عوائق في درب الجهاد   
الأربعاء 1429/11/29 هـ - الموافق 26/11/2008 م (آخر تحديث) الساعة 12:24 (مكة المكرمة)، 9:24 (غرينتش)

عرض/سيد أحمد ولد أحمد سالم
يقع كتاب أو رسالة عوائق في درب الجهاد لمؤلفه الشيخ محمد أحمد الراشد (أو عبد المنعم صالح العلي العزي) في خمسين صفحة وهو منشور نشرا ورقيا.

والمؤلف من الرعيل الأول من الإخوان المسلمين العراقيين وأحد منظري هذه الحركة في الوقت الراهن وله العديد من التآليف.

يذهب الشيخ محمد أحمد الراشد إلى أن العدوان الأميركي على العراق كان سبب ظهور الجهاد الذي يعتبر من حيث الأصل طبيعة عراقية موروثة. وقد أعطى هذا الجهاد أكله حيث أثخن –حسب المؤلف- في العدو الغازي.

- الكتاب: عوائق في دربِ الجهاد
- المؤلف: محمد أحمد الراشد
- الصفحات: 50
- الطبعة الأولى/2008

فتور في الساحة الجهادية

غير أن الساحة الجهادية العراقية عرفت مؤخرا فتورا وتثاقلا وإبطاء واسترخاء، ويعيد المؤلف ذلك إلى عوامل هي:

- أخطاء منظمة القاعدة في بلاد الرافدين

- خيانات رئيس الوزراء نوري المالكي

- طائفية الجيش العراقي، وتقديمه لجيش الاحتلال سندا استخباريا دقيقا حول المعلومات الاجتماعية المتعلقة بالمجاهدين

- ممالأة أحزاب الدعوة والمجلس الأعلى للثورة ومليشيات جيش المهدي وفيلق بدر لحكومة المالكي في الضرر بالمثلث السني الذي هو حاضن الجهاد

- استعمال الجيش الأميركي لسلاح المال للإغراء وشراء الذمم الضعيفة

- مصالح دول الجوار التي تصب في ضرورة كبت الجهاد ورعب بعض دول العرب من سريان روح الجهاد من العراق إلى خارجه

ويرى المؤلف أن هنالك دعوة ظهرت تقول بأن الجهاد في العراق قد استنفد أغراضه وأن عليه رفع راية التفاوض ودخول مرحلة تحل فيها السياسة محل البندقية.

ويقف المؤلف بالمرصاد لهذه الدعوة، وهذه هي فكرة كتاب "عوائق في دربِ الجهاد" الأساسية، حيث يرى المؤلف أن التقدير الإستراتيجي الصحيح هو مواصلة الضغط والتنظيم وعدم التخلي عن البندقية.

ويرى المؤلف أن الوقت مناسب لتنشيط الجهاد وتفعيله أكثر من أي وقت مضى، خصوصا أن رأس الجهاز التنفيذي الأميركي تبدل، وأن أرقام عدد قتلى المارينز وجرحاهم في ازدياد مطرد وأن أميركا تعرف أزمة اقتصادية بلغت ذروتها، وأسعار النفط في اضطراب مستمر وصوت دافع الضرائب بات مجلجلا بعدما تجاوزت كلفة سنوات الحرب آلاف المليارات، والرئيس الأميركي المنتهية ولايته صرف 700 مليار دولار من الاحتياطي الأميركي في يوم واحد دون فائدة.

ويلخص المؤلف هذا الموقف الداعي إلى نهوض المجاهدين بالأبيات الشعرية التالية:

لا تجنحوا للسَلم حتى يجنحوا
إن السلام خيانة لا تغفر
الحرب أولى، والجهاد فريضة
أنتم لها، والله منهم أكبرُ

ويكثر عند المؤلف التمثل بالشعر في هذا الكتاب.

"
هناك اقتناع لدى المنظمات الجهادية العراقية بأن قيادة القاعدة تنسق مع ضباط المخابرات الإيرانية الذين يوجهونها نحو قتل كبار المجاهدين وأعيان أهل السنة بسبب وقوفهم ضد الخطة الإيرانية في الانتقام من العراق وفي تمكين الأحزاب الطائفية الموالية لها
"
ويقف المؤلف وقفة طويلة عند الجهاد ومفهومه ومعانيه فهو -حسب المؤلف- "فن وعلم وتجريب وأداء خططي وسلوك حضاري، وتحدده شروط وأوصاف شرعية ومعرفية، وتحكمه أخلاقيات حساسة، وليس هو مجرد حمل سلاح واقتران صيحة بلعلعة الرصاص، والنفسُ الجهادية نفسٌ عفيفة عادلة منقادة لآداب الإيمان ولها براءة من لوثات المشاعر الجاهلية والعصبيات والمطامع، ثم العقل الجهادي عقلٌ يستأسِر للمنطق ومفاد الوعي السياسي ومدلول الحكمة الموروثة، وكل غفلة طارئة تليق لها سرعة الإفاقة واليقظة".

ويجد المؤلف في التاريخ العراقي نماذج كفاحية قديمة يستشهد بها وينزلها على الواقع العراقي الراهن، حين يستطرد ملحمة غلغامش التي تعود إلى أربعة آلاف سنة ويجد نموذجا يحتذى في تصدى الشاب غلغامش لآغا لما احتل مدينة أوروك وكيف اعتمد على الشباب بعد أن خذله شيوخ المدينة وجنحوا إلى الاستسلام.

غير أن المؤلف يلاحظ أن في الأسطورة مفاجأة تكمن في عفو غلغامش عن الغازي، فيهبه الحياة.

وهذا ما يخشاه المؤلف، إذ من الممكن أن يهب الجهاديون العراقيون اليوم الحياة للجيش الأميركي الغازي من بعدما تألم وفكر في الرحيل، فتتكرر غلطة غلغامش.

دعوة لمجالس الصحوة
ويتعرض المؤلف لملابسات ظهور الصحوات فيلاحظ في البداية أن المستعمر الأميركي كان قد أفسح المجال لفيلق بدر ولجيش المهدي لينفذا –حسب رأيه- سياسة شعوبية، ويوغلا في أذية أهل السُّنة والجماعة في العراق وفي تخريب مساجدهم وقتل علمائهم ونبلائهم، باعتبارهم البيئة الراعية لمجاميع المجاهدين.

ثم جاء تنظيم القاعدة ذو الفكر التكفيري فاقترف ما اقترفه من مآس وألزم الناس بما لا يلزم من طاعة هذا التنظيم واعتبر عدم الوقوف إلى جانبه رِدّة عن الإسلام وخيانة، ففرضت هذه الحالة على العشائر وعموم الناس تشكيل مجالس الصحوات للدفاع عن أنفسهم وأرواحهم بعدما قتل الأبرياء ومات رؤساؤهم وشيوخهم واستبيحت أعراضهم ونهبت الأموال.

لكن الجيش الأميركي دخل على خط الصحوة وجعل منها عدوا لجميع فصائل الجهاد وصرف أموالا حراما ومشبوهة لبعض ضعاف النفوس من رجال العشائر، فحرفوا الصحوة عن مقاصدها المحدودة إلى مقاصد هي من الحرام المحض والخيانة.

وفي هذا السياق يدعو المؤلف رجال الصحوات إلى أن لا يرجحوا كفة الاستعمار الأميركي وحكومة المالكي على كفة المجاهدين، فلا بد لمجالس الصحوة -حسب المؤلف- من إيواء المجاهد ونصرته وإخفائه وتمكينه والدعاء له ونقله وخلافته في أهله وعياله بالخير والحسنى والمعروف والستر.

"
التفوق التكنولوجي الأميركي يحتم على الخبراء والفنيين المجاهدين إبطال مفعول هذا التفوق، خصوصا أنه تجري الآن في بغداد عملية نصب ثمانية آلاف كاميرا مراقبة في تقاطعات الشوارع
"
خيانة تنظيم القاعدة بالعراق
كانت أعمال الصحوة ردًّا على أعمال القاعدة، فحين أفرطت القاعدة في القتل بالشبهة قابلت الصحوة ذلك بالمثل وحصل تفريط. ويرى المؤلف أن تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين يحسد المنظمات الجهادية الأخرى حيث يريد هذا التنظيم التفرد بالجهاد واحتكاره.

وقد حصل اقتناع لدى المنظمات الجهادية العراقية بأن قيادة القاعدة تنسق مع ضباط المخابرات الإيرانية الذين يتصلون بها ويوجهونها نحو قتل كبار المجاهدين وأعيان أهل السنة، بسبب وقوفهم ضد الخطة الإيرانية في الانتقام من العراق وفي تمكين الأحزاب الطائفية الموالية لها.

والسبب في حصول هذا الخطأ في فكر القاعدة –حسب المؤلف- أنها تفتقد المفكر المحلي العراقي وتعتمد التوجيهات العامة في أشرطة من شيخها ابن لادن، وهو لا يعرف خصوصية المجتمع العراقي المنقسم مذهبيا وقوميا، ولا ملابسات تاريخه القديم التي بقيت تؤثر في تاريخه المعاصر.

ونهج القاعدة في العراق قائم على مظهرين:
- التساهل في شروط توثيق الأعضاء الذين ينتمون لها، وفتح الباب لأناس اشتهروا في المجتمع العراقي بالسوء والروح العدوانية والاستهتار. وبانخراط بقايا حزب البعث في سلك القاعدة أورثوها طرائقهم وعداواتهم وتسببوا في تأزيم علاقاتها مع المجاهدين وعامة الناس.

- ترجيح القتل عبر السيارات المفخخة والأحزمة الناسفة، وذهاب ضحايا من المدنيين الأبرياء، وأن القاعدة تمنح الاستشهادي بذلك فرصة دخول الجنة.

وهذا السلوك –حسب المؤلف- كان معروفا في مصر وله فكره ودعاته، ثم تابوا منه، وحصل في السودان والجزائر شيء منه، ثم انتهى الأمر بالقضاء عليه أو التوبة وإدراك الخطأ، وتسرب بعضه إلى الصومال الآن.

وكانت القاعدة في العراق بعيدة عنه أول أمرها، وقاتلت العدو الأميركي، ثم اخترقها وصرعها بهذا الفكر وبهذه العقيدة الابتداعية الباطلة المخالفة لإجماع عقائد المسلمين، فحرف عملها وصارت تقتل المجاهدين ودعاة الإسلام وشيوخ العشائر بدل قتل المارينز.

أجندة الجيش الأميركي
ويعرج المؤلف في كتابه على الشخصية الأميركية فيصفها بالسوء والقسوة، فتراهم كما يقول المؤلف في الأفلام يسطون على خزينة مصرف، وحين تكون النجاة من الشرطة يكون أول أعمال السارق أن يقتل شركاءه وأعوانه الذين نفذوا معه العملية، لينفرد وحده بالغنيمة.

ويخشى المؤلف أن تكون نهاية رجال العشائر العراقية المتعاونين مع الجيش الأميركي مأساوية، فسوف يستعين بهم هذا الجيش ثم يتخلى عنهم ويعزلهم. بل إن الاحتلال الأميركي سيعمل على تمييع عزائم الشباب العراقي وتدنيسهم بالفجور والفسوق والعصيان.

ويشير المؤلف إلى التفوق التكنولوجي الأميركي، معتبرا أنه يتحتم على الخبراء والفنيين المجاهدين إبطال مفعول هذا التفوق، خصوصا أنه تجري الآن في بغداد عملية نصب ثمانية آلاف كاميرا مراقبة في تقاطعات الشوارع توفر لغرفة السيطرة المركزية الانتباه لكل حركة يتحركها مجاهد.

وستعمم هذه الكاميرات في مدن أخرى، وهي مضايقة بالغة الأثر، ويجب أن يجد الجهاد حلا لها كما يرى المؤلف.

"
لا بد من فحص الخطط والرجال والبدائل الممكنة، وقراءة الخريطة من جديد، والتفريق بين الصديق الوفي وبين المصلحي والمنهار ومن أصابه التعب وانخدع بعروض التفاوض وضحك لدغدغات الدول العربية الوسيطة ذات الوجهين
"
وقفة نقدية
يدعو المؤلف الجهاديين إلى وقفة نقدية حوارية تطرح موضوع مستقبل الجهاد على ضوء المتغيرات التي طرأت في الساحة.

وهو يدعو إلى فحص الخطط والرجال والبدائل الممكنة، وقراءة الخريطة من جديد، والتفريق بين الصديق الوفي وبين المصلحي والمنهار، ومن أصابه التعب وانخدع بعروض التفاوض وضحك لدغدغات الدول العربية الوسيطة ذات الوجهين كما يصفها المؤلف.

ويصف المؤلف في نغمة تفاؤلية وضع العشائر في المناطق السنية قائلا إنهم ليسوا ضد الجهاد، بل هم يفرحون بكل ضربة للعدو، وقلوبهم ترقص طربًا لكل عملية جهادية ناجحة، وهم يفخرون بذلك.

ويشير المؤلف إلى أن "المجلس السياسي للمقاومة العراقية "يمثل أكثر المنظمات الجهادية نفوذًا في الساحة وأثرًا ونكاية في العدو، وهو مؤلف من الجيش الإسلامي، وجامع، وحماس العراق، والهيئة الشرعية لأنصار السُّنّة. وهذا المجلس مدعوّ مباشرة إلى تمييز طبيعة الوساطات التي تغريه بالتفاوض وما فيها من سلبيات.

ويخلص المؤلف إلى أن التفاوض خطة إستراتيجية فاصلة وليست هازلة، وله تأثيرات وانعكاسات نفسية في قلوب القادة والمجاهدين وعموم الأمة الإسلامية.

ويقترح أن يجري التعاهد والتبايع وحلف الأيمان المغلظة بين مجاهدي كل فصيل جهادي على أن الأيام إن فرقتهم واستُشهد قادتُهم أو تم اعتقالهم، فإن الواحد منهم سيبقى على العهد ويواصل الجهاد فرديا.

ويورد المؤلف في نهاية كتابه فتوى بتحريم التوقيع على المعاهدة العراقية الأميركية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة