الإسلام رمز الأمل   
السبت 25/1/1429 هـ - الموافق 2/2/2008 م (آخر تحديث) الساعة 23:02 (مكة المكرمة)، 20:02 (غرينتش)

عرض / بدر محمد بدر
هانس كونج مؤلف هذا الكتاب هو أحد كبار المفكرين المسيحيين المؤمنين بحوار الحضارات والأديان, وهو عالم لاهوت سويسري بارز, عمل أستاذاً للاهوت المسكوني, وكان مستشاراً رسمياً لمجلس الفاتيكان الذي عينه البابا جون الثالث والعشرون في ستينيات القرن الماضي.

- الكتاب: الإسلام رمز الأمل
- المؤلف: هانس كونج
- المترجم: رانيا خلاف
- الصفحات: 84
- الناشر: دار الشروق, القاهرة
- الطبعة: الأولى/ديسمبر 2007

والكتاب الذي بين أيدينا يقدم رؤية مغايرة لمقولة صمويل هنتنجتون الشهيرة عن صدام الحضارات, ويرى أن حوار الحضارات والثقافات والأديان هو الطريق الأفضل, وأنه لن يكون هناك سلام بين الأمم بدون سلام بين الأديان, ولن يكون هناك سلام بين الأديان بدون حوار.

ويشرح المؤلف فكرته في أربعة فصول, يتحدث في الفصل الأول عن القيم الأخلاقية المشتركة في الأديان ويقول إنه وجد أثناء البحث أن الحوار مع أديان أخرى ليس شأنا أكاديميا خالصاً, وأن لهذا الحوار معاني ضمنية هائلة وخاصة إذا ناقشنا سياق الصراع الإسرائيلي الفلسطيني, وفي قضايا أخرى كثيرة, فلابد أن نقتنع بأن الحوار بين الأديان هو حل للمشاكل الحالية.

لقد اختلفت تماماً مع ما نشره صمويل هنتنجتون عن صدام الحضارات.. إنه رجل لطيف, ولكنه لم يفهم الكثير عن الأديان.. إن كل من يعرف الأديان ويعلم مسارات الحضارات, يدرك أنها ليست كتلاً متجمدة بل هناك مؤثرات ونقاط التقاء.

إنه ليس بإمكاننا توحيد الأديان في العالم, فهذا وهم, لكن الأمل أن يعم السلام بين الأديان, وهذا أمل واقعي جداً.

ثلاث فرص
ويؤكد هانس كونج في كتابه أن البشرية كانت لديها ثلاث فرص من أجل بناء نظام عالمي جديد, يقوم على الأخلاق والتقاليد الإنسانية على اختلافها.

الفرصة الأولى عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى عام 1918 التي خلفت عشرة ملايين قتيل, وانهارت بسببها الإمبراطوريات الألمانية والهابسبورغية والعثمانية, والصينية قبل ذلك.

وبدلاً من السلام العادل ظهر نوع من السلام تم إملاؤه عن طريق السلطة, فكانت النتائج المعروفة: الفاشية والنازية اللتين دعمتهما العسكرية اليابانية في الشرق الأقصى, ولم تعارضهما الكنائس المسيحية في الغرب بشكل كاف.

وهكذا كانت كل تلك النتائج الكارثية والأخطاء التي أدت بعد عقدين إلى اشتعال الحرب العالمية الثانية التي كانت بدورها أسوأ بكثير من أي حرب سبقتها في التاريخ.

ثم جاءت الفرصة الثانية بعد الحرب العالمية الثانية حين هزمت الفاشية والنازية, ولكن الشيوعية السوفياتية بدت للمجتمع الدولي أكثر قوة وأكثر رعبا, فجاءت المبادرة من أجل نموذج عالمي جديد من الولايات المتحدة بتأسيس هيئة الأمم المتحدة والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي, وكذلك صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان, لكن الشيوعية السوفياتية بقيادة ستالين أعاقت النموذج الجديد مما أدى إلى انقسام العالم إلى شرق وغرب.

"
أصبحت ثمة شكوك في أن ما يسمى الحرب على الإرهاب يمكن أن يشكل رؤيتنا للمستقبل.. لأنه لا يمكن أن نستمر في إقامة حرب تلو الأخرى من أجل أن نقتل كل ما هو ضدنا
"
وجاءت الفرصة الثالثة عام 1989 عقب الثورة السلمية الناجحة في أوروبا الشرقية وانهيار الشيوعية في الاتحاد السوفياتي, ومع الأسف جاءت حرب الخليج الأولى لتمنع قيام النموذج العالمي الجديد الذي انطلق في عهد الرئيس الأميركي جورج بوش الأب.

ويؤكد المؤلف أننا لو تأملنا قليلاً في الأحداث التي تلت الحادي عشر من سبتمبر/أيلول, لأدركنا أنها ما كانت لتحدث لو كنا حققنا النظام العالمي الجديد عام 1989 أو 1990, ولكن مع الأسف لم يحدث أي تغيير في العراق, ولم تتحقق الديمقراطية في الكويت, ولم يتم التوصل إلى حل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي, ولم نشهد أي تحول ديمقراطي في الدول العربية الأخرى.

وفي اللحظة الراهنة, تزايدت الشكوك في الولايات المتحدة في أن ما يسمى الحرب على الإرهاب يمكن أن يشكل رؤيتنا للمستقبل.. هل يمكن أن نستمر في إقامة حرب تلو الأخرى من أجل أن نقتل كل ما هو ضدنا؟

ولهذا يعلو السؤال الآن: هل فقدنا مرة أخرى الفرصة نحو إقامة نظام عالمي جديد؟.. ينبغي ألا نفقد الأمل, وأن نعهد بشكل خاص بالمسيحيين واليهود والمسلمين والمنتمين لديانات أخرى, أن يعملوا من أجل النموذج الجديد الذي يتلخص في سياسات التصالح الإقليمي.. التفاهم والتعاون بدلاً من سياسات المصالح الذاتية والسلطة والنفوذ.

إن ممارسة الفعل السياسي الآن تستدعي التعاون الاقتصادي الثقافي المتبادل, والتسوية والتكامل بدلاً من المواجهة العسكرية والعدوان والانتقام.

ويرى صاحب كتاب (الإسلام رمز الأمل) أنه لم يعد مقبولاً أن يساء فهم الاختلافات القومية والعرقية والدينية بوصفها تهديداً, ولكن يجب النظر إليها بوصفها مصدراً للثراء الثقافي.

وإذا كنا نناقش القيم المشتركة للحضارات مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان والتسامح فإن هذا ليس بكاف, لأن الديمقراطية التي يقترحها العدوان العسكري قد لا تكون هي الديمقراطية الصحيحة, كما أن الحرية الممزوجة بالأكاذيب قد لا تكون هي الحرية الصائبة, فالديمقراطية الحقة تفترض وجود قاعدة من القيم والمعايير الأخلاقية.

رؤية سطحية
في الفصل الثاني يتحدث هانس كونج عن رؤية البعض للمسلمين وكأنهم يحملون بداخلهم عنفاً محتملاً بسبب دينهم, بينما يتم النظر إلى المسيحيين بوصفهم مسالمين لا يمارسون العنف ويحملون الحب بين جوانحهم, وهذا أمر يثير الضحك.

دعونا نكن عادلين.. نحن مواطنو الدول الديمقراطية ذات السيادة نرفض الزواج الجبري واضطهاد النساء وجرائم القتل بسبب الشرف والعادات الإنسانية العتيقة الأخرى التي تمارس باسم الكرامة الإنسانية, لكن معظم المسلمين يشتركون معنا في رفضنا هذا.

"
النظام العالمي الجديد لن يقوم على أساس المواقف الدبلوماسية العدوانية أو المساعدات الإنسانية التي لا يمكنها أن تحل محل المواقف والحلول السياسية, ولن يقوم على أساس التدخل العسكري الذي يفتح الباب أمام مذابح جماعية جديدة وعمليات إبادة
"
ويقول المؤلف أيضا "دعونا نكن عادلين.. إن هؤلاء الذين يحملون الإسلام مسؤولية الخطف والهجمات الانتحارية والعربات المفخخة وضرب الأعناق التي يقوم بها القليل من المتطرفين, عليهم أن يدينوا في الوقت نفسه المسيحية أو اليهودية بسبب سوء المعاملة البربرية للسجناء, والهجمات الجوية والبرية التي قام بها جيش الولايات المتحدة وقتل فيها آلاف المواطنين في العراق وحدها, وكذلك الإرهاب الذي يمارسه جيش الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين.

بعد ثلاث سنوات من الحرب في العراق أدرك معظم الأميركيين أن هؤلاء الذين يتظاهرون بأن الحرب من أجل النفط والسيادة في الشرق الأوسط وفي أماكن أخرى, هي معركة من أجل الديمقراطية وحرب ضد الإرهاب, يحاولون أن يخدعوا العالم دون أن يحققوا نجاحاً برغم ذلك.

تهديد الأصولية
وفي الفصل الثالث يتحدث المؤلف عن مخاوف البعض من صدام الحضارات، وتحديداً بين الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية, ويقول: صحيح أنه لا تهديد بحرب عالمية ثالثة, ولكن نحن مهددون بكل أشكال الصراع في بلد بعينه.

ويشير إلى أن هناك دولاً كثيرة مهددة بكل صنوف الأصولية الدينية: المسيحية والإسلامية واليهودية والهندوسية والبوذية, حيث غالباً ما تكون متأصلة ببساطة في البؤس الاجتماعي, كرد فعل على العلمانية الغربية وأملاً في توجه أساسي في الحياة.

نظام عالمي جديد
ويؤكد هانس كونج أن النظام العالمي الجديد لن يقوم على أساس المواقف الدبلوماسية العدوانية أو المساعدات الإنسانية التي لا يمكنها أن تحل محل المواقف والحلول السياسية, ولن يقوم على أساس التدخل العسكري الذي يفتح الباب أمام مذابح جماعية جديدة وعمليات إبادة.

النظام العالمي الجديد لن يقوم على أساس القانون الدولي وحده, ولكنه يؤسس من خلال المثل والقيم والمعايير المشتركة وتعميق المسؤولية العولمية من جانب الشعوب وزعمائها, ومن خلال أخلاق جديدة ملزمة وموحدة لكل الإنسانية.

رمز الأمل
وفي الفصل الرابع والأخير يتحدث الرجل تحت عنوان "الإسلام رمز الأمل" فيؤكد أن هناك -عاجلاً أو آجلا- مساحة ضرورية لاندماج جوهر الإسلام مع تحديات القرن الحادي والعشرين.

ويرى أستاذ اللاهوت المسكوني أن الرسالة الأصلية للإسلام تجعل من الممكن وجود مجتمع ديمقراطي وثقافة مبدعة, مع علوم مبتكرة واقتصاد قابل للتطبيق.

"
لن يكون هناك سلام بين الأمم بدون سلام بين الأديان, ولن يكون هناك سلام بين الأديان بدون حوار بين الأديان
"
ولو نجح ذلك فمن الممكن أن يقدم الإسلام إسهامه للمجتمع الدولي, إسهاما تكون فيه حقوق الإنسان والمسؤوليات الإنسانية أساساً مشتركا على الرغم من كل الاختلافات الثقافية.

ويشير عالم اللاهوت السويسري البارز إلى أن المسلمين من المغرب حتى إيران ومن أفغانستان حتى إندونيسيا, يأملون أن يجتمع كل من الإسلام والديمقراطية الحديثة معاً, وألا يستمر تطبيق الإسلام بشكل متسلط في الممارسة السياسية.. ولا ينبغي أن يكون هناك أي نوع من الدولة الكهنوتية على الأرض.

ويؤكد أن الاتجاه الأساسي نحو التقدم الروحاني والعلمي كان في الأصل إيجابياً, كما تشهد بذلك العديد من السور القرآنية والأحاديث النبوية.. إن القرون الخمسة الأولى للإسلام تتحدث عن نفسها حيث كان متقدماً عن الغرب, ألا يستطيع المسلمون اليوم أن يتعلموا من عملية التحديث الغربية بحيث يمكن أن يتجنبوا بعض الأخطاء الغربية التي حدثت؟

انهيار الكنائس
يجب أن نلاحظ الانهيار المميت للكنائس المسيحية التي قد أصابها العمى -كما يقول صاحب الكتاب- بسبب إيمانها بتقاليدها وتلهفها لممارسة سلطتها وحكمها الروحاني, قد أعلنت الحرب على العلوم الحديثة والتقنية والديمقراطية, كما ارتكبت الحداثة خطأ أساسياً بأنه بالإمكان قمع أو تجاهل أو تخصيص الدين.

ولهذا فإن الكنيسة المسيحية والحداثة مسؤولان معاً عن الطريقة التي أدت إلى التمرد على الدين في أوربا, وتحول العلمانية الرشيدة إلى علمانية ملحدة.

إسهام الإسلام
ويشير هانس كونج إلى أن الإسلام لديه مصادره التي يمكن أن يسهم بها ليس فقط في التغلب على المصاعب والقضايا المركزية في الحياة ولكن أيضاً في حل المشكلات الكبرى للعالم, وهذا ينطبق على المشكلة المحورية الخاصة بالحرب والسلام وعلى إشكالية الصدام أو الحوار بين الحضارات.

وينهي الرجل كتابه بالتأكيد على أن الأديان السماوية الثلاثة, لديها قوة كامنة مؤثرة من أجل المستقبل على أساس الثراء الروحاني والأخلاقي, ويمكنها أن تسهم بشكل أكبر من خلال التفاهم والتعاون.

ويخلص إلى أنها سوف تقدم إسهاماً لا يمكن الاستغناء عنه لعالم أكثر سلاماً وأكثر عدلاً, وبالتالي لن يكون هناك سلام بين الأمم بدون سلام بين الأديان ولن يكون هناك سلام بين الأديان بدون حوار بين الأديان.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة