الانفجار السكاني والاحتباس الحراري   
الثلاثاء 16/11/1433 هـ - الموافق 2/10/2012 م (آخر تحديث) الساعة 14:26 (مكة المكرمة)، 11:26 (غرينتش)

عرض/ أحمد التلاوي

ظهر مصطلح الاحتباس الحراري وكَثُر تداوله، خصوصًا في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين وفي مطلع الألفية الميلادية الجديدة، وبدأ الحديث عن تأثيراته المختلفة على المجتمعات الإنسانية، والتي في غالبيتها تأثيرات سلبية، وفق تقديرات أبرز العلماء.

وقد عُقدت مؤتمرات دولية عديدة، وانقسم العلماء بين مؤيد ومعارض حول أن الاحتباس الحراري وراء ظاهرة ارتفاع معدلات درجات الحرارة العالمية؛ حيث يرى البعض أن الاحتباس الحراري يقود إلى تبريد المناخ العالمي.

-الكتاب: الانفجار السكاني والاحتباس الحراري
-المؤلف: د. عبد المنعم مصطفى المقمَّر
-عدد الصفحات: 248
-الناشر: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، عالم المعرفة (391)–الكويت
-الطبعة: الأولى/ 2012

وبين أيدينا كتاب يتناول ظاهرة الاحتباس الحراري، وعلاقتها بالانفجار السكاني من حيث دور الانفجار السكاني والحراك الإنساني بشكل عام، في التأثير على بيئة الأرض، ومن ثَمَّ خلق مشكلة الاحتباس الحراري.

ومؤلف الكتاب هو الدكتور عبد المنعم مصطفى المقمَّر، وهو عالم وأكاديمي مصري متخصص في الكتابة في مجال العلوم الطبيعية والبيئة، تخرج في كلية العلوم جامعة القاهرة عام 1966، وله العديد من الإسهامات في مجال البيئة في المناهج التعليمية في الكويت ودول مجلس التعاون، وكان يشغل منصب مستشار المدير العام لمعهد الكويت للأبحاث العلمية خلال الفترة من العام 2002، وحتى العام 2011.

والموضوع الذي يتناوله الكتاب يُعتبر أحد أكثر الموضوعات أهمية وحيوية للحياة على سطح الأرض. والكتاب يتناول ذلك بطريقة علمية مبسطة؛ حيث يقدم سلسلة من الحقائق والأحداث العلمية التي غيرت وجه الحضارة الإنسانية، وكان لها أكبر الأثر في معرفة حقائق لم يكن الإنسان يعلم عنها أي شيء، ولم يكن هناك رابطة بينها وبين حدوثها من جهة وبين واقع الإنسان البيئي والمناخي من جهة أخرى.

ويتكون الكتاب من خمسة فصول، بالإضافة إلى مقدمة وخاتمة، ومن مسرد كلمات ومصطلحات مرتبطة بموضوع الكتاب الرئيسي والقضايا المرتبطة به، مثل الطاقة البديلة والتبدد والتكيف والوقود الإحيائي والانقراض، وغيرها من المصطلحات المرتبطة بعلوم البيئة والمناخ والديموغرافيا.

فصول الكتاب
ويقدم الفصل الأول من فصول الكتاب الخمسة، عرضًا للزيادة السكانية في العالم، والعوامل المؤثرة فيها وتطور أعداد البشر منذ العام 1650 وحتى الآن. أما الفصل الثاني فيدور محوره حول ملامح التغيرات المناخية على المستوى العالمي، ويعرض لبعض هذه الملامح في أماكن عديدة من العالم، والعلاقة بين التغيرات المناخية التي حدثت، والتغيرات التي حصلت وتحصل في الغلاف الجوي والنظم البيئية.

ولذلك يتعرض الكاتب في هذا الفصل إلى طبقات الغلاف الجوي المختلفة، وتركيب كل طبقة منها، وأهميتها، والتغيرات التي طرأت عليها، كما يعرض الفصل أسباب التغيرات المناخية وغازات الاحتباس الحراري.

الفصل الثالث يتناول علاقة الزيادة السكانية بتدهور البيئة، وخصوصًا فيما يتعلق بالغابات وتدميرها، وأثر ذلك في المناخ العالمي، في ظل الأهمية الكبرى التي تلعبها الغابات في تحقيق الاتزان البيئي في العالم. كما استعرض هذا الفصل أيضًا التنوع البيولوجي وأهميته في مجالات الحياة المختلفة وانقراض الأنواع.

أما الفصل الرابع فيتناول بالتفصيل الآثار السلبية للزيادة السكانية في الأنظمة البيئية، وعلاقة ذلك بالاحتباس الحراري، ويعرض أمثلة للتأثيرات البيئية نتيجة التغيرات في الظواهر المناخية. فيما يتناول الفصل الخامس والأخير من الكتاب موضوع التصحر وأسبابه، التي هي في الغالب تعود لعوامل بشرية، وعلاقة ذلك بالتغيرات المناخية.

النشاط البشري عامل هلاك للإنسانية
يؤكد الكتاب فكرة رئيسية، وهي أنه في إطار سعي الإنسان لتوفير سبل الحياة الرغدة لنفسه، قام بما قد يؤدي إلى هلاك النوع البشري نفسه، في ظل عالم جديد يتسم بالخلل الواضح في العلاقة بين الموارد والسكان، نتيجة الزيادة السكانية الرهيبة؛ حيث يتم حرق الأشجار واجتثاث الغابات، من أجل توفير المزيد من المساحات للبناء والتوسع العمراني، والحصول على المواد الخام.

يتسم عالم اليوم بالخلل الواضح في العلاقة بين الموارد والسكان نتيجة الزيادة السكانية الرهيبة، والقيام بحرق الأشجار واجتثاث الغابات لتوفير مساحات للبناء واستيعاب هذه الزيادة

كما أدت الزيادة السكانية إلى زيادة تلويث مياه الأنهار والبحار، مع جهل الكثير من شعوب الأرض بكيفية الاستفادة من مخلفاتهم، حيث يجهدون الأرض، ويستنزفون مواردها، ويفرطون في صيد أسماكها، ويتسببون بسلوكياتهم اللاواعية في انقراض الطيور والحيوانات والكثير من أشكال الحياة الأخرى، غير عابئين بالنتائج السلبية لتلك السلوكيات وما قد تؤدي إليه من انقراض لتلك الأنواع.

ويقول الكاتب في هذا الإطار: "إننا وصلنا إلى ما وصلنا إليه نتيجة الزيادة السكانية التي كانت السبب الأول في فقدان المحيط الحيوي كثيرًا من قدراته على تجديد نفسه؛ لأن طلبات الإنسان من الموارد في تزايد مستمر؛ لدرجة أن فرص الاختيار أمامنا أصبحت أكثر صعوبة، ولأن تدمير وتخريب المحيط الحيوي -للدرجة التي وصلنا إليها الآن- يعتبر من أكبر الأخطار التي تواجه البشرية ورفاهيتها".

ويضيف أنه "مع الأسف" لا يدرك البشر نتيجة سلوكياتهم المدمرة للبيئة إلا بعد فوات الأوان، والدليل على ذلك ما تشهده الحياة الآن على سطح الكرة الأرضية من تطورات متسارعة مذهلة، كانت بدايتها ما لاحظناه من ارتفاع في معدلات درجات الحرارة في جو الأرض، وما أحدثه ذلك من تغيرات كثيرة في المناخ العالمي، من انصهار الجليد والثلوج على نطاق واسع في القطبين الشمالي والجنوبي وفي الأنهار الجليدية.

فلقد كان لذلك آثار ملحوظة على ارتفاع المتوسط العالمي لمستوى أسطح البحار، وحدوث أزمات من عدم توافر المياه العذبة الصالحة للشرب، وتدهور الأراضي، وتهديد الأمن الغذائي، وفقدان التنوع الحيوي، وزيادة الأعاصير والفيضانات، وزيادة حالات الجفاف في كثير من بقاع العالم، وانتشار مسببات كثير من الأمراض وظهور أمراض كثيرة لم تكن موجودة من قبل.

ويقول الكاتب أيضًا: إن ما نراه الآن من تدهور بيئي ما هو إلا نتيجة لأنشطة وسلوكيات الإنسان اللاواعية تجاه البيئة، مما جعل البشرية تتجه إلى نهايتها المحتومة.

ويدعو في هذا الإطار إلى تدارك الوضع البيئي العالمي قبل المزيد من التدهور في شؤون البيئة، لتغيير هذا الواقع، وإنقاذ كوكب الأرض قبل فوات الأوان.

استهلاك زائد وموارد ثابتة
وفيما يخص مشكلة الاحتباس الحراري، يؤكد الكاتب أنها ما هي إلا نتيجة للزيادة السكانية، التي هي السبب الأول والرئيسي لتلك الظاهرة، ويحيل المؤلف هنا القارئ إلى قوانين عالم الاقتصاد البريطاني مالتوس، والتي أشار فيها إلى أن معدلات تزايد السكان في كوكب الأرض، أكبر من قدرة الأرض على إنتاج محاصيل الغذاء، وتجديد البيئة لنفسها.

الزيادة السكانية تؤدي إلى المزيد من النزاعات البشرية على الموارد والمصادر الطبيعية، سواء المحاصيل الغذائية أو الثروة المعدنية أو المياه

ويفصل في دور الزيادة السكانية في تشويه بيئة الأرض، فيشير أولاً إلى عدم توافر الغذاء الكافي للأعداد المتزايدة من البشر، وكذلك في العديد من الأنماط المعيشية غير الرشيدة التي يعيشها الإنسان، فالحياة المترفة تؤدي إلى إنتاج كمية ضخمة من النفايات، والتي يتم التخلص منها إما بحرقها، فيؤدي ذلك إلى تلوث الهواء، أو بدفنها في الأرض، ومن بين نواتج ذلك تلويث مصادر المياه الجوفية.

كما يستخدم الإنسان وسائل النقل الجوية والبحرية والبرية، فيؤدي ذلك إلى المزيد من تلويث البيئة جراء الضوضاء والعوادم.

كذلك يشير الكتاب إلى دور مهم من الأدوار التي تلعبها الزيادة السكانية كأحد أهم مسببات التدهور البيئي، وهي أنها تؤدي إلى المزيد من النزاعات البشرية على الموارد والمصادر الطبيعية، سواء المحاصيل الغذائية أو الثروة المعدنية أو المياه.

كما أن زيادة مستوى الملوثات في الأنشطة البشرية، بما في ذلك حراك التنمية المتزايد، أدت إلى تآكل طبقة الأوزون التي تحمي الأرض من الإشعاعات الضارة القادمة من الفضاء الخارجي، كما تؤدي هذه الملوثات إلى ظاهرة "الصوبة" الحرارية، والتي تحول دون تسرب الحرارة من جو الأرض إلى الفضاء الخارجي، ومن ثَمَّ ترتفع درجات الحرارة في جو الأرض تدريجيًّا فيما يُسمى بالاحتباس الحراري، أو الاحترار العالمي.

التصحر كمشكلة عالمية
ومن بين القضايا الأخرى التي ناقشها الكتاب في إطار موضوعه الرئيسي، قضية التصحر وارتباطه بالانفجار السكاني والتغيرات المناخية المصاحبة له، ويشير إلى أن الانفجار السكاني يعزز كثيرًا من فرصة حدوث التصحر.

التصحر من أهم المشكلات التي تواجه دول العالم كافة سواء الدول المتقدمة منها أو النامية، مع اختلاف التأثيرات المصاحبة لحدوثه على البيئة وإنتاج الغذاء

ولم يكن مصطلح التصحر معروفًا بمعناه الحقيقي إلا في عام 1974، حينما بدأت الأمم المتحدة تنشر في تقاريرها ضرورة الاهتمام بدراسات التصحر وكيفية مقاومته ومكافحته؛ حيث دعت بهذا الهدف إلى مؤتمر عالمي في عام 1977، في نيروبي بكينيا.

ومن بين أبسط أسباب التصحر، أن الأرض الزراعية تتدهور وتفقد قدرتها على إنتاج المحاصيل الزراعية وتتحول إلى ما يشبه الصحراء في قلة إنتاجها، ويعود ذلك في الأساس إلى الأنشطة البشرية الجائرة والتغيرات المناخية القائمة.

ويضيف الكتاب أن التصحر من أهم المشكلات التي تواجه دول العالم كافة، سواء الدول المتقدمة منها أو النامية مع اختلاف التأثيرات المصاحبة لحدوثه على البيئة وإنتاج الغذاء وحدوث المجاعات وتدهور التربة والغطاء النباتي، ويؤكد أيضًا أن آثار التصحر تكون أكبر وأكثر ظهورًا في بلدان العالم النامي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة