامة والمشاركة المدنية".

الحياة السياسية لرايس
في القسم الثالث يعرض الكتاب أهم مراحل حياة رايس عندما شهدت التسعينيات تحولا كبيرا في حياتها باتجاه العمل السياسي حين بدأت العمل في مديرة الشؤون السوفياتية الأوروبية الشرقية في مجلس الأمن القومي، كما عينت مساعدة خاصة للرئيس لشؤون الأمن القومي.

وبصفتها واحدة من أعضاء مجلس الأمن القومي فقد كان من مهماتها تنسيق عملية اتخاذ القرارات عن طريق جمع المعلومات من الذين هم في مرتبة مساعد الوزير، أو كبار مساعدي الوزير.

في تلك الفترة انهار جدار برلين، ودل هذا الحادث على التغييرات المزلزلة التي تحدث في أوروبا الشرقية.

وبعد مرور أسابيع عدة على تلك الحادثة رافقت رايس الرئيس بوش ووفد الأمن القومي إلى قمة مالطا، ثم ترأست الوفد الأميركي المرافق للرئيس السوفياتي غورباتشوف في أثناء زيارته الأولى للولايات المتحدة في عام 1990.

وعندما نجح كلينتون في الانتخابات الرئاسية عام 1992 تركت رايس العمل السياسي في واشنطن وعادت للتدريس في جامعة ستانفورد.

ودخلت في عضوية مجلس الإدارة لعدد من الشركات التي يملكها ويديرها قادة ونخب الحزب الجمهوري، مثل شركة شيفرون للنفط والطاقة، وترانس أميركا للتأمين، وحصلت على مرتبة أستاذ واستلمت إدارة جامعة ستانفورد بالإضافة إلى مواصلة تدريس العلوم السياسية.

وعندما انتخب بوش الابن رئيسا عام 2000 عادت رايس مرة أخرى إلى السلطة لتكون مستشارة الأمن القومي ثم وزيرة الخارجية.

وهذه الفترة كان يغلب عليها موضوع مكافحة الإرهاب، وبخاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، وما أعقبها من الحرب على أفغانستان ثم العراق، والحرب الإسرائيلية على لبنان.

"
رايس كانت تظهر في فريق الرئيس بوش باعتبارها وسطا بين المتشددين من أمثال رمسفيلد وتشيني والمعتدلين مثل كولن باول، وربما كانت أقرب إلى باول
"
وظهرت رايس في هذه الأثناء باعتبارها اللاعب الرئيسي في السياسة الأميركية ومن ثم السياسة العالمية، وكانت تظهر في فريق الرئيس بوش باعتبارها وسطا بين المتشددين من أمثال رمسفيلد وتشيني والمعتدلين مثل كولن باول، وربما كانت أقرب إلى باول.

لقد نقلت هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول الولايات المتحدة الأميركية والعالم إلى حقبة جديدة، وأدخلت أميركا في حروب مثيرة للجدل، كما أنها سلطت الأضواء على سياسات بوش المتعلقة بالحرب على الإرهاب في فترة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، وكانت رايس واحدة من قادة هذا التحول ومنظريه.

وقد كانت الحرب في العراق هي العامل الأساس الذي يقف وراء شهرتها المتزايدة في العالم، لأنها كانت المتحدثة الرئيسية باسم البيت الأبيض، وحاملة أفكاره إلى وسائل الإعلام.

كما ظهرت في برامج الأحاديث التلفزيونية، في الوقت الذي وضعت فيه إدارة بوش خططها للاستمرار في الحرب على الإرهاب، عن طريق استخدام القوة العسكرية ضد العراق، فبدأ المسؤولون بالإعراب عن قلقهم بشأن الأسلحة والقدرات النووية المحتملة في العراق، ورأت رايس أن لدى الولايات المتحدة الأميركية ما يكفي من التبريرات لتوجيه ضربة استباقية.

وكانت رايس ترافق بوش إلى مدن عدة خلال حملته الانتخابية عام 2004، مثل جولتها معه إلى كولومبس وهي قاعدة أوهايو، الولاية المركزية المهمة لخوض الحملة.

وقد ألقت خطابات مهمة في ولايات أساسية مثل أوريغون وواشنطن وكارولينا الشمالية، وقد أعرب الرئيس بوش عن ثقته في كفاءة مستشارته للأمن القومي ومؤهلاتها بعد فوزه في الانتخابات، وسماها لتتولى منصب وزير الخارجية في الدورة الرئاسية الثانية خلفا لكولن باول الذي أعلن عزمه على التقاعد.

وقد اعترفت رايس أن رؤيتها الأكثر محافظة للسياسة الخارجية لم تكن التوجه الذي قدمت منه، لكنها غيرت أفكارها ومواقفها السياسية نتيجة لتركيز الرئيس على القيم الشاملة والحرية، على حد تعبيرها.

ومن المعروف أن بوش الابن ورايس يتشاركان في المعتقدات الدينية، وهي المعتقدات التي تفسر وتحرك السياسة الخارجية الأميركية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة