الجزيرة المرآة الثائرة   
الاثنين 12/11/1426 هـ - الموافق 12/12/2005 م (آخر تحديث) الساعة 15:21 (مكة المكرمة)، 12:21 (غرينتش)

عرض/ عبد السلام رزاق
رغم التهم العديدة والمحاولات المحاكة من حكومات غربية وأخرى عربية, فإنه تصدر بين الفينة والأخرى مواقف موضوعية عن كتاب غربيين تضع قناة الجزيرة الفضائية في مكانتها الحقيقية.


- الكتاب: الجزيرة المرآة الثائرة والغامضة في العالم العربي
- المؤلف: أولفا لملوم
- عدد الصفحات: 140
- الناشر: لا ديكوفيرت, فرنسا
 - الطبعة: الأولى 2004

وتعد "أولفا لملوم" أحد هؤلاء, وكتابها "الجزيرة, المرآة الثائرة والغامضة في العالم العربي" نموذج واضح للتعاطي الموضوعي مع القناة من حيث السياسة التحريرية وكذا من حيث الآفاق المستقبلية للقناة في المشهد الإعلامي العالمي الذي يعرف حالة متواصلة من التحول والمنافسة.

الميزة الكبرى للكتاب هو قوته التوثيقية التي لمت بجماع ما قيل وكتب عن الجزيرة منذ بداية نشأتها وحتى عام 2004, مع ميزة خاصة هي تمكين القارئ من قراءة مستقبل القناة في معترك السياسة العربية والدولية, وخلق نخب ثقافية جديدة قادرة على طرح البديل للنموذج الأميركي.

الجزيرة ورهانات التميز
لا تجد الباحثة التونسية الأصل الفرنسية الثقافة أولفا لملوم المتخصصة في الإعلام والدراسات السياسية بالجامعة الفرنسية أدنى حرج في التأكيد على أن قناة الجزيرة تمكنت في وقت وجيز من تحقيق معادلة غير مسبوقة في المشهد الإعلامي العربي والدولي خلال مرحلة ما بعد الحرب الباردة. معادلة تقوم على تحقيق ثنائية النجاح والتميز.

"
الإنجازات التي حققتها الجزيرة منذ نشأتها وحتى عام 2004, جعلت منها "قناة مستهدفة" من أصحاب القرار, خاصة من قبل الساسة الأميركيين الذين ظلوا يرون فيها على الدوام خصما لدودا ومصدر إزعاج دائم لهم
"

فهي ترى بأن العداء الأميركي للجزيرة أمر قائم منذ انطلاق القناة, وأنه بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2003 مباشرة أخذت هذه العداوة بعدا آخر. فدعوة كافة الأجهزة السياسية الأميركية خاصة وكالة الاستخبارات الأميركية وهيئة الأمن الفدرالي والكونغرس للرئيس جورج بوش "بتوجيه إنذار سريع إلى دولة قطر وحثها على إغلاق القناة أو تغيير أفراد طاقمها بصحفيين أكثر اعتدالا تمثل برأي الكاتبة أهم شهادة على نجاح القناة.

فقناة الجزيرة حسب الدارسة تميزت مند بدايتها في نوفمبر/ تشرين الثاني 1996 بامتلاك هامش من الحرية, ورأسمال رمزي تمت مراكمته من خلال تغطياتها لعملية ثعلب الصحراء ضد العراق في عام 1998 وتقديمها للصورة الحقيقية لتلك الحملة وهو ما أثار طبعا حفيظة الأميركيين.

إضافة إلى ذلك متابعاتها الحية لتفجيرات 11 سبتمبر/ أيلول, ولعبها لدور الشاهد على سيناريوهات الحرب الأميركية ضد الإرهاب سواء في عمق الأراضي الأفغانية أو في باقي دول العالم.

كل هذه الإنجازات والمواقف جعلت قناة الجزيرة حسب الكاتبة "قناة مستهدفة" من قبل أصحاب القرار. خاصة من قبل الساسة الأميركيين الذين ظلوا يرون فيها على الدوام خصما لدودا ومصدر إزعاج دائم لهم.

فالتهمة الأميركية التي أطلقها الكاتب الأميركي من أصل عربي فؤاد عجمي الذي اعتبر قناة الجزيرة بأنها "قناة بن لادن" خدمت القناة من حيث يدري الأميركان ولا يدرون. فإضافة إلى النجاحات المتحققة عبر تغطية الأحداث الساخنة, فإن تغطية القناة لأخبار بن لادن لا تخرج كليا عن خط التحرير للقناة والقائم على عرض كافة وجهات النظر.


وبالتالي فإن أشرطة بن لادن وخطاباته التلفزيونية التي تعتبرها الأجهزة الأميركية عنصر اتهام تمثل مادة خبرية تستحق النشر. وفي حالة العكس فإن القناة تكون قد أخلت بأحد بنود الرسالة الإعلامية والقائمة على حق المشاهد في الإخبار, إلا في حالة واحدة هي عندما يعتقد البعض بأن تصريحات بن لادن أو أشرطته المسلمة لقناة الجزيرة لا يمكنها أن تقدم مادة إخبارية, فالقضية هنا تكون محسومة سلفا.

وعلى هذا الأساس فإذا كانت أشرطة بن لادن قد قدمت للجزيرة مادة إخبارية خاصة لم تحصل عليها قنوات أخرى, فإن الجزيرة أيضا أعطت لبن لادن صورة وصوتا لم يكن بإمكانه أن يجدها إلا في قناة تنشد الاستقلالية. والنتيجة كانت هي أن عدد مشاهدي القناة في العالم العربي بلغ 35 مليون مشاهد فيما بلغ عدد المشاهدين في أوروبا وأميركا الشمالية والجنوبية 15 مليون مشاهد.

"
قناة الجزيرة مسؤولة عن حركية الثقافة السياسية البديلة في العالم العربي والسبب في ذلك هو أنها نجحت في تسويق نفسها للمشاهد العربي والغربي باعتبارها قناة ناقلة للمادة الخبرية وباحثة عن الحد الأقصى للحقيقية
"

ولذلك فإن نجاحات الجزيرة وإن كانت متحققة بفعل خطها التحريري العام فإن الساسة الأميركيين ساهموا أيضا في الزيادة من نسب نجاح الجزيرة وما إقبال المواطنين الأميركيين على الاشتراك في تلقي خدمات القناة إلا صورة عاكسة لذلك النجاح.

أما التميز فقد جاء هو الآخر من مصدر أميركي, فمجلة التايمز الأميركية في أبريل/ نيسان 2004 أقرت حسب الكاتبة بأن الجزيرة توجد ضمن القائمة المشكلة من مائة شخص ومؤسسة يؤثرون في العالم. ولهذا وصفتها الكاتبة بأنها "ريح قوية للتغيير في عالم عربي ألِف ثقافة الصمت والاستكانة".

وتذهب لملوم أبعد من هذا لتؤكد بأن قناة الجزيرة مسؤولة عن حركية الثقافة السياسية البديلة في العالم العربي والسبب في ذلك هو أنها نجحت في تسويق نفسها للمشاهد العربي والغربي باعتبارها قناة ناقلة للمادة الخبرية وباحثة عن الحد الأقصى للحقيقية وعارضة لكافة وجهات النظر دون تحيز أو انتصار مجاني لجهة ضد جهة.

فهذه الشهادة الأميركية في حق الجزيرة اعتبرت برأي الكاتبة تأكيدا آخر على أن ارتفاع معدلات الرفض الأميركي لن يوازيه سوى تصاعد لمؤشرات نجاح الجزيرة.

الجزيرة والبحث عن الحقيقية
اختارت إدارة قناة الجزيرة أن تعرف هذه التجربة الإعلامية بأنها " قناة عربية المنشأ عالمية التوجه, قوامها الرأي والرأي المضاد". وهذا الاختيار هو ما جعلها برأي الكثيرين في مأمن من السقوط في مزالق الرؤية الأحادية الجانب, والانتصار المجاني لهذه الجهة دون تلك. وربما هذا ماساهم في انتزاع القناة لاعتراف الأصدقاء والخصوم في نفس الآن.

ولأن الجزيرة كمشروع إعلامي تقاطعت فيه عناصر عدة منها حضور صحفيين متميزين إلى جانب إرادة سياسية, فإنه كان ولا بد من خطاب جديد لدفع هذا المشروع إلى الأمام. وهذا الخطاب لا يمكنه إلا أن يكون خطابا كونيا, هو الديمقراطية وقيم التسامح.

فالديمقراطية هي الخطاب المؤهل للقيام بدور التغيير في العالم العربي. ومن ثُم فإن معاداة قناة الجزيرة هو في الصميم معادة للديمقراطية. ولعل تحليل الكاتبة لمقولة الرأي والرأي الآخر تقود القارئ إلى أن الديمقراطية التحريرية المعتمدة على القبول والاستماع للرأيين معا هي لب الشرط الديمقراطي الإنساني.

ولذا تذهب لملموم إلى أن قناة الجزيرة قد نجحت في تحطيم الطابوهات (المحرمات) التي هيمنت على العالم العربي منذ عقود عدة كما نجحت في إبراز رؤى جديدة.

"
قناة الجزيرة نجحت في تحطيم الطابوهات (المحرمات) التي هيمنت على العالم العربي منذ عقود عدة, كما نجحت في إبراز رؤى جديدة من خلال فتح الباب أمام أصوات المعارضة في مناطق كثيرة من العالم العربي والإسلامي  
"

فمسيرة القناة التي انطلقت بكسر الاحتكار الذي كانت تقوم به القنوات الحكومية في أغلب الدول, تمخض عنها فتح قناة الجزيرة للأصوات المعارضة للسياسة العربية سواء في سوريا أو السعودية أو المغرب أو في مواقع أخرى من العالم العربي والإسلامي.

ولكن من الناحية التحريرية الصرفة لا يمكن اعتبار هذا الأمر بأن القناة معارضة لذات السياسات وإنما الهم الإعلامي المعتمد هنا هو الاستماع للرأي والٍرأي الآخر. وترك الفرصة للمشاهد لكي يحكم. وهذا هو جوهر الديمقراطية, وتلافي سياسة الحجر على عقل المشاهد.

الجزيرة وتحدي السياسة الأميركية
حالة التجاذب المتواصل بين قناة الجزيرة والسعي الحثيث من قلب الإدارة الأميركية إلى احتواء الجزيرة أو إسكات صوتها وحالة الرفض الدائم لإدارة القناة بتحقيق مسافة مهمة من الاستقلالية في وجه دواليب القرار السياسي الأميركي جعل الباحثة تهتدي إلى أن العلاقة بين قناة الجزيرة باعتبارها أهم قناة في العالم اليوم وبين الولايات المتحدة الأميركية تقوم على لعبة التحدي بين الإعلام والسياسة.

وهذه الصورة تكشف برأي الكاتبة أن السياسة الإعلامية للولايات المتحدة الأميركية المعتمدة على شبكة كبرى من القنوات المتمثلة في (ABC . CBC . FOX news . CNN)  فشلت في مقاومة الجزيرة في المواقع الساخنة سيما في حرب كابل وقندهار والعراق.

"
رغبة الساسة الأميركيين في خلق "مخطط مارشال" ثقافي والهيمنة على العقل العربي أو على الأقل تنميطه, لم يعد مدركا طالما أن الجزيرة تمثل برأي الكثيرين مدافعا عن المنظور الإعلامي والثقافي العربي
"

وأن ذات الفشل دفع بالمسؤولين الأميركيين إلى إلصاق التهمة بالجزيرة باعتبارها قناة تدعو إلى التحريض على الإرهاب ونشر أطروحات بن لادن, في حين أنها بعملها هذا تكون برأي الكاتبة قد نصبت نفسها في مواجهة الجزيرة الأمر الذي غذى وما زال يغذي مقولة "صراع الحضارات بين الشرق والغرب".

فالحرب الأميركية على ما يسمى الإرهاب اعتمدت على القنوات السالفة في تسويق المنظور الأميركي لهذه الحرب بحكم سيطرتها وتحكمها في الصور لكن ظهور الجزيرة, كسر هذا الاحتكار, وأصبحت الجزيرة تقدم منظورا آخر مغايرا لما كان مألوفا.

وبالمقابل فإن رغبة الساسة الأميركيين في خلق "مخطط مارشال" ثقافي والهيمنة على العقل العربي أو على الأقل تنميطه لم يعد مدركا طالما أن الجزيرة تمثل برأي الكثيرين مدافعا عن المنظور الإعلامي والثقافي العربي لكن وفق شروط التعددية والقبول بالرأي والرأي الآخر.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة