مقياس الحضارة.. التطور الاجتماعي يقرر مصير الأمم   
الجمعة 1434/8/19 هـ - الموافق 28/6/2013 م (آخر تحديث) الساعة 14:10 (مكة المكرمة)، 11:10 (غرينتش)
عرض/ زياد منى

هذا الكتاب من المؤلفات العميقة، ليس فقط لأنه استكمال لكتاب سابق للمؤلف نفسه عنوانه "لماذا الغرب يحكم العالم إلى الآن؟" الذي صدر قبل فترة، وإنما لأن الكتاب السابق أثار كثيرا من النقاش مما استدعى قيام صاحبه الذي يعيش في الولايات المتحدة ويعمل هناك مدرسًا للكلاسيكيات والتاريخ والآثار، وخصوصًا في اليونان، بشرح رأيه في هذا الكتاب الجديد.
الصعوبة الأكبر تكمن في موضوعه الذي يعتمد على كثير من الأرقام والجداول والإحصاءات والبيانات وكيفية توظيفها، إضافة إلى ذلك ضرورة دراية القارئ -النقدي- بمضمون الكتاب الأول.

على أي حال، سجل المؤلف كتابه من منظور نقد النظرة الأحادية الجانب التي تدعي أن سيادة الغرب قائمة منذ أقدم العصور لكونها وريثة تقاليد حضارية أرقى من غيرها، والمقصود هنا الحضارتان الإغريقية والرومانية.

- العنوان: مقياس الحضارة.. التطور الاجتماعي يقرر مصير الأمم
- المؤلف: إيان موريس

- عدد الصفحات: 400 صفحة
- الناشر: دار نشر جامعة برنستن-برنستن
- الطبعة: الأولى 2013

لكن هناك من يرى أن تلك الجذور تعود إلى حضارة القبائل الجرمانية وأوروبا القرون الوسطى!

وثمة رأي ثانٍ يرى أنه عثر على جذور التفوق أو التطور الأوروبي الغربي في المناخ الذي يدفع الإنسان -بحسب منظريه- ليكون أكثر حيوية.

أما الرأي الثالث فيحاول التوفيق بين الرأيين ويقول إنه يجمع بينهما.

التطورات الهائلة التي شهدتها آسيا أخيرًا، وخصوصًا التطور في اليابان والصين ونمور آسيا، طردت تلك الأفكار وحل مكانها رأي بتعدد قطبية العالم، وأن الغرب تمكن فقط أخيرًا -وربما بمحض الصدفة- من الوصول إلى هيمنته الحالية.

تتعدد الآراء بين المجتهدين، لكنهم جميعًا -وفق المؤلف- يمارسون حوار الطرشان، ولذا نراه يستعين بكل تلك الأرقام والبيانات والخرائط.. لإثبات وجهة نظره، ويقول إنه أخضع استنتاجاته للتحليل المتناسق بما يمنع التزوير، لكن يساعد في تحسينها 55 صفحة من الكتاب مخصصة للهوامش، ومثلها تقريبًا للمراجع.

التطور الاجتماعي يشكل حجر الأساس في أطروحة المؤلف التي تناقش أسباب التفوق الغربي الحالي، ولذلك وضع جدولا متكاملا لذلك التطور كي يصبح التاريخ المقارَن أكثر وضوحًا.

الكتاب
الفصل الأول الذي يشكل المقدمة، عنوانه "مقياس التطور الاجتماعي كميًا"، وفيه يحدد المؤلف ما يقصده بمقولة أو مصطلح التطور الاجتماعي، ويناقش كل ما يتصل بها من آراء في الأعوام الخمسين الماضية.

التطور الاجتماعي يشكل حجر الأساس في أطروحة المؤلف عن أو أسباب التفوق الغربي الحالي، ولذلك وضع جدولا متكاملا لذلك التطور كي يصبح التاريخ المقارَن أكثر وضوحًا

الفصل الثاني وعنوانه "منهجيات وافتراضات"، خصصه لمحاولة تنقية الانتقادات من تحديات جدول التطور الاجتماعي، ومن ثم شرح كيفية مواجهة التحديات النظرية ذات العلاقة.

ولأن المؤلف يرى أن أسباب التقدم الغربي تكمن في أربعة، فقد خصص لكل منها فصلاً كاملاً، فجاءت الفصول التالية: الثالث "الاستيلاء على الطاقة"، والرابع "التنظيم الاجتماعي"، والخامس "المقدرة على شن الحروب"، والسادس "تقانة المعلومات".

أما التطور الاجتماعي فهو عند المؤلف مقياس مقدرة جماعة بشرية على العمل في العالم أو التأثير فيه. ومع ذلك، فإنه لا يناقض زملاءه العلماء الذين يعترفون بمحدودية أي تعريف لأنه لا يمكنه تغطية كل جوانب مادة ما، وأنه مريح للاستعمال اليومي ليس غير.

في الوقت نفسه، يرفض المؤلف مقولة زملاء له يرون الجانب الاقتصادي المهيمن في المجتمعات ويفضلون استبدال القوة الاجتماعية بالتطور الاجتماعي.

الجداول والبيانات الكثيرة التي أثرى المؤلف كتابه بها تشرح كل نقطة تعرض لها، وعرضها أو عرض محتويات بعضها يعني بالضرورة فصلها عن السياق الذي ذكرت فيه، ولذا تجنبنا الخوض فيها.

الكتاب -على نحو عام- كثير التفاصيل، بل ويخوض أحيانًا في تفاصيل التفاصيل، وهذه طبيعة المؤلفات الإشكالية التي تطرح موضوعًا غير متداول من قبل، أو تحاول تثبيت رؤية علمية نظرية محددة. لذا نرى أن المؤلف يركز على مجموعة معلومات انتقاها لدعم آرائه. لكن مثل كل الأطروحات النظرية، تبقى افتراضية حيث يمكن لعالم آخر استخدام معطيات أخرى، أو حتى تلك التي نجدها في هذا الكتاب، ليصل إلى نتائج مختلفة عبر مقاربة مختلفة، وهذا تحديدًا ما منع علماء كبارا من أهل الاختصاص من تبني أطروحات المؤلف ومنهجيته واستنتاجاته.

موضوع الكتاب على جانب كبير من التعقيد، لكن يمكن اختصاره في جملة واحدة تقول إن التطور الاجتماعي هو محرك التقدم، وهو ذو عوامل أربعة ذكرناها آنفًا.

المؤلف لم يأت بنظريات جديدة، وإنما عمل على تطبيق مقاربات هيئة الأمم المتحدة لقياس التطور البشري والتي يقسمها إلى أربعة عوامل

معطيات الموضوع كثيرة ولا يمكن تلخيصها على نحو منفصل عن بعضها، لذا آثرنا التركيز على منطلقات المؤلف النظرية التي جلبت مديح زملاء له، ونقد آخرين.

المسألة الأساسية في الكتاب هي البحث في سبب تعاظم قوة الغرب وتقديمه طرقا بحثية جديدة للوصول إلى إجابة اعتمادًا على معطيات التطور الاجتماعي التي تقاس بها المجتمعات في العصور المختلفة. والمؤلف لم يأت بنظريات جديدة، وإنما عمل على تطبيق مقاربات هيئة الأمم المتحدة لقياس التطور البشري والتي يقسمها إلى العوامل الأربعة الآنفة الذكر.

ويؤكد إيان موريس أن القسم الأكبر من الأزمنة التالية لآخر عصر جليدي شهد تقدم الجزء الغربي من آسيا الأوروبية، وأن شرقي آسيا كان متقدمًا على الغرب خلال الـ1200 عام الممتدة بين عامي 550 و1750. وفي المرحلة التالية تمكن الغرب من التقدم مجددا عندما تمكن أوروبيو الشمال الغربي من التقدم في السباق، وذلك بسبب استخدام الطاقة.

بناءً على ذلك يضع المؤلف أدوات ابتكارية لقياس التطورات الاقتصادية والاجتماعية في الماضي والحاضر والمستقبل، مما يقوده للتكهن بحتمية انتقال مركز القوة والثروة من الغرب إلى الشرق في القرن الحادي والعشرين.

الكتاب يحوي جملة ختامية لافتة مع أنها افتراضية بامتياز، تقول إنه إذا زارتنا كائنات فضائية أكثر تطورًا منا، فإن السؤال الأول الذي سنطرحه: هل اكتشف البشر التطور بعد؟ والسؤال الثاني سيرتبط بالضرورة بالتطور الاجتماعي والبيولوجي!

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة