الثورة السورية الوطنية   
الثلاثاء 1434/5/29 هـ - الموافق 9/4/2013 م (آخر تحديث) الساعة 13:14 (مكة المكرمة)، 10:14 (غرينتش)

عرض/ محمد تركي الربيعو

تسعى هذه الدراسة -والتي أعدها المؤرخ الأميركي مايكل برفنس لنيل درجة الدكتوراه من جامعة شيكاغو- إلى بناء سردية تاريخية مغايرة للمجال الريفي السوري، ودور هذا المجال في بناء هوية وطنية جديدة.

-الكتاب: الثورة السورية الوطنية وتنامي القومية العربية
-المؤلف: مايكل برفنس
-عدد الصفحات :340
-المترجم : وسام دودار
الناشر: دار قدمس، دمشق
-الطبعة: الأولى 2013

وتعود أهميتها لما تثيره من جدال ونقاش مع العديد من الدراسات التي تناولت واقع سوريا أثناء مرحلة الاستعمار الفرنسي، والتي أبدت اهتماما أكبر بسياسة النخب من أهل المدن، وبقيت رؤيتها للهوية المجتمعية وكأنها معطى ثابت وليس معطى تاريخيا قد يتغير بمرورالزمن.

ولذلك يحاول الكاتب -من خلال الاعتماد على أكثر من خمسة آلاف وثيقة فرنسية من محفوظات الدبلوماسية الفرنسية المتعلقة بسوريا ولبنان- تقديم قراءة جديدة لصدى الثورة السورية الكبرى 1925م التي قادتها في البداية مجموعة من الشبان المحتجين على انتهاك شرفهم بقيادة سلطان الأطرش، إثر اعتقال الفرنسيين لضيف طلب الحماية من أحفاد بني معروف (الدروز)مما أسفر عن ثورة مسلحة، كانت أكثر جدية مما اعتقده بعض الدروز والفرنسيين في بداية الأمر.

إذ سرعان ما عجت أسواق دمشق بالشائعات والأخبار البطولية عن رفاق الأطرش، وليغدو هذا التمرد حينها -برأي برفنس- يعبر عن تحرك مجتمعي لتأسيس "جماعة متخيلة" سورية جديدة، تقوده مجموعة من القوى الريفية والمدنية الشعبية التي باتت تمثل ظهور طبقة اجتماعية جديدة، كانت قد رعتها التربية العسكرية والمتغيرات التجارية تاريخيا، في مقابل تمثلات نخب المدن التقليدية لهويتها، والتي بقيت أسيرة لمصالحها الضيقة، ونسقها السياسي التقليدي المعروف بـ"سياسة الأعيان" على حد تعبير المؤرخ اللبناني ألبرت حوراني.

العلاقة بين الدروز وحي الميدان
يحاول الكاتب -في بداية دراسته- تقديم خلفية تاريخية لطبيعة العلاقات بين المناطق الريفية والحضرية السورية، ومدى تأثيرها في السياسة الوطنية من بداية العهد العثماني إلى مرحلة الانتداب الفرنسي لسوريا.

ففي ستينيات القرن التاسع عشر أخذت صادرات القمح من جبل حوران وسهله تتوسع بشكل كبير باتجاه مراكز الحبوب في حي الميدان الدمشقي. ولكن شيئا ما أكبر من السوق والقوى الديمغرافية ساق هذا التوسع، تمثل ببروز عائلة رئيسية جديدة في صدارة الجبل وهي عائلة الأطرش، التي غيرت من موازين القوى في جميع أنحاء حوران، وخاصة مع إخضاع البدو المحليين لسيطرتها.

لقد شكل مشايخ الأطرش علاقات تجارية مع التجار من الشرائح الدمشقية الصاعدة حديثا، وتجنبوا علاقات العمل مع العائلات البارزة من النبلاء التي استمدت شهرتها وثروتها من مواقعها البيروقراطية في مؤسسات الدولة، وملكيتها لمساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، مما جعلها تشعر بخطر الهيمنة الدرزية على حوران، ونمو اقتصادها الزراعي.

لذلك، غالبا ما كان التجار الذين تعامل معهم الوسط الاجتماعي الدرزي هم من أبناء حي الميدان، الذين لم ينخرطوا بشكل كبير في الأجهزة البيروقراطية لدمشق العثمانية. وما يثير الاهتمام -برأي المؤلف- أن هذا التحالف قد حافظ على نفسه لفترة طويلة، حتى بعد سحق انتفاضة 1925م، والتي وقفت فيها أكبر العائلات الاجتماعية في حي الميدان إلى جانب ثورة الدروز في حوران.

فبعد مرور عقود على هذه الانتفاضة، وعلى تهميش قادتها من النخب التقليدية الحضرية -كما سنرى لاحقا- أصبح أبناء تجار الحبوب الدمشقيين وأبناء المشايخ الدروز أول الداعمين والمعتنقين للفكر القومي الذي أصبح يعرف بالتيار البعثي في أربعينيات القرن العشرين.

فكان كل من مؤسسي البعث -صلاح الدين البيطار وميشيل عفلق- أبناء تجار حبوب من الميدان، بينما كان الشباب الدروز من أوائل أتباعهم، وفي مقدمتهم منصور سلطان الأطرش.

 

السلطان عبد الحميد الثاني وسياساته الريفية
أمام هذا التنامي في القوة المادية للدروز، والحكم الذاتي القوي الذي باتوا يتمتعون به، فإن الدولة العثمانية غالبا ما سعت إلى قمع كل مظاهر الحكم الذاتي، سواء في حوران، أو في المناطق الإدارية الأخرى.

غير أنه -برأي الكاتب- فإن العصا لم تكن فعالة في تسوية هذه المظاهر، مما دعا الدولة إلى أن تستخدم وسائل خلاقة وبديلة لجذب الريفيين تحديدا إلى فلك الحكومة، وذلك ضمن ثقافة مركزية موحدة.

وسواء في المدن أو في القرى، فإن الوسائل الأولية لتعزيز استيعاب الثقافة والهوية العثمانية كانت التعليم، والوعود بفرص عمل في المؤسسات الإدارية، مما ساهم في خلق نظامين تعليميين:

الأول للحفاظ على نخب الدولة، كما في حالة "مكتب عنبر" في دمشق الذي كان بمثابة مدرسة عالية الكلفة، تهدف لتوفير التعليم الأولي لأولاد النخب المحلية، كي يتم إرسالهم لاحقا للدراسة في مدارس القانون أو الطب العثمانية.

أما المستوى التعليمي الآخر، فقد سعى لتعزيز بناء نخب جديدة من خلفيات ريفية عثمانية متواضعة، من خلال إرسالهم للدراسة في المدارس العسكرية العديدة، ومنها المدرسة القبلية (مكتبي عشيرت) في إسطنبول، والتي أسسها السلطان عبد الحميد في عام 1892 م لإعداد أبناء القادة القرويين للخدمة العسكرية العثمانية. وكان ممن تخرجوا من هذه المدارس ولعبوا أدوارا مركزية في الثورة الكبرى سعيد العاص من دمشق، وفوزي قاوقجي من حماه، ورمضان شلاش من دير الزور، وعلي الأطرش من السويداء.

وقد حافظ هؤلاء الفتيان على صداقات طويلة بعد تركهم للمدرسة العسكرية، مما ساهم في ظهور طبقة اجتماعية جديدة، ترعاها التربية العسكرية، وتتميز بتجاربها العديدة مع العالم الخارجي، بحكم خدمتها في كافة ولايات الإمبراطورية العثمانية.

وضمن هذا السياق التاريخي، فإن مايكل برفنس يرى بأن ما وثقه باتريك سيل من نفور الطبقة الحاكمة في دمشق من الجيش، وأن بروز ضباط قوميين ريفيين في أواخر أربعينيات القرن العشرين كان نتيجة لنفور النخبة واستقطاب القرويين، يبقى محدودا وغير دقيق، وذلك لأن جذور هذه المسألة أبعد من ذلك تاريخيا، كما تبين في هذا الفصل.

العقال والطربوش
يسعى الكاتب بعد تقديم هذه الخلفيات التاريخية إلى تقديم حكاية مغايرة لثورة 1925م، وذلك من خلال قراءة تاريخية وسوسيولوجية لحركة التمرد الريفي، والتي غالبا ما نُظر لها بعيون كولونيالية من خلال تصويرها بوصفها تعبر عن اعتراض رؤساء الإقطاعية الدروز على الإصلاحات "المستنيرة" التي جاءت بها حكومة الانتداب. مما أضفى على هذه الثورة الطابع الفلاحي المحلي، وخاصة أن الوطنية -كما يرى فيليب خوري- كانت الأداة الحصرية للطبقات المدنية العليا والوسطى في سوريا.

وبالرغم مما يشير إليه لباس المتمردين (النمط الذي يلبسه البدو والدروز في المناطق الريفية) من أهمية رمزية -كما توضحه صورة غلاف الكتاب مثلا- فإن الأهم -برأي الكاتب- هو التركيز على التفاعل والتنظيم الاجتماعي، بدلا من المحتوى الثقافي، وخاصة أن العديد من أصحاب النظريات القومية والوطنية -أمثال بندكت أندرسن في دراسته عن "الجماعات المتخيلة"- يرون أن الشعوب غالبا ما تشعر بالانتماء إلى مجتمع أكبر لحظة دخولها في صراع ضد عدو مشترك جديد، كما في حالة العلاقة السلبية بين السوريين والمحتل الفرنسي، والتي ساهمت في خلق مفاهيم شعبية جديدة للهوية السورية.

"
كان رد فعل الفرنسيين قاسيا للغاية من خلال قصفهم العنيف لأحياء دمشق لمدة يومين كاملين، مما اضطر الثوار للانسحاب والاعتراف بفشل الثورة بعد سنتين من اندلاعها
"

وبناء على هذه الرؤية، يبدأ الكاتب بسرد ثورة سلطان الأطرش 1925 م من خلال انعكاسات هذا التمرد على المراكز المدنية، وتمثلات النخبة تجاهها، والتي شهدت جدالا بين رجال مسنين من رجال العائلات النبيلة، الذين سعوا إلى التفاوض وتهدئة الوضع عن طريق اللجوء إلى حكومة الانتداب، وبين جيل جديد تقوده مجموعة ممن يمكن تصنيفهم تحت مسمى "أبطال بلا تاريخ" والذين ينحدرون في أغلبهم من خلفيات تجارية في حي الميدان، مثل عائلتي سكر والمهايني، أو خلفيات عسكرية متواضعة، والذين سعوا في ظل التردد والمواقف السلبية التي شهدتها الساحة السياسية الدمشقية إلى القيام بتحرك عسكري، كما في حالة الشاب فوزي قاوقجي والذي خدم سابقا في الجيش العثماني، والذي قاد مجموعة من الشباب لفتح جبهة ثانية في حماه.

كما أن فرقا من الثوار -ممن ينتمون إلى فئات عادية من الشعب- أخذت تتشكل وتعمل في غوطة دمشق، مثل فرقة حسن الخراط الذي كان يعمل كحارس ليلي في حي الشاغور الدمشقي، والذي قاد رجالا مسلحين داخل أحياء دمشق للهجوم على مقر المندوب الفرنسي في قصر العظم.

بيد أن رد فعل الفرنسيين كان قاسيا للغاية من خلال قصفهم العنيف لأحياء دمشق لمدة يومين كاملين، عندها سويت أحياء كاملة بالأرض وقتل نحو 1500 شخص، مما اضطر الثوار إلى الانسحاب والاعتراف بفشل الثورة بعد سنتين من اندلاعها.

ومع القضاء الفعال على قيادات الثورة، كانت النخب التقليدية تسارع للتوصل إلى تسوية مع الحكومة الفرنسية لتعود بالحياة السياسية داخل سوريا إلى نسق سياسي قديم، بلبوس جديد قائم على قاعدة "التعاون المشرف" بين النخب الحضرية وسلطة الانتداب الفرنسي، مع تجاهل كامل للثوار وتمثلاتهم للظاهرة الاستعمارية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة