مكافحة الإرهاب   
الجمعة 1432/11/11 هـ - الموافق 7/10/2011 م (آخر تحديث) الساعة 15:06 (مكة المكرمة)، 12:06 (غرينتش)
عرض/ شرين يونس

ينطلق كتاب مكافحة الإرهاب لمؤلفه أرنولد  كريلينستن من سياق ينظر إلى الإرهاب باعتباره نمطا من أنماط التواصل العنيف، أو الإقناع الإكراهي، مؤكدا ضرورة تحليل الخلفيتين المكانية والزمانية لأي نشاط إرهابي لكي نفهم السياق الذي تبرز منه أي جماعة إرهابية وتعمل داخله.
 
-الكتاب: مكافحة الإرهاب
-المؤلف: رونالد كريلينستن
-المترجم: أحمد التيجاني
-عدد الصفحات: 329
-الناشر: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية, الإمارات
الطبعة: الأولى/ 2011
وفرق المؤلف بين نوعين من التفكير، سماهما تفكير 10 سبتمبر و12 سبتمبر، معتبرا أن ظاهرة الاستقطاب بينهما هي تمثيل مختصر للانقسام الأيديولوجي الذي يميز الكثير من المناقشات المعاصرة لمكافحة الإرهاب.
 
فتفكير 10 سبتمبر يشدد على المقاربات القانونية في التعامل مع عمليات مكافحة الإرهاب، ويؤكد أهمية فهم الأسباب الجذرية للإرهاب، ويبقي الخيار العسكري ملاذا أخيرا، ويعتبر الردع والاحتواء الإستراتيجية المفضلة للتعامل.
 
أما تفكير 12 سبتمبر فيركز أنصاره على المقاربة العسكرية، مفضلين استخدام القوة وإضفاء الشرعية عليها، ودعم التحرك الأحادي الجانب من أولئك القادرين عليه، وإحلال عقيدة الدفاع الوقائي الاستباقي محل مبدأ الردع والاحتواء.

ويشرح الكتاب مختلف المقاربات الموجودة لمكافحة الإرهاب، ويسلط الضوء على نقاط القوة والضعف بها، فضلا عن الخيارات الأخرى التي لا يشدد عليها أي من الطرفين، وتقييمها برمتها.
 
بيئة أمنية معقدة
بعد انتهاء الحرب الباردة، وغياب القطبية الثنائية، ومع ضغوط العولمة، بدا العالم فجأة أشد تعقيدا، فاتسعت دائرة الأعداء، وبدأت تهديدات جديدة في التشكل، ابتداء بالأمراض المعدية، وانتهاء بحرب المعلومات.
 
وشكلت هذه البيئة المتنوعة بدورها سياقا جيو-سياسيا أوسع نطاقا، شهد فيه الإرهاب وسبل محاربته تطورا وتحولا على نحو مشترك، ونجم عنها الحديث عن مجموعة كاملة من أنواع الأمن، فهناك الأمن المجتمعي والاقتصادي والإنساني والبيئي، إلى جانب الأمن العسكري.
 
ومن سمات هذه البيئة الأمنية المعقدة، تزامن وتشابك العديد من التهديدات، إلى جانب اختلاف مستويات آثار التهديدات التي تواجهنا اليوم وتداعياتها، وتباين نسب ترجيح احتمالات وقوعها.
 
وأدت أمننة بعض المشكلات الاجتماعية والسياسية، كالهجرة، والجريمة المنظمة، والصحة العامة والسلامة البيئية، إلى اللجوء إلى معالجتها بإجراءات استثنائية تتجاوز القوانين والإجراءات المعتادة.
 
"
أدت أمننة بعض المشكلات الاجتماعية والسياسية، كالهجرة، والجريمة المنظمة، والصحة العامة والسلامة البيئية، إلى اللجوء لمعالجتها بإجراءات استثنائية تتجاوز القوانين والإجراءات المعتادة
"
وأشار الباحث إلى تفاقم الفجوة التكنولوجية بين الولايات المتحدة الأميركية وبقية العالم، إضافة إلى تحدي الاستخدام المزدوج للتكنولوجيا، خاصة من قبل منفذي العمليات الإرهابية، وكذلك ما تتسم به المنظومة الدولية من بنية غير متساوية التوزيع، للقوة والنفوذ.
 
وقسم المؤلف المقاربات التي تطبق لفهم ومعالجة قضية الإرهاب، إلى فئات كسلسلة من المتضادات: مدى قصير/ مدى طويل، تكتيكي/ إستراتيجي، قمعي/ إقناعي، هجومي/ دفاعي، رد فعل/ نشط ومبادر، داخلي/ دولي، القوة الناعمة/ القوة الصلبة، الأحادية مقابل تعددية الأطراف.
 
مكافحة الإرهاب الإكراهية
ينتقل الباحث للحديث عن أدوات مكافحة الإرهاب التقليدية التي تعتمد على القدرة الإكراهية للدولة، ويحلل وسيلتين من أكثر وسائلها شيوعا، هما نموذج العدالة الجنائية، ونموذج الحرب.
ويتفق النموذجان في اعتمادهما على احتكار الدولة لاستخدام العنف، حيث تتحمل الشرطة المسؤولية الرئيسية في نموذج العدالة الجنائية بمشاركة من المحاكم والسجون، ويتحمل الجيش المسؤولية الرئيسية في نموذج الحرب.
 
وتتضمن قواعد الاشتباك في تطبيق نموذج العدالة الجنائية استخدام أدنى حد من القوة، بعكس نموذج الحرب، الذي يطبق القوة في حدها الأقصى، ويتسم كلا النموذجين بحدود صارمة لمن يمكن أن يخضع لعنف الدولة، وهو ما يضفي الشرعية على ممارسات الدولة.
 
ورغم أهمية مقاربة العدالة الجنائية تحقيق أهداف مهمة فيما يتعلق بالردع والتحجيم، والقصاص، والتثقيف وإعادة التأهيل، فإنها في مجملها تتسم ببطء الحركة وتثاقلها، وتظل فوائدها مرهونة إلى حد بعيد بسبل تطبيقها، ودرجة اقتناع الأشخاص المعنيين بممارسة أعمال العنف الإرهابية.
 
وبينما يعتبر نموذج الحرب سريعا ومؤثرا وملائما بشكل مثالي لأنواع التهديدات الجديدة التي تطرحها شبكات إرهابية لا مركزية تدفعها اعتبارات أيديولوجية ولا تردعها العدالة الجنائية التقليدية، فإنه ينطوي على المخاطرة بظهور عواقب من شأنها استفحال أعمال العنف، وتقويض شرعية الأنظمة الحاكمة التي تلجأ إليه، ودفعها لسلوكيات مناهضة لمبادئ الديمقراطية، بالإضافة إلى خلق بيئة يستطيع منظرو الحركات الإرهابية استغلالها لتجنيد أنصار جدد.
 
ونظرا لنقاط ضعف كلا النموذجين، برزت نزعات للتقريب بين هذه النموذجين، منها عسكرة أجهزة الشرطة، واتساع نطاق استخدام المؤسسة العسكرية وقت السلم، أو شرطنة الجيش، وإن كان هناك تخوف من تحول هذا النموذج الهجين إلى شكل من إرهاب الدولة، عبر انحراف الشرطة النظامية، وخلق شرطة سرية.
 
مكافحة الإرهاب المبادِرة
يتدارس الفصل الثالث، تلك المقاربات لمكافحة الإرهاب التي تعني أساسا منع مؤامرات الإرهابيين من النضوج، وتسمى أحيانا مكافحة الإرهاب الاستباقية، أو ببساطة مناهضة الإرهاب، وذلك من خلال عمل الاستخبارات.
 
والغاية النهائية لأعمال المبادرة لدى الشرطة ليست بالضرورة المقاضاة الجنائية، وإنما تعلم المزيد عن غايات الجهات المستهدفة، وهو ما يسمح أحيانا بإبرام صفقات مع المشتبه فيهم، مقابل التعاون في شكل مخبرين، وبالتالي كثيرا ما تتضارب مطالب جمع المعلومات مع مطالب التحقيق الجنائي وقواعد الإجراءات القانونية.
 
ويمكن أن تولد الاعتقالات المبادرة والاستباقية فوائد سياسية وشعبية أيضا، وربما تفضي إلى الإسراف في استخدامها في المدى القصير، ولكنها قد تكون ضارة في المدى الطويل، وتقوض في عاقبة الأمر جهود مكافحة الإرهاب.
 
"
جميع وسائل جمع الاستخبارات تتضمن مآزق أخلاقية بدرجات متفاوتة، لذا ابتكرت لجان الإشراف على الأمن، وأدخلت المذكرات القضائية مطلبا فيما يتعلق بأساليب المراقبة الاقتحامية
"
وأوضح الباحث أن جميع وسائل جمع الاستخبارات تتضمن مآزق أخلاقية بدرجات متفاوتة، لذا ابتكرت لجان الإشراف على الأمن، وأدخلت المذكرات القضائية مطلبا فيما يتعلق بأساليب المراقبة الاقتحامية، ووضعت الفقرات التي تبطل كل أجزاء القانون بعد مرور فترة محددة في التشريعات الطارئة المضادة للإرهاب.
 
انتقل المؤلف للحديث عن تمويل الإرهاب، وقد برزت بعد أحداث 11 سبتمبر، عمليات تعقب وتجميد واحتجاز الأموال الموجهة نحو النشاط الإرهابي، ودور المنظمات الخيرية في تمويل الجماعات العاملة في الإرهاب.
 
لكن تلك المحاولات لوقف تمويل الإرهابيين تعرضت لعوائق تتعلق بالتعارك الداخلي بين الوكالات، وأيضا الشك في مصداقية الدليل الذي استخدم لتبرير تجميد أصول المنظمات، بالإضافة لصعوبة التمييز بين المنظمات الخيرية المشروعة وواجهات تمويل الإرهابيين.
 
واستخدمت كذلك العقوبات الاقتصادية في  محاولة وقف رعاية الدول للإرهاب، ومنع تدفقات الأسلحة والإمدادات العابرة للقوميات للجماعات الإرهابية، إلا أنها أدت إلى إيذاء مواطني الدول المستهدفة بدلا من الحكومات أو السلطات المتورطة، كما أفضت المصالح القومية المتعلقة بالتجارة والإنتاج والدبلوماسية والنفوذ إلى كسر أو تجاهل العقوبات، أو وقف الإجماع الدولي على فرضها في المقام الأول.
 
مكافحة الإرهاب الإقناعية
يرى المؤلف أن أساس معظم الأحداث الإرهابية هو إرسال رسائل إلى جماهير مختلفة، باستخدام خليط من القهر (التهديد، والعنف، والإرهاب)، والإقناع (المطالب الصريحة أو الضمنية).
 
وكما أن الإرهاب هو خليط من الإكراه والإقناع، فكذلك مكافحة الإرهاب، والردع هو الشكل الأولي للإقناع، كما هو نموذج العدالة الجنائية، ونموذج الحرب تمثل في السياسة الإعلانية للاستباق في الشكل الأولي للإقناع، وهو ما وصفه المؤلف بالإقناع الإكراهي.
 
و أشار المؤلف إلى أنه إذا كان الإرهاب شكلا من الحرب النفسية، فإن البعد الدعائي يصبح عنصرا مهما في مكافحته أيضا، بهدف إحداث تغيير المواقف والسلوك لدى مجموعات أو جماهير مستهدفة بشكل خاص، وذلك بطرقتين، هما تعديل المعتقدات والمواقف والعادات غير المرغوب فيها، وتعزيز المعتقدات والمواقف والعادات المرغوبة فيها.
 
وأوضح الباحث أن أساليب إقناعية كالتأكيد على عدم جدوى الإرهاب، والدخول في مناظرات، وعمليات التبادل الثقافي، وأساليب قانونية كالنص على تخفيض العقوبات للمتعاونين مع السلطات، والسماح بإعادة دمج العادلين عن استخدام العنف في المجتمع، من شأنها تقويض الإرهاب على المدى الطويل.
المكافحة الدفاعية
"
اتسع مؤخرا نطاق الهدف المراد تصليبه، فبالإضافة إلى الأفراد المهمين، والأماكن المهمة، والأحداث الكبرى، شمل كذلك حماية البنية التحتية الحساسة
"
ينتقل المؤلف للحديث عن أنواع الإجراءات الدفاعية، بهدف تقليل خطر الهجوم الإرهابي إلى الحد الأدنى من خلال جعل الهدف أقل جاذبية بالنسبة إلى الهجوم، وهو ما يعرف بتصليب الهدف.
 
واتسع مؤخرا نطاق الهدف المراد تصليبه، فبالإضافة إلى الأفراد المهمين، والأماكن المهمة، والأحداث الكبرى، شمل كذلك حماية البنية التحتية الحساسة، بما في ذلك مجالات الطاقة والنقل والصناعة والاتصالات والصيرفة، والحياة الحضرية وغيرها من القطاعات الرئيسية.
 
أضف إلى ذلك أيضا مراقبة تدفق الناس والسلع والخدمات وتنظيمها، من خلال تشريعات وضوابط الحدود والجمارك والتجارة والمعاملات المالية، والسفر والهجرة واللاجئين والباحثين عن حق اللجوء السياسي.
 
وتتمثل المقاربة الأخرى للدفاع في تخفيف أثر الهجمات التي يتم تنفيذها، وذلك بواسطة جاهزية الطوارئ، وتخطيط الطوارئ، وإدارة الأزمة، وإدارة العواقب والدفاع المدني، وتشجيع وتعزيز مرونة المواطنين، وفهم العواقب الاجتماعية والنفسية للهجوم الإرهابي، وغيرها.
 
وأورد الكاتب عددا من المشكلات تشوب هذه المقاربات، منها تعلم الإرهابيين من التجربة، وبالتالي توجههم إلى الإبداع والالتفاف على جهود تصليب الأهداف، أو التحول إلى أهداف أخرى أكثر ضعفا.
 
وأبرزت حماية البنية التحتية الحساسة مشكلات من قبيل الانضباط المالي والإنفاق الحكومي والتخفيضات الضريبية، والاتهام أحيانا بالإهدار، وتوجيه الاعتمادات المالية بطريقة خاطئة، وتقييم الأخطار بطريقة غير دقيقة، وحتى بالفساد.
وتحدث المؤلف عن نموذج دفاعي متكامل يجمع بين المنع والتخفيف والجاهزية والاستجابة والتعافي، باعتبار أن هذه النطاقات الأساسية تتقاسمها تشكيلة واسعة من المخاطر أو التهديدات، كما أنها تناسب أيضا التقييم والإعداد لمكافحة الإرهاب في المدى الطويل.

مكافحة طويلة الأجل
يؤكد المؤلف أنه لا يوجد حل سريع لمشكلة الإرهاب، فالإستراتيجيات القمعية يمكنها أن توقف عمليات الإرهابيين، ولكنها قد تفضي إلى حركة عكسية، بتغذيتها للحنق، وخلق مظالم جديدة، وتسهيل الاستقطاب إلى قضايا جديدة أو قضايا أعيد إنعاشها، بالإضافة إلى ما نتج عن الحرب على الإرهاب، من تآكل حكم القانون والحريات المدنية للمواطنين وثقتهم بالحكومة.
 
وبناء عليه، يركز المؤلف على أهمية مكافحة الإرهاب على المدى الطويل، من خلال القضايا الأكثر بنيوية، ومن وسائله التنموية، والانتفاع من الموارد، والتجارة، والمساعدات الخارجية، التي تستهدف تخفيف الوقود الأيديولوجي الذي يشكل القوة الدافعة للردكلة الإرهابية.
 
بالإضافة إلى العمل على تحسين الظروف في الدول الطاردة للمهاجرين، وتشجيع الحقوق الاجتماعية والاقتصادية، وتعزيز الأنظمة القانونية، وتشجيع الحوار العابر للقوميات، وتعزيز التعليم، والفهم المتبادل عبر الثقافات والحضارات، بالإضافة إلى تقوية دور المدرسة ووكلاء الضبط الاجتماعي والشرطة والجيش والدمقرطة والحماية البيئية والتعاون الدولي  ومكافحة الإرهاب على المدى الطويل.
 
وأكد الكاتب في خاتمته على ضرورة الجمع بين مختلف المقاربات لمكافحة الإرهاب، على المستويات المحلية والقومية والإقليمية والدولية، فلا تستطيع مكافحة الإرهاب أن تكون مجرد رد فعل أو قمع.
 
وأكد أن سياسة مكافحة الإرهاب في الدول الديمقراطية وضمن نظام عالمي آخذ في التعولم، يجب أن تحاول تحقيق القبول إلى جانب الفاعلية، باعتبارهما معيارين ينبغي أن يتوازنا في المعركة ضد الإرهاب.
 
وأضاف أن اتباع أسلوب العنف باعتباره المسار السهل في مكافحة الإرهاب، فيه تأكيد على معتقدات أولئك المتعصبين والمناصرين المتشددين للإرهاب، في حين أن اتباع الجهود الطويلة الأمد التي وصفها بأنها مسار صعب من شأنها عزل هؤلاء المتعصبين وتسهيل تقديمهم إلى العدالة.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة