سلاح القوي   
الأربعاء 18/3/1434 هـ - الموافق 30/1/2013 م (آخر تحديث) الساعة 8:39 (مكة المكرمة)، 5:39 (غرينتش)

عرض/ زياد منى

يبدو من عنوان المؤلَّف أنه أحد الكتب الجديدة التي تعكس ولع البعض بنقد الولايات المتحدة الأميركية وتحميلها مسؤولية كل مصائب العالم، لكن الواقع غير ذلك. فمعظم المشاركين في الحوارات التي يحويها أكاديميون معروف عنهم الرصانة العلمية.

المؤلَّف حررته كل من جيهان أكسان وجون بيلز وكتبا مقدمته. مراجعتنا هذه ستقتصر على ذكر النقاط الرئيسة التي يتم تناولها في الكتاب وسبب التركيز عليها، لكننا نترك للقارئ المهتم متابعة رأي كل مساهم في القضايا المطروحة بالتفصيل في المؤلف، وسنقصر قراءتنا هنا على ذكر العناوين العامة لكل حوار.

عند التعامل مع هكذا مسألة جدلية لكنها على جانب كبير من الأهمية للعالم بسبب ارتباطها الوثيق بالقانون الدولي وتبعات كل نقطة فيه، من الضروري شرح مجموعة من التعريفات والمصطلحات ومناقشتها علميًا واعتمادًا على حقائق تاريخية، وإلا أضحى الكلام فيها دعاية سياسية مملة ومثالا رديئا لما يوصف بأنه شيطنة الغرب وتحميله مسؤولية مصائب البشرية. وهذه الشروح نعثر عليها ضمن الحوارات، لكن أيضًا في مقدمة المحاورين القيمة.

-الكتاب: سلاح القوي-حوارات في إرهاب الدولة الأميركية
-المؤلف: مجموعة من الكتاب حاورهم: جيهان أكسان، وجون بيلز
-عدد الصفحات: 246
-الناشر: بلوتو برس، لندن, المملكة المتحدة
-الطبعة: الأولى/2013

بنية الكتاب
المحاوران قسما الكتاب ليتعامل كل جزء بجانب محدد، وطلبا من المساهمين التركيز عليها. الفصول من الثاني إلى الخامس هدفها تطوير مفهومهم لإرهاب الدولة وتحديد المعايير القانونية والأخلاقية التي تساعد في تقويم سياسة الولايات المتحدة الخارجية. الفصول 6 إلى 8 مخصصة لبحث مفعول مصطلح الإرهاب الخطابي في العامة.

الفصلان 9 و10 يسلطان الضوء على أهداف ممارسة الولايات المتحدة إرهاب الدولة. بقية الفصول مخصصة لتقديم شرح موسع لآثار تدخل الولايات المتحدة في المشرق العربي ودعم إرهاب الدولة الذي تمارسه إسرائيل وأميركا اللاتينية والجيوش السرية في أوروبا، حيث تتم التغطية على الجوانب الاقتصادية التي تتصدر قائمة الأهداف.

منهجية الكتاب
الكتاب يشدد على أنه طلب من كل شخص حاوره توسيع مجال نقده، وليس فقط تكراره، وفي الوقت نفسه شرح أسباب النتائج التي وصل أو وصلت إليها، وتوضيح تلك الأسباب والدفاع عن النتائج والأحكام التي أطلقوها بحق الولايات المتحدة. والهدف النهائي تقديم إثباتات دامغة لا مجال لدحضها بأن الولايات المتحدة الأميركية هي الطرف الأكثر تماسكا وثباتًا على إثارة إرهاب الدولة وممارستها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

لماذا إرهاب الدولة؟!
قبل ذلك وجب ذكر سبب التركيز على إرهاب الدولة واستثناء عمليات الإبادة الجماعية أو جرائم الحرب؟ السبب البديهي، بحسب المؤلَّف، اكتساب المفردة "الإرهاب" مغزًى خطابيًا استثنائيًا، خصوصًا في الولايات المتحدة، منذ أن أطلق الرئيس رونالد ريغان حملته ضد الإرهاب في عام 1980 وتفوق استعمالها في الخطاب التحريضي اليومي على غيرها من مفردات الإجرام الجماعي. سبب آخر لاختيار موضوع الإرهاب ارتباطه بأهداف سياسية وليس كونه مقصورًا على عملية القتل أو بتر الأعضاء وغير ذلك من الجرائم المشينة.

تعريف الإرهاب
مصطلح الإرهاب يشكل النقطة الأولى الواجب لفت الانتباه إليها والتعامل معها في هذا العرض أو هذه القراءة على نحو علمي، وشرح معناه الذي غالبًا ما يوصف بأنه سلاح الضعيف، تمارسه مجموعات أقليات ذات سلطة ومصادر محدودة لتحقيق أهداف أو مآرب سياسية.

إذا قبلنا بهكذا وصف فمن البديهي الاستنتاج بأن الطرف الذي يمتلك شرعية، أي دولة ما، وذات قدرات عسكرية ومادية وسياسية، لا محدودة، لا يمكن أن تمارس الإرهاب. هذا التوصيف بحد ذاته يوضح مدى التحامل على الطرف الأضعف، ومنه أتى عنوان الكتاب: سلاح القوي.

لا شك في أن بعض المجموعات المعزولة تلجأ أحيانًا للإرهاب لتحقيق أهدافها، إلا أن حجم تلك الجرائم ومداها محدودان للغاية: فوفق الأرقام التي نشرتها الإدارات الأميركية، دومًا وفق المؤلف، بلغ عدد ضحايا العمليات الإرهابية في العالم بين عامي 1975 و2003 نحو 14 ألف روح بشرية.

في الوقت نفسه تقول دراسة مؤسسة أميركية متخصصة بالإرهاب إن عدد ضحايا العمليات الإرهابية المحلية والخارجية في داخل أراضي الدولة بين عامي 1970 و2007 بلغ نحو 3300 ضحية، معظمهم سقط في 11 سبتمبر/أيلول. الآن إذا أراد المرء عقد مقارنة وجب التذكير بأن عدد ضحايا حملة نظام سوهارتو في إندونيسيا، والمدعوم أميركيًا، على تيمور الشرقية بين عامي 1975 و1999 بلغ نحو 200 ألف روح بشرية! من هذا المنطلق من غير الصحيح عقد مقارنة بين سلاح الضعفاء وسلاح القوي.

الكتاب يعرف الإرهاب بأنه: الاستعمال القصدي للعنف أو التهديد باستعماله، ضد المدنيين لإثارة الرعب بين جمهور يتجاوز الضحايا المباشرين، لتحقيق أهداف سياسية

من هذا المنظور فمن غير الصحيح القول إن الدول لا ترتكب أعمالاً إرهابية، مع أن الخطاب السائد في المحافل الدولية ووسائل الإعلام العالمية يعمل على استثناء القوي من هكذا جرائم. فلنأخذ التعريف الأميركي الرسمي للإرهاب الذي يقول: إنه عمل عنيف مقصود ذو دوافع سياسية يمارسه أشخاص أو مجموعات منعزلة ضد أهداف غير محاربة أو مشاركة في حرب. هنا يرى المرء أن هذا التعريف يقصر الإرهاب على أشخاص أو مجموعات معزولة، بما يستثني إرهاب الدولة.

في الوقت نفسه، فإن مكتب التحقيقات الاتحادي يعرف الإرهاب بأنه الاستعمال غير المقونن للعنف أو القوة ضد أشخاص أو ممتلكات بهدف إكراه أو ترعيب حكومة ما أو السكان أو قسم منهم قصد الوصول إلى أهداف سياسية أو اجتماعية. ومع أن هذا التعريف لا يستثني إرهاب الدولة صراحة فإن إدراج المفردة غير المقونن يستثني الدولة التي تلجأ لاستخدام مختلف أنماط العنف عند تأدية واجباتها تجاه المجتمع.

أما دفتر القوات المسلحة الأميركية فيقدم تعريفًا لا يختلف في جوهره عن سابقيه حيث يستثني الدول من ممارسة الإرهاب.

الكتاب من جانبه يقترح تعريفًا موسعًا للإرهاب، من دون نفي الاعتراف بعدم الحاجة لتقديمه على نحو غاية في الدقة. يقول التعريف المقترح: الاستعمال القصدي للعنف أو التهديد باستعماله، ضد المدنيين لإثارة الرعب بين جمهور يتجاوز الضحايا المباشرين، بهدف تحقيق أهداف سياسية.

الإرهاب ممارسة وتجليات
من هذا المنطلق لا يمكن عد الحرب إرهابًا لأنها لا تستهدف المدنيين لترويعهم، لكن في الوقت نفسه لا تعني أن طرفا لا يلجأ للإرهاب في الحروب. فإذا أخذنا مبدأ الصدمة والترويع الذي طبقته الولايات المتحدة عند عدوانها على العراق عام 2003، وهدفه، حسب مطلقيه، الهيمنة السريعة والكاملة بهدف إحداث شلل في الطرف الآخر يجبره على الرضوخ لأهدافنا.

هذا يعني أن الهدف ليس فقط القوات المسلحة المعادية وإنما مجمل السكان المدنيين وإجبارهم على قبول التغيير السياسي، وبالتالي الإملاءات الاقتصادية وغيرها. ومن هذا المنظور، لا يمكن نفي عد ذلك المبدأ إرهابًا، مساويًا لجريمتي هيروشيما وناغازاكي اللتين وجهتا قصديًا وعن سبق إصرار وتصميم نحو المدنيين العزل، والكتاب يضيف إلى ذلك جريمة قوات الاحتلال الأميركي في مدينة الفلوجة العراقية.

كما يذكر الكتاب بلجوء إدارات أميركية إلى تعبير نظرية الرجل المجنون لتوصيف بعض جرائم الإدارات الأميركية، خصوصًا إبان إدارة كل من رتشارد نيكسون ورونالد ريغان الذي قيل إنه كان يعاني مرض ألزهايمر عندما كان في منصبه وكذلك جورج بوش الابن، علمًا بأن نيكسون هو مطلق النظرية لترهيب فيتنام الشمالية عبر الوحي بأنه قد يقدم على عمل جنوني مثل قصفها بالسلاح الذري.

يضاف إلى هذا كله التهديد باستعمال القوة تجاه طرف لا يستجيب لإملاءات الأقوى، وهو عمل إرهابي بامتياز.

وعمليات الاغتيال السرية التي مارستها الإدارات الأميركية تعد أعمالاً إرهابية، لكن فشل بعضها الذريع وما رافق ذلك من فضائح، أجبر الرئيس الأميركي فورد على حظر عمليات اغتيال الرؤساء. مع هذا فإن العمليات السرية لوكالة الاستخبارات المركزية في بقاع العالم معروفة ولعل أكثرها شهرة عمليات خليج الخنازير ضد كوبا، والانقلاب الفاشي على الرئيس التشيلي المنتخب سلفادور ألندي وقتله، وانقلاب غواتيمالا عام 1954، وغيرها الكثير.

دعمت الولايات المتحدة عسكريًا واقتصاديًا ومعلوماتيًا نظام سوهارتو المسؤول عن إبادة نحو ربع سكان تيمور الشرقية، عدا عن قتله نحو نصف مليون مواطن (شيوعي) واعتقال ثلاثة أرباع مليون آخرين

كما عملت مختلف الإدارات الأميركية على ممارسة الإرهاب المنظم إبان فترة الحرب الباردة، ومن ذلك على سبيل المثال تطبيق مبدأ نيكسون القائل بوجوب تحمل السلطات الوطنية في كل دولة مسؤولياتها واقتصار تدخل بلاده على الدعم.

لذا فقد دعمت الولايات المتحدة عسكريًا واقتصاديًا ومعلوماتيًا نظام سوهارتو المسؤول عن إبادة نحو ربع سكان تيمور الشرقية، عدا عن قتله نحو نصف مليون مواطن (شيوعي) واعتقال ثلاثة أرباع مليون آخرين، وهو ما رحبت به الإدارة الأميركية علانية على لسان وكيل وزير خارجيتها جورج بول.

والمساعدات العسكرية الأميركية للأنظمة التي تمارس الإرهاب بحق شعوبها يجعلها تُعد شريكة فيه، لأن الدعم عادة ما يكون مرتبطًا بتدريب قوات المستلم ومساعدته في حروبه.. إلخ.

الإرهاب الخفي
الكتاب يناقش أيضًا فترة حكم كارتر الذي رفض شن أي حرب، لكنه يوضح بحقائق موثقة مدى انغماس إداراته في دعم الإرهاب المنظم لبعض الدول تجاه شعوبها أو شعوب جيرانها. في الوقت نفسه، يشدد الكتاب على أن التركيز على دور الإدارات الأميركية المختلفة في هذه الجرائم لا يعني إطلاقًا تبرئة الأنظمة المجرمة من فظائعها تجاه شعوبها وجيرانها.

وأخيرا, ما سبب انتقاء الولايات المتحدة من بين كل الدول القوية. يجيب المؤلَّف بالقول: المكانة الخاصة التي تتمتع بها في العالم ومدى تأثيرها العالمي، ليس فقط العسكري والسياسي، وإنما الفكري أيضًا. فعلى سبيل المثال، عندما انطلق الحراك في كل من تونس ومصر، نظر العالم، أو لنقل المراقبون، إلى واشنطن لرؤية رد فعلها على تلك التطورات المهمة.

أي أن سبب اختيار الولايات المتحدة موضوعًا ومثالاً لإرهاب الدولة سببه ليس معاداتها، الفطرية لدى البعض، وإنما انطلاقًا من دورها المهيمن عالميًا وبالتالي الدور الرئيس الذي تمارسه في مختلف أنحاء العالم، منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وتأثير ذلك عالميًا، وفي مصير شعوب وأمم ودول وقوميات.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة